"شبح" يثير ذعر مسؤولين في بلدة إسبانية    ترحيل 54 تونسيا من السويد والدولة مطالبة بدفع 12 ألف دينار عن كل مهاجر    إخلاء مقر منظمة يهودية في نيويورك إثر بلاغ    الخطوط التونسية تطلق عرضا خاصا بالجالية التونسية بالخارج من 31 مارس الى 01 جوان 2017    ‘الارهابي المبتسم' فجر نفسه في الموصل حصل على تعويض من لندن    توافق 29 من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء على صيغة حل لأزمة المجلس    كوبلر يرحب بمشاركة مصر وتونس والجزائر في جهود حل الازمة في ليبيا    التحالف: لدينا 500 عسكري أمريكي في سوريا    ماجل بلعباس: تسجيل 4 حالات إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي في مدرسة العباسية    القصرين: تسجيل 4 إصابات بالتهاب الكبد الفيروسي صنف 'أ'    تقدم إنجاز محول الطريق الشعاعية'اكس 2' حي الخضراء    سفراء السلامة المرورية يتحصّلون على جائزة المشاركة المتميزة بمهرجان فيلم السلامة المرورية بجينيف    تونس الأولى عالميا في تصدير الاسفنج    لعكايشي يوجه رسالة لجماهير اتحاد جدة    ناد أسترالي يوقف 14 من أنصاره بسبب لافتة مهينة    الحلقة الأخيرة من مسلسل قلوب الرمان تطغى على حوار السبسي    سيدي الهاني: إصابة 6 أشخاص في انقلاب سيارة أجرة    مجلس وزاري يخصص للنظر في مشروع القانون الأساسي لهيئة مكافحة الفساد    انطلاق 3 مشاريع من المعلن عنها في اطار مبادرة رئيس الدولة لدفع التنمية والتشغيل    تسعيرة الري لا تغطي سوى 30% من مصاريف الاستغلال والصيانة    الثلاثاء القادم: تحركات احتجاجية مركزية وجهوية للعاملين في قطاع الاعلام    اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية: آخر أجل لتقديم الترشحات    توضيح حول مادة الحرير الصخري بخلايا خزان بنزرت    باجة: تفكيك عصابة مختصة في سرقة السيارات الفاخرة    وزارة التربية تقرر اقتطاع أيام الإضراب من مرتبات الأساتذة المضربين    الدوري الأوروبي: برنامج الدفعة الأولى لإياب الدور سادس عشر    بالفيديو.. "الصباح نيوز" تواكب اضراب الأساتذة    النفيضة: إحباط عمليات تهريب بضاعة بقيمة 250 ألف دينار    العدول المنفذون يطالبون بالمصادقة على مشروع القانون المنظم للمهنة    مهنتها كعارضة أزياء أصبحت "نقمة" عليها/ رانيا سليمان ل"الصباح نيوز": هذه تفاصيل المظلمة التي تعرضت لها في النجم وفي منتخب السلّة    فضل شاكر: ابني سيُكمل مسيرتي الفنية!    الرجال أكثر من يدفع الرشوة في تونس    تركيا تسمح بارتداء الحجاب في صفوف الجيش    استقالة الحارس نجم الساندويتش    جماليات الصورة في الكتابة القصصية بين التجربة الذاتية والبحث عنها لدى الآخر    لماذا رفض ظافر العابدين العمل مع نيللي كريم؟    مكتب الرابطة يوبّخ جلال كريفة    أحد عناصرها عون سجون.. تفكيك شبكة مختصة في تهريب وترويج المخدرات    اليوم أساتذة التعليم الثانوي في إضراب عام حضوري    دبلوماسي بين المشتبه بهم في مقتل شقيق زعيم كوريا الشمالية في ماليزيا    تونس: تفكيك شبكة دوليّة مختصّة في الإعتداءات على الأملاك والسطو المسلح على المؤسّسات البنكيّة والتجاريّة    حي الزهور - تونس: العثور على جثة شخص بوادي    بسبب خلاف مع شقيقه.. شاب يضرم النار بجسده    نحو تفعيل خط جوي مباشر بين تونس و الصين    السعودية: فصل 27 طالبة جامعية لتشبههن بالرجال    الداخلية: انخفاض في عدد القضايا الإرهابية وقضايا المخدرات خلال شهر جانفي الفارط    العلماء يشككون في فوائد الشوكولاتة!    عندما يفتي محمد بوغلاّب بما لا شأن له به    وفاة الشاب الجزائري عبد الرحمن زميرلين، في أمريكا    إكتشاف مادة من شأنها أن تُبطئ الشيخوخة    التجهيز: الشروع في تنفيذ الجزء الاول من المشاريع العمومية    قياسات الذاكرة    القيروان: تركيز مدافع عثمانية عتيقة (فيديو)    قناة التاسعة ستبث حصريّا مباريات الدور نصف النهائي والنهائي لكأس تونس    تقرير دولي.. تلوث الهواء قتل 4500 تونسي في سنة واحدة    مخرج "ألهاكم التكاثر": سنتخلى عن العنوان الذي كان بالعربية..و لم يكن هدفنا الاستفزاز أو "البوز"    حملة "طلق زوجتك" تجتاح الأردن وسط استياء دار الإفتاء    البنا مجدد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مدينة قفصة : معبد المياه والقصبة من أهم معالمها ومتحفها تحفة فنية
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

إن الشخص الذي يزور اليوم مدينة قفصة (وهي «قبصة» في العهود القديمة)، لا يشعر إلا نادرا بأنه يزور واحدة من أقدم مدن البلاد التونسية، وبأنها المدينة الوحيدة من بين كامل المدن القديمة، التي تقول الروايات والأخبار بأن تأسيسها كان يكتسي صبغة خارقة للعادة.
وفعلا فليس هناك سوى القليل مما يذكّر الزائر غير المتضلّع بهذا الماضي الذي يعود الى عدة آلاف من السنين، وبهذا التأسيس المهيب. فمن ذا الذي لا يعرف الأسطورة التي تقول ان قرطاج قد تأسست في سنة 814 قبل الميلاد على يد الأميرة الفينيقية «عليسة/ ديدون»؟ ومن يعرف في المقابل الخبر الذي ينقله المؤرخ «سالوست» Salluste بخصوص تأسيس «قبصة» ؟ لا يعرف ذلك إلا القليل من الناس. ومع ذلك، وحسبما يرويه هذا المؤرخ الذي عاصر يوليوس قيصر، وألف كتاب «حرب يوغرطا» فإنّ مؤسس مدينة «قبصة» ليس سوى الإله اللّوبي أو الفينيقي حسب بعض الكتاب الآخرين الذي يدعى «هرقل». وهذا الخبر لا يعدو أن يكون مجرد أسطورة، لا محالة، لكن قيمته تكمن على الأقل في لفت الانتباه الى قدم عهد تأسيس المدينة كما ذكر الأستاذ مصطفى الخنوسي في عرضه لتاريخ هذه المدينة الصادر ضمن منشورات وكالة إحياءالتراث والتنمية الثقافية.
**سكنها الإنسان منذ العصور اقديمة
ونظرا الى انعدام الحفريات العلمية بأرض مدينة قفصة الحالية فإننا نظل نجهل كل شيء عن ماضيها البعيد. أما ما نعلمه في المقابل فهو أن منطقة قفصة كانت آهلة بالسكان منذ أقدم عصور ما قبل التاريخ. وقد بيّنت عمليات البحث العديدة التي أجريت بها أن الإنسان سكنها منذ العهد الحجري القديم بل وأنه أنشأ بها حضارة متميزة النمط اصطلح العلماء على تسميتها «الحضارة القبصية» (Capcienne). أما في ما يتعلق بعصور التاريخ، فإنّ أقدم المعلومات المتسمة بشيء من الدقة، وخاصة ب»قبصة» ومنطقتها، مستمدّة مرة أخرى من عند المؤرخ «سالوست»، فهذا الكاتب يذكر لنا أن «قبصة» قد كانت في عهد الملك النوميدي «يوغرطا» (أواخر القرن الثاني قبل الميلاد)، مدينة «كبيرة وقوية» ومحاطة بأسوار تتدفق داخلها عيون جارية تزود السكان بمياه الشرب بالاضافة الى الأمطار وتتيح عملية ريّ واحة خصبة مزدهرة. وقد تمّ الاستيلاء على المدينة وإحراقها في سنة 108 ق.م. من طرف جنود القائد الروماني ماريوس، لكنها سرعان ما نهضت من تحت الرماد وعادت الى الحياة من جديد. ذلك أن موقعا استراتيجيا بهذه الأهمية لا يمكن أن يظلّ خاليا زمنا طويلا. فمنذ أوائل الامبراطورية الرومانية أصبحت «قبصة» مرحلة حتمية ورئيسية علي الطريق العسكرية الرابطة بين مقر قيادة فيلق «غسطس» الروماني الثالث، الموجود ب»أميدرا» (حيدرة)، وبين ميناد تاكابس (قابس).
وفي عهد الإمبراطور «ترايانوس» (أول القرن الثاني بعد الميلاد)، تدلنا نقيشة لاتينية على أن «قبصة» لا تزال بمرتبة «المدينة الأهلية» (Civitas)، وانها تخضع لإدارة قاضيين اثنين، على الطريق البونية، وبعد أن أصبحت «مدينة ملحقة» بروما في عهد هذا الامبراطور نفسه، ارتقت الى مرتبة «مستعمرة» في تاريخ لا نعرفه بعد.
**تاريخ عريق
وفي حكم الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، فتح القائد العربي عقبة بن نافع بلاد «قسطيلية» (منطقة توزر)، واستولى على قفصة، مقتحما بذلك
مدخل «المزاق» وباسطا نفوذ الدولة الاسلامية نهائيا على كامل تلك المقاطعة. وبعد مرور خمسة قرون على ذلك الفتح أي في أوج منتصف القرن الثاني عشر كان سكّان قفصة، حسبما يذكره الجغرافي العربي الادريسي، لا يزالون يتكلمون اللاتينية، ومازالت عدة كلمات من أأصل لاتيني موجودة الى اليوم في اللهجة العامية لأهل قفصة.
وقد احتفظت المدينة من هذا التاريخ الطويل بعدد من الشواهد وأقدمها بدون منازع هو «الكدية السوداء» (أي الهضبة السوداء) . وهو موقع يعود الى العهد القبصي في فترة ما قبل التاريخ. وقد تمّت المحافظة عليه وسط حي «العسّالة» بالمدينة. ويمكن للزائر أن يمتّع نظره أيضا بمعبد المياه الجميل الذي ألف الناس تسميته «الأحواض الرومانية». وهذا المعلم، الذي تمّ تجديده وتحويره عدة مرات منذ العصور القديمة، كان في العهد الروماني موضوعا تحت حماية الإله ىنفتون» و»حوريات المياه» (Nymphes)، كما تعلمنا بذلك النقيضة اللاتينية التي لا تزال بعض أجزاء منها ماثلة للعيان فوق الجدار الجنوبي لأصغر الحوضين، وهناك معلم ثان جدير بالاهتمام هو أيضا، وهو معلم القصبة المهيبة التي جرى ترميمها عديد المرات، والتي تتضمن جدرانها عددا كبيرا من العناصر المعادة الاستعمال بعد اقتطاعها من مبان ترجع الى العهد الروماني.
وقد تمت تهيئة متحف أثري بجانب الأحواض الرومانية المذكورة، وذلك في نطاق برنامج خاص بعملية إحياء للحي في مجموعة. وهذا المتحف المتألف من قسمين، يقدم القطع التي تمّ اكتشافها بمدينة قفصة وفي منطقتها. وبالاضافة الى مجموعات ما قبل التاريخ، والى القطع الأثرية (من خزف وتماثيل ونقائش وعناصر معمارية) الراجع الى عهود الرومان والوندال والبيزنطيين، فإنّ المتحف يحتضن مجموعة من لوحات الفسيفساء، منها اثنتان فريدتان من نوعها، وهما لوحة ألعاب القوى والمصارعة، ولوحة «فينوس» تصطاد السمك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.