الحماية المدنية بصفاقس: لا وجود لوضعيات خطرة جراء الأمطار    تحطم طائرة كريستيانو رونالدو في مطار برشلونة    كميات الأمطار المسجلة بكامل تراب الجمهورية خلال الأربع وعشرين ساعة الأخيرة    المنستير.. العثور على مسدس بمحيط مؤسسة سياحية كان بحوزة زائر لعلبة ليلية    إذاعة الكاف تعلن عن شبكة برامجية لخريف وشتاء 2016-2017    العباسي يعلق على موقف الشاهد من الزيادة في الأجور    تمّ إيهامهم بأنّهم على السواحل الإيطالية: إيقاف 12 شخصا بشاطئ الهوارية    الترجي الجرجيسي: اللاعبون يضربون عن التمارين‎    تونس تنتج أول فيلم رعب في تاريخها وهؤلاء هم أبطاله    أنجلينا جولى ترفض العمل مع براد بيت وتنسحب من فيلم ''أفريكا"    يوسف الشاهد يعلّق على مقترح تعيينه على رأس الهيئة السياسية للنداء    "أوبك" تتفق على تخفيض انتاج النفط لأول مرة منذ 2008    سليمان: ايقاف 5 اشخاص بتهمة تزييف عملة اجنبية    فيديو مرعب لفتاة تحرك عينها بعد 300 عام على مقتلها    سبر آراء امرود : تراجع نوايا التصويت لنداء تونس    منظمة 23-10 تندد بتدخل "مركز كارتر" في الشؤون الداخلية التونسية    الأمطار الغزيرة تتسبب في شلل حركة المرور بصفاقس و غلق المؤسسات التربوية    لاعبو الترجي الجرجيسي يضربون عن التمارين    بعد الهجمة الفيسبوكية ضد ميوله الى الاسلام السياسي: أسامة الملولي يعلق    فارقني الحبّ وهذا يوم حزني الأكبر    6 طرق لإنقاص الوزن أثناء الجلوس بالمكتب    أوهمهم بتسفيرهم من سوسة الى إيطاليا: ''حراق'' ينزل 12 شاب بقليبية    محمود الورتاني مدربا للنادي البنزرتي والأخير آخر من يعلم ؟    محسن الطرابلسي على رأس اللجنة الطبية للمنتخب    حفيظ حفيظ: الحكومة انقلبت على خارطة قرطاج    مصر تشدد العقوبة على ختان الإناث: 7 سنوات سجن للطبيب    صحافية ألمانية اختطفت في سوريا تنجح في الهروب من جبهة النصرة برفقة رضيعها    سيلفي عائلة مع جثة متوفية من المقابر تشعل مواقع التواصل    مستشارة وزيرة الصحة ل"الصباح نيوز": الوزارة قررت ايقاف استعمال بنج "الفاكايين" مؤقّتا.. والإتحاد الشعبي يتهم العايدي ومديرة الصيدلة والدواء بسفك أرواح بشرية    التوقعات الجوية لليوم الخميس 29 سبتمبر 2016    هذه كميات الأمطار المسجلة خلال ال24 ساعة الأخيرة    بينهم دولة من المغرب العربي.. تعرّف على الدول العربية التي قررت المشاركة في جنازة بيريز؟    مفقودون بانهيارات أرضية شرقي الصين    أوباما يُعلّق على إلغاء الكونغرس ل"فيتو" مقاضاة السعودية.. ماذا قال؟    ناجي جلول من الجزائر: يجب إدراج اعمال احلام مستغانمي وفرعون في الكتب المدرسية    32 وجهة على ضفتي المتوسط في حملة "خريف 2016 " للخطوط التونسية    اليوم الخميس: غلق جزء من الطريق السيارة حمام الأنف-مساكن    "فولكس فاغن" تطلق "كروس" صغيرة مكشوفة    والي نابل يؤدي زيارة فجئية إلى بلدية الحمامات وعدد من المراكز الأمنية‎    أمريكا تضع مغنيا مغربياً انضم لتنظيم داعش على قائمة الإرهاب الدولي    اكتشاف خطر جديد يشكله التدخين على الإنسان    الديبلوماسي السابق صلاح الدين الجمالي يهدي مكتبته الخاصة للمكتبة الوطنية    بداية من نوفمبر القادم اعتماد النسخة الجديدة للبرومسبور    النادي الإفريقي: رسمي تأهيل الجزائري بن عثمان‎    هذه الفواكه تساعدك على تبييض الأسنان    سوسة "عاصمة متوسطية" للبناء وتجهيز الأشغال    وزيرة الطاقة: تونس تبحث سبل تطوير طاقاتها الإنتاجية من النفط والغاز    تونس تتراجع ب 3 مراتب في التقرير السنوي لمنتدى دافوس    مفتي الجمهورية ل"الصباح نيوز": لم أفت ولم أحرم الإحتجاجات..    هذه الفواكه تساعد على تبييض الأسنان    توزر: حجز كميات هامّة من السجائر المحلية    عمرو دياب أول مطرب عربي يسجل اسمه في موسوعة ‘غينيس' للأرقام القياسية    تحديد نصاب زكاة المال للسنة الهجرية الجديدة    سفن الرحلات السياحية البحرية ترسي مجددا بتونس بداية من أكتوبر القادم    مسؤول بديوان الافتاء: "ما جاء في بيان المفتي ليس فتوى لتحرم او تحلل امرا ما"    وضعية منزل الشاعر أبو القاسم الشابي.. رئاسة الجمهورية تتحرك    غضب مصري من 3 فنانين شاركوا باحتفال لتكريم إيرانيين    بعد أديل.. منال عمارة تختار عبد الحليم حافظ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الاتجاهات الفينومينولوجية الحديثة في علم الاجتماع (تحليل نقدي) (الجزء الأول)
٭ النوبي بن فرج
نشر في الشعب يوم 30 - 07 - 2011


مدخل الى الطرح الفينومينولوجي:
إذا كانت النظرية الاجتماعية المعاصرة قد خضعت خلال السنوات الأخيرة الى انتقادات عديدة من زوايا مختلفة، فان البحوث الاجتماعية الحديثة تعرضت هي الاخرى لمراجعة شاملة بسبب القصور المنهجي الكامن فيها، لقد بدأ بعض علماء الاجتماع المعاصر يشككون في قدرة المناهج الوضعية والامبيرقية على فهم الواقع الاجتماعي فهما عميقا، مما دفعهم الى طرح بعض البدائل المنهجية كالفهم الفينومينولوجي والتحليل الاثنومينولجي، وحينها حققت هذه البدائل المنهجية قدرا من الشهرة والذيوع. بدأ علم الاجتماع الحديث يشهد تنوعا لم يعرفه من قبل.
غير ان علماء الاجتماع المعاصرين قد اتخذوا مواقف متباينة من هذه البدائل المنهجية اذ نجد بعضهم يتخذ منها موقف الرفض المطلق، بينما البعض الآخر يصفها بأنها مسميات جديدة لممارسات منهجية قديمة، وأيا كان الامر فان الفهم الفينومينولوجي للواقع الاجتماعي يمثل في حد ذاته محاولة نقدية للاتجاهات السوسيولوجية التي تميل الى التقريب بين العالم الاجتماعي الثقافي من ناحية، والعالم الطبيعي من ناحية اخرى ومن الواضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يحاول اعادة النظر في كثير من المسلمات النظرية والمنهجية الشائعة في?الفكر السوسيولوجي الحديث، وتأكيد الفارق المهم بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية، ومن هنا يتضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يرفض منذ البداية اعتبار العلوم الطبيعية نموذجا يمكن ان تحاكيه العلوم الاجتماعية، ذلك ان علم الاجتماع الوضعي يقبل مسلمات العلوم الطبيعية دون اخضاعها الى نقد شامل، والوقوف على مدى ملاءمتها لفهم الواقع الاجتماعي، ان الظواهر الطبيعية تختلف عن الظواهر الاجتماعية اختلافا جوهريا، فالأولى لا تعبر عن بناء خاص من المعاني، وبالتالي تتيح للباحث حرية الملاحظة وتفسير الظواهر التي?يدرسها تفسيرا خارجيا مستقلا، أما في العلوم الاجتماعية فان الباحث يدرس عالما يتشكل من خلال المعاني التي تمثل بالنسبة اليه وسيلة لفهم الواقع الاجتماعي ومعنى ذلك ان الظواهر التي يدرسها عالم الاجتماع تخضع بالفعل الى طائفة من المعاني يتعين اكتشافها.
وفضلا عن ذلك فان الظواهر الاجتماعية ذاتها تكتسب معاني خاصة بالنسبة الى الأفراد الذين يعيشون في اطار اجتماعي ثقافي معين.
ومن هنا يتضح مدى الاختلاف بين دور عالم الاجتماع في فهم الواقع الاجتماعي. ودور العالم الطبيعي في دراسة الواقع المادي، فالأخير يدرس ظواهر لا تتخذ بناء معرفيا مسبقا، وبالتالي فهي لا تعرف القصد او الادارة وعلى الرغم من ان العالم الطبيعي يدرس ظواهر طبيعية توجد في اطار اجتماعي، الا ان علاقته بهذه الظواهر هي علاقة خارجية تختلف تمام الاختلاف عن علاقة العالم الاجتماعي بالظواهر التي يدرسها.
ومن الواضح ان الاتجاه الفينومينولوجي في علم الاجتماع يتعارض تعارضا صريحا مع الاتجاه الوضعي السيوسيولوجي الذي يخضع بشكل أو بآخر الى نموذج العلم الطبيعي، فالفينومينولوجيون الاجتماعيون يؤكدون صعوبة الفصل بين العالم الاجتماعي من ناحية واساليب تفسيره وفهمه من ناحية اخرى.
بينما يذهب الوضعيون الاجتماعيون الى ان تحقيق هذا الفصل امر ممكن في ضوء الموقف الذي يتخذه عالم الاجتماع من الظاهرة التي يدرسها وفي ضوء هذه التفرقة يمكن القول ان الفينومينولوجيين الاجتماعيين ينظرون الى الواقع الاجتماعي بوصفه نتاجا للنشاط الانساني بما يتضمنه من تفسيرات ومقاصد.
وقد يوحي لنا ذلك بوجود تشابه بين مفهوم «الفهم» اVerstehendeب عند ماكس فيبر اWeberب و «الفهم الفينومينولوجي» الذي يطالب به علماء الفينومينولوجيا، كذلك فانّ مفهوم «الفهم» عند فيبر قد ارتبط بتأكيد السياق التاريخي للظواهر، وهو السياق الذي لا يعتد به كثيرا داخل الاتجاه الفينومينولوجي الاجتماعي، ونظرا الى التأثيرات النظرية والمنهجية التي مارستها الاتجاهات الفينومينولوجية على الفكر الاجتماعي الحديث، فاننا سنحاول في هذا المقال مناقشة الافكار والمسلمات العامة التي تنهض عليها الفينومينولوجيا، على ان نعالج بعد ذلك?تأثير هذه الافكار والمسلمات على علم الاجتماع، واذا كان الفينومينولوجي يمثل محاولة نقدية لعلم الاجتماع الوضعي، فاننا سنخضع هذه النقدية الى نقد من جانبنا، نحاول من خلاله التعرف على اسهام الفينومينولوجيا الاجتماعية في تطور النظرية والمنهج في علم الاجتماع المعاصر وسنختم هذا الفصل بمناقشة مركزه لعلاقة الفينومينولوجيا بالماركسية وامكانية المراوحة بينهما في اطار جديد.
تطورت الفينومينولوجيا كاتجاه فكري انساني من خلال كتابات «إدموند هوسرل» اHusserlب (1859 1938) خلال العقود الثلاثة الاولى من القرن العشرين وتعتبر هذه الكتابات من اهم قضايا ومشكلات الفينومينولوجيا فضلا عن حوار متصل مع اهم المعاصرين المهتمين بالقضايا الفينومينولوجيا والوجودية وحينما صاغ هوسرل أفكاره الفينومينولوجية دخل في حوار طويل مع الفلاسفة الوجوديين الذين حولوا بعض هذه الافكار في مجال الفلسفة الوجودية من أمثال جان بول سارتر اSartreب وميرلوبونتي اMerleau Ponty، واذا كان بالامكان وصف الفينومينولوجيا عند ه?سرل «بالمثالية» فانه بالامكان ايضا وصف الفينومينولوجيا الوجودية «بالواقعية» وبغض النظر عن اختلاف الفهم الفينومينولوجي، فإن الفينومينولوجيين يميلون الى استخدام مصطلح الظاهرة (الذي يمثل اشتقاق الفينومينولوجيا) للاشارة الى كل ما هو واضح وثابت في الادراك او الوعي بالشعور الضروري.
وبهذا المعنى فان الفينومينولوجيا تسعى الى وصف ظواهر الوعي، وتوضيح كيفية تشكلها، وفي كتابات هوسرل المبكرة نلمس رفضا صريحا للنزعة السيكولوجية ذاهبا الى ان العلوم التي تدرس الانسان (بما في ذلك علوم النفس والاجتماع والتاريخ) نحاول تفسير الخبرات الانسانية من خلال مجموعة من الأسباب الخارجية والداخلية، وهي أسباب تعبر عن وجهة نظر الباحثين بأكثر مما تعبر عن وجهة نظر المبحوثين ويزيد هوسرل فكرته وضوحا بالاستشهاد بما يحدث في علم النفس الذي يحاكي العلوم الطبيعية، إن هذا العلم نظره فقد القدرة على تحديد هويته، لأنه ف?د الاحساس بالظواهر التي يدرسها، وبالتالي فهو ضحية الصراع بين تحقيق الوعي «الخالص» والوعي «الامبيريقي) بعبارة اخرى فان علم النفس قد منح الوعي «الخالص) روح العالم الطبيعي، كذلك فان مفاهيم ومناهج علم النفس تعاني من الخلط والغموض بسبب تجاهلها معطيات الخبرة الانسانية كما تتجلى في صورها الطبيعية ويعتقد هوسرل ان منهج العلوم الاجتماعية يجب ان يسعى الى التعرف على طبيعة الاشياء التي يدرسها.
وأن يتخلى بالتالي عن التخيرات والتصورات القبلية التي تتكون لدى الباحثين، وإذا ما استشهدنا بعلم النفس فان ما يطلق عليه «ظواهر سيكولوجية» هي في حقيقة الامر معطيات متغيرة لا تتخذ شكلا طبيعيا.
ذلك أن علماء النفس قد درجوا على محاكاة العلماء الطبيعيين، حينما حولوا الوعي الانساني الى مجرد شيء غامض.
ولقد وجه هوسرل انتقادات مماثلة الى علم الاجتماع بسبب ميله الى محاكاة العلوم الطبيعية عند النظر الى الواقع الاجتماعي، لقد افتقد بذلك علماء الاجتماع القدرة على الاحساس بظواهر الوعي، والواقع ان الملاحظات النقدية التي سجلها هوسرل لا تنطبق فقط على الموضوعات التي يهتم بها علماء الاجتماع، بل تنطبق ايضا على المناهج التي يستخدمونها في دراسة الواقع الاجتماعي، ويستطيع هؤلاء العلماء انقاذ عملهم من السطحية اذا حاولوا العودة الى ظواهر الوعي باستخدام الفهم الفينومينولوجي.
وفي كتابات هوسرل اللاحقة نجده يوسع من نطاق الفينومينولوجيا لتصبح فلسفة شاملة تحاول تحديد مجال «الخبرة» الخالصة» التي نشأت من خلالها كل العلوم الاجتماعية، وبهذا المعنى فان الفينومينولوجيا تسعى الى دراسة أشكال الخبرات الواعية التي طالما سلم بها الفلاسفة والعلماء واعتمدوا عليها في اقامة فلسفاتهم وصياغة نظرياتهم، اي ان الفينومينولوجيا تحاول الوصول الى اعماق الخبرات الانسانية باستخدام اسلوب منهجي محدد هو «الرد الفينومينولوجي» اPhenomenological réductionب .
أما هدف الاسلوب المنهجي فهو وصف الخبرات الخالصة، ذلك ان الطابع الوصفي للفينومينولوجيا يساعد على التمييز بين خصوصية الفهم الفينومينولوجي من ناحية والاساليب التحليلية والتفسيرية التي تميز بقية الفلسفات والعلوم من ناحية اخرى، فالفينومينولوجيا اذن ما هي الا محاولة فلسفية لوصف الاشياء والظواهر والوعي، بعبارة اخرى هي جهد موجّه لوصف الظواهر كما تتبدّى لنا من خلال وعينا بها، وبذلك يصبح الوعي وسيلة وهدفا للفينومينولوجيا.
اذا كان هوسرل قد أرسى دعائم الفينومينولوجيا كمدخل فلسفي لدراسة الخبرات الخالصة، فان ألفرد شوتز اSchutzب (1899 1959) هو الذي طرح الامكانات السوسيولوجية الهائلة التي تنطوي عليها الفينومينولوجيا في دراسة الواقع الاجتماعي.
ولقد عبر شوتز عن أفكاره في مؤلفه الشهير «فينومينولوجيا العالم الاجتماعي».
ومن خلال هذا المؤلف حاول تفسير تشكل الظواهر الاجتماعية من خلال الناس «العاديين» و «الخبراء» والهدف من ذلك هو توضيح مدى الثراء الفكري الذي يمكن ان تنطوي عليه محاولات التنظير بالاعتماد على الخبرات الشائعة التي تزخر بها الحياة اليومية، فضلا عن محاولات التوفيق المختلفة التي تتم من خلال الفكر الفلسفي والاجتماعي ولقد عالج شوتز عددا من القضايا المهمة التي تمثل أهمية خاصة بالنسبة الى الفكر الاجتماعي النقدي الحديث، ومن هذه القضايا : الواقع الاجتماعي، ومجالات المعنى والبناء الاجتماعي، والتشيؤ، والحتمية، والعلم، وال?عرفة، وعلم الاجتماع الامبيريقي، اما الافتراض الاساسي الذي تنهض عليه هذه القضايا فهو: أن «الحياة» تمثل نمطا من التنظيم الاجتماعي، وان العالم المحسوس والخبرة الحياتية يمثلان الموضوع الاساسي لعلم الاجتماع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.