الفيفا يُقدم اقتراحاً رسمياً لمقاعد مونديال 2026‎    نادي ساقية الزيت لكرة اليد: دعوة من النادي الصفاقسي للقيام بالدورة الشرفية بملعب المهيري    ماليزيا توافق على تسليم جثة الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية    حجز نحاس بقيمة 60 ألف دينار بأحد المنازل في سيدي بوزيد    حضره وزير العدل: عرض مسرحي متميز لنزلاء سجن المهدية    منوبة: نسبة التسجيل ببرنامج عقد الكرامة فاقت 50 بالمائة من حصة الجهة    انطلاق المؤتمر الدولي لعلوم الرياضة    هيئة ادارية جهوية للنظر في الوضع المتردي للمؤسسات الصناعية    اللجنة الدولية للحقوقيين تطالب رئيس الجمهورية بالامتناع عن ختم القانون المعدل لقانون المجلس الاعلى للقضاء    القضاء على عنصر إرهابي في الجزائر    الترفيع في ميزانيات المهرجانات في الجهات    كانت تخطط للاتحاق ببؤر التوتر: القبض على امرأة منتقبة تحمل جنسيتين بتوزر    التوقعات الجوية ليوم الجمعة 31 مارس 2017    المغرب يرفع شعار ‘لا أري ولا اسمع ولا اتكلم ‘خلال قمة الأردن    مطار النفيضة يستقبل سياحا من بلجيكا    في برنامج عائشة: عائلة الفنان محمد عبد الوهاب تقاضي الفنانة كارول سماحة    وزير السياحة التركي: الزوار العرب في طليعة أولوياتنا    مضيفة تساعد على هبوط طائرة بنجاح بعد فقدان مساعد الطيار وعيه    المعهد الوطني للاستهلاك يقود استراتيجية وطنية للحد من تبذير الخبز    الخطوط التونسية تسير 3 رحلات أسبوعية إلى قسنطينة الجزائرية    هذه قرارات رئيس الحكومة بعد زيارته للأحياء الشعبية بمنطقتي جوقار وبئر حليمة بزغوان    الكشف عن الدولة التي صدرت أكبر عدد من الانتحاريين إلى "داعش"    الدولة تسترجع 14 الف هكتار من الضيعات الفلاحية    صندوق النقد الدولي ينفي إلغاء زيارته الى تونس    سيدي الهاني: إيقاف شخصين بصدد بيع "الزطلة" في مقهى    وزارة الصحة تفتح تحقيقا في اعتداء أمني على عون صحة    فتح تحقيق في حادثة اعتداء أمني على احد الصحة بمعهد صالح عزيز    ''كنت في الرقة: هارب من الدولة الإسلامية''، كتاب يروي شهادات صادمة و أخرى طريفة لداعشي تونسي    أحدها رفعها رئيس الجمهورية : تأجيل النظر في قضيتين مرفوعتين ضد عماد دغيج    خلال زيارة ميدانية إلى زغوان: كرشيد يؤكد أن قرار التسوية النهائية للتجمعات السكنية سيتم اتخاذه الاثنين المقبل    الصورة الجماعية للقمة العربية: لماذا وقف السبسي في الصف الثاني؟    رغم وجوده في السجن...سعد لمجرد مرشح للفوز بهذه الجائزة    بني خلاد: بناء مدرسة ثالثة وقاعتي تدريس وقاعة مراجعة بالمعهد الثانوي‎    بعد أن هدد بالتخلي عن الجنسية التونسية: سمير الوافي يوجه رسالة الى عصام الدردوري    ديوان الإفتاء يساهم في حملة ترشيد استعمال الماء : '' توجيهات الإسلام''    القيروان: إلقاء القبض على شخص فار من السجن محكوم عليه مدى الحياة    الشاهد في زيارة فجئية لمنطقة جوقار(زغوان)    رسمي: اقالة هنري كاسبارجاك من تدريب المنتخب التونسي‎    افتتاح مطار اللاعب كريستيانو رونالدو بالبرتغال    فنان فرنسي يحاكي الدجاج ويرقد على 10 بيضات حتى تفقس    كافحت السرطان اثناء حملها بتوأم وتوفيت بعد الولادة بيوم واحد    منظمة الصحة العالمية تحذّر من انتشار مرض الحصبة في أوروبا    علماء: الثوم يقي من أمراض القلب    النقد الدولي: " الصندوق لم يُلغ زيارته الى تونس"    موقف ديوان الإفتاء من تقنين زواج التونسيات المسلمات بغير المسلمين    ديوان الإفتاء: لا علم لنا بقانون يبيح للمسلمة الزواج بغير المسلم    الصحبي بن فرج: هناك تلاعب في صفقة انجاز محطة توليد الكهرباء بالتربينتين الغازيتين ببوشمة    وزارة الداخلية تُقدّم تفاصيل حادث اصطدام قطارين بمقرين    البرازيل أول المتأهلين إلى مونديال روسيا    منصف العرفاوي مدربا جديدا للصداقة الليبي    بعد بروزه في العديد من الاعمال.. محمد الداهش يقدم "الداهش ومااندارك"    هل إنسحب صابر الرباعي من لجنة تحكيم برنامج "The voice"    السبسي يُشارك في إفتتاح أشغال القمة العربية ال 28 بالأردن (فيديو)    وزارة الفلاحة تمنع استيراد اللحوم من شركات برازيلية    هكذا تلقى اللاعب ميسي خبر عقوبته    10 أطعمة تساعد في الحفاظ على صحة الكلى    الإصلاح الديني بين العوائق والرهانات... لقاء حواري طرح قراءات لأفكار العفيف الأخضر    بالفيديو: برهان بسيس قدوتي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبره مرجعيتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الاتجاهات الفينومينولوجية الحديثة في علم الاجتماع (تحليل نقدي) (الجزء الأول)
٭ النوبي بن فرج
نشر في الشعب يوم 30 - 07 - 2011


مدخل الى الطرح الفينومينولوجي:
إذا كانت النظرية الاجتماعية المعاصرة قد خضعت خلال السنوات الأخيرة الى انتقادات عديدة من زوايا مختلفة، فان البحوث الاجتماعية الحديثة تعرضت هي الاخرى لمراجعة شاملة بسبب القصور المنهجي الكامن فيها، لقد بدأ بعض علماء الاجتماع المعاصر يشككون في قدرة المناهج الوضعية والامبيرقية على فهم الواقع الاجتماعي فهما عميقا، مما دفعهم الى طرح بعض البدائل المنهجية كالفهم الفينومينولوجي والتحليل الاثنومينولجي، وحينها حققت هذه البدائل المنهجية قدرا من الشهرة والذيوع. بدأ علم الاجتماع الحديث يشهد تنوعا لم يعرفه من قبل.
غير ان علماء الاجتماع المعاصرين قد اتخذوا مواقف متباينة من هذه البدائل المنهجية اذ نجد بعضهم يتخذ منها موقف الرفض المطلق، بينما البعض الآخر يصفها بأنها مسميات جديدة لممارسات منهجية قديمة، وأيا كان الامر فان الفهم الفينومينولوجي للواقع الاجتماعي يمثل في حد ذاته محاولة نقدية للاتجاهات السوسيولوجية التي تميل الى التقريب بين العالم الاجتماعي الثقافي من ناحية، والعالم الطبيعي من ناحية اخرى ومن الواضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يحاول اعادة النظر في كثير من المسلمات النظرية والمنهجية الشائعة في?الفكر السوسيولوجي الحديث، وتأكيد الفارق المهم بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية، ومن هنا يتضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يرفض منذ البداية اعتبار العلوم الطبيعية نموذجا يمكن ان تحاكيه العلوم الاجتماعية، ذلك ان علم الاجتماع الوضعي يقبل مسلمات العلوم الطبيعية دون اخضاعها الى نقد شامل، والوقوف على مدى ملاءمتها لفهم الواقع الاجتماعي، ان الظواهر الطبيعية تختلف عن الظواهر الاجتماعية اختلافا جوهريا، فالأولى لا تعبر عن بناء خاص من المعاني، وبالتالي تتيح للباحث حرية الملاحظة وتفسير الظواهر التي?يدرسها تفسيرا خارجيا مستقلا، أما في العلوم الاجتماعية فان الباحث يدرس عالما يتشكل من خلال المعاني التي تمثل بالنسبة اليه وسيلة لفهم الواقع الاجتماعي ومعنى ذلك ان الظواهر التي يدرسها عالم الاجتماع تخضع بالفعل الى طائفة من المعاني يتعين اكتشافها.
وفضلا عن ذلك فان الظواهر الاجتماعية ذاتها تكتسب معاني خاصة بالنسبة الى الأفراد الذين يعيشون في اطار اجتماعي ثقافي معين.
ومن هنا يتضح مدى الاختلاف بين دور عالم الاجتماع في فهم الواقع الاجتماعي. ودور العالم الطبيعي في دراسة الواقع المادي، فالأخير يدرس ظواهر لا تتخذ بناء معرفيا مسبقا، وبالتالي فهي لا تعرف القصد او الادارة وعلى الرغم من ان العالم الطبيعي يدرس ظواهر طبيعية توجد في اطار اجتماعي، الا ان علاقته بهذه الظواهر هي علاقة خارجية تختلف تمام الاختلاف عن علاقة العالم الاجتماعي بالظواهر التي يدرسها.
ومن الواضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يتعارض تعارضا صريحا مع الاتجاه الوضعي السيوسيولوجي الذي يخضع بشكل أو بآخر الى نموذج العلم الطبيعي، فالفينومينولوجيون الاجتماعيون يؤكدون صعوبة الفصل بين العالم الاجتماعي من ناحية واساليب تفسيره وفهمه من ناحية اخرى.
بينما يذهب الوضعيون الاجتماعيون الى ان تحقيق هذا الفصل امر ممكن في ضوء الموقف الذي يتخذه عالم الاجتماع من الظاهرة التي يدرسها وفي ضوء هذه التفرقة يمكن القول ان الفينومينولوجيين الاجتماعيين ينظرون الى الواقع الاجتماعي بوصفه نتاجا للنشاط الانساني بما يتضمنه من تفسيرات ومقاصد.
وقد يوحي لنا ذلك بوجود تشابه بين مفهوم «الفهم» اVerstehendeب عند ماكس فيبر اWeberب و «الفهم الفينومينولوجي» الذي يطالب به علماء الفينومينولوجيا، كذلك فانّ مفهوم «الفهم» عند فيبر قد ارتبط بتأكيد السياق التاريخي للظواهر، وهو السياق الذي لا يعتد به كثيرا داخل الاتجاه الفينومينولوجي الاجتماعي، ونظرا الى التأثيرات النظرية والمنهجية التي مارستها الاتجاهات الفينومينولوجية على الفكر الاجتماعي الحديث، فاننا سنحاول في هذا المقال مناقشة الافكار والمسلمات العامة التي تنهض عليها الفينومينولوجيا، على ان نعالج بعد ذلك?تأثير هذه الافكار والمسلمات على علم الاجتماع، واذا كان الفينومينولوجي يمثل محاولة نقدية لعلم الاجتماع الوضعي، فاننا سنخضع هذه النقدية الى نقد من جانبنا، نحاول من خلاله التعرف على اسهام الفينومينولوجيا الاجتماعية في تطور النظرية والمنهج في علم الاجتماع المعاصر وسنختم هذا الفصل بمناقشة مركزه لعلاقة الفينومينولوجيا بالماركسية وامكانية المراوحة بينهما في اطار جديد.
تطورت الفينومينولوجيا كاتجاه فكري انساني من خلال كتابات «إدموند هوسرل» اHusserlب (1859 1938) خلال العقود الثلاثة الاولى من القرن العشرين وتعتبر هذه الكتابات من اهم قضايا ومشكلات الفينومينولوجيا فضلا عن حوار متصل مع اهم المعاصرين المهتمين بالقضايا الفينومينولوجيا والوجودية وحينما صاغ هوسرل أفكاره الفينومينولوجية دخل في حوار طويل مع الفلاسفة الوجوديين الذين حولوا بعض هذه الافكار في مجال الفلسفة الوجودية من أمثال جان بول سارتر اSartreب وميرلوبونتي اMerleau Ponty، واذا كان بالامكان وصف الفينومينولوجيا عند ه?سرل «بالمثالية» فانه بالامكان ايضا وصف الفينومينولوجيا الوجودية «بالواقعية» وبغض النظر عن اختلاف الفهم الفينومينولوجي، فإن الفينومينولوجيين يميلون الى استخدام مصطلح الظاهرة (الذي يمثل اشتقاق الفينومينولوجيا) للاشارة الى كل ما هو واضح وثابت في الادراك او الوعي بالشعور الضروري.
وبهذا المعنى فان الفينومينولوجيا تسعى الى وصف ظواهر الوعي، وتوضيح كيفية تشكلها، وفي كتابات هوسرل المبكرة نلمس رفضا صريحا للنزعة السيكولوجية ذاهبا الى ان العلوم التي تدرس الانسان (بما في ذلك علوم النفس والاجتماع والتاريخ) نحاول تفسير الخبرات الانسانية من خلال مجموعة من الأسباب الخارجية والداخلية، وهي أسباب تعبر عن وجهة نظر الباحثين بأكثر مما تعبر عن وجهة نظر المبحوثين ويزيد هوسرل فكرته وضوحا بالاستشهاد بما يحدث في علم النفس الذي يحاكي العلوم الطبيعية، إن هذا العلم نظره فقد القدرة على تحديد هويته، لأنه ف?د الاحساس بالظواهر التي يدرسها، وبالتالي فهو ضحية الصراع بين تحقيق الوعي «الخالص» والوعي «الامبيريقي) بعبارة اخرى فان علم النفس قد منح الوعي «الخالص) روح العالم الطبيعي، كذلك فان مفاهيم ومناهج علم النفس تعاني من الخلط والغموض بسبب تجاهلها معطيات الخبرة الانسانية كما تتجلى في صورها الطبيعية ويعتقد هوسرل ان منهج العلوم الاجتماعية يجب ان يسعى الى التعرف على طبيعة الاشياء التي يدرسها.
وأن يتخلى بالتالي عن التخيرات والتصورات القبلية التي تتكون لدى الباحثين، وإذا ما استشهدنا بعلم النفس فان ما يطلق عليه «ظواهر سيكولوجية» هي في حقيقة الامر معطيات متغيرة لا تتخذ شكلا طبيعيا.
ذلك أن علماء النفس قد درجوا على محاكاة العلماء الطبيعيين، حينما حولوا الوعي الانساني الى مجرد شيء غامض.
ولقد وجه هوسرل انتقادات مماثلة الى علم الاجتماع بسبب ميله الى محاكاة العلوم الطبيعية عند النظر الى الواقع الاجتماعي، لقد افتقد بذلك علماء الاجتماع القدرة على الاحساس بظواهر الوعي، والواقع ان الملاحظات النقدية التي سجلها هوسرل لا تنطبق فقط على الموضوعات التي يهتم بها علماء الاجتماع، بل تنطبق ايضا على المناهج التي يستخدمونها في دراسة الواقع الاجتماعي، ويستطيع هؤلاء العلماء انقاذ عملهم من السطحية اذا حاولوا العودة الى ظواهر الوعي باستخدام الفهم الفينومينولوجي.
وفي كتابات هوسرل اللاحقة نجده يوسع من نطاق الفينومينولوجيا لتصبح فلسفة شاملة تحاول تحديد مجال «الخبرة» الخالصة» التي نشأت من خلالها كل العلوم الاجتماعية، وبهذا المعنى فان الفينومينولوجيا تسعى الى دراسة أشكال الخبرات الواعية التي طالما سلم بها الفلاسفة والعلماء واعتمدوا عليها في اقامة فلسفاتهم وصياغة نظرياتهم، اي ان الفينومينولوجيا تحاول الوصول الى اعماق الخبرات الانسانية باستخدام اسلوب منهجي محدد هو «الرد الفينومينولوجي» اPhenomenological réductionب .
أما هدف الاسلوب المنهجي فهو وصف الخبرات الخالصة، ذلك ان الطابع الوصفي للفينومينولوجيا يساعد على التمييز بين خصوصية الفهم الفينومينولوجي من ناحية والاساليب التحليلية والتفسيرية التي تميز بقية الفلسفات والعلوم من ناحية اخرى، فالفينومينولوجيا اذن ما هي الا محاولة فلسفية لوصف الاشياء والظواهر والوعي، بعبارة اخرى هي جهد موجّه لوصف الظواهر كما تتبدّى لنا من خلال وعينا بها، وبذلك يصبح الوعي وسيلة وهدفا للفينومينولوجيا.
اذا كان هوسرل قد أرسى دعائم الفينومينولوجيا كمدخل فلسفي لدراسة الخبرات الخالصة، فان ألفرد شوتز اSchutzب (1899 1959) هو الذي طرح الامكانات السوسيولوجية الهائلة التي تنطوي عليها الفينومينولوجيا في دراسة الواقع الاجتماعي.
ولقد عبر شوتز عن أفكاره في مؤلفه الشهير «فينومينولوجيا العالم الاجتماعي».
ومن خلال هذا المؤلف حاول تفسير تشكل الظواهر الاجتماعية من خلال الناس «العاديين» و «الخبراء» والهدف من ذلك هو توضيح مدى الثراء الفكري الذي يمكن ان تنطوي عليه محاولات التنظير بالاعتماد على الخبرات الشائعة التي تزخر بها الحياة اليومية، فضلا عن محاولات التوفيق المختلفة التي تتم من خلال الفكر الفلسفي والاجتماعي ولقد عالج شوتز عددا من القضايا المهمة التي تمثل أهمية خاصة بالنسبة الى الفكر الاجتماعي النقدي الحديث، ومن هذه القضايا : الواقع الاجتماعي، ومجالات المعنى والبناء الاجتماعي، والتشيؤ، والحتمية، والعلم، وال?عرفة، وعلم الاجتماع الامبيريقي، اما الافتراض الاساسي الذي تنهض عليه هذه القضايا فهو: أن «الحياة» تمثل نمطا من التنظيم الاجتماعي، وان العالم المحسوس والخبرة الحياتية يمثلان الموضوع الاساسي لعلم الاجتماع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.