في الوقت الذي تُولي فيه دول العالم أهمية قصوى لحملات التحسيس والتوعية لإكساب مواطنيها وعياً حول أمر ما أو أمور بعينها، وتبصيره بالجوانب المختلفة المحيطة بها، تظهر علينا اليوم الشركة التونسية للكهرباء والغاز برسالة نصية قصيرة كالآتي “استحفظ ع الضو يضويّها عليك” !!! .. ضمن أسلوب عجائزي قائم على الدعاء ،في غير محلّه، وفي تعدّ صارخ على الأسس العلمية لتنفيذ الحملات التوعوية والتحسيسية.. وإذا سلّمنا بأنّ “استحفظ ع الضو يضويّها عليك” قد تحقّق هدفها في ترشيد استهلاك الشعب التونسي للتيّار الكهربائي وهو أمر مستبعد فإنّ الشركة التونسية لإستغلال وتوزيع المياه يمكن أن تطلق بدورها حملة من قبيل “استحفظ ع الماء يرويك “.. وأن تتبنّى وزارة البيئة كذلك شعارات تعيسة من قبيل “لا ترحم والدين اللّي يحط الزبلة هنا”… إنّ ما يثير القلق في الموضوع ليس الرسالة النصية في حدّ ذاتها أو سذاجة الفكرة وقصورها وإنما ما فيها من نسف لكل ماهو مبني على نظريات علمية واستهانة بما قدّمه جمع من العلماء والمختصين للانسانية في هذا المجال أو غيره … وهو كذلك مراهنة بائسة على جهل التونسيين واستخفاف واضح بعقولهم.. قد يتعلّل البعض بأنّ تنفيذ حملات تحسيسية ناجعة قد يتطلّب اعتمادات مالية كبرى إلاّ أن هذا مردود على أصحابه، فتونس تزخر بكفاءات شبابية عالية معطّلة عن العمل للأسف، وهي مستعدة للتطوّع بإنجاز عشرات الحملات التحسيسية .. علاوة على أنّ ما يمكن أن تجنيه الشركات الوطنية من أرباح عبر حملات تحسيسية علمية محترمة هو أضعاف ما ستصرفه من أموال مقابل هذه الحملات.. ويبدو أن شركتنا الوطنية و خاصّة صاحب فكرة هذا “الآس آم آس الركيك” لم يتطلب منه الأمر سوى أنه تكسّل وتثاءب جيدا ثم نزل عليه الإلهام فجأة وقال مقولته العبقرية “استحفظ على الضو يضوّيها عليك” .. في استخفاف كبير بصعوبة الفعل التوعوي وعُسر تغيير سلوكات الإنسان من سلوك سلبي تعوّد عليه طيلة سنوات، عن وعي أو غير وعي، إلى سلوك إيجابي .. وقد غاب عنه كذلك أن دقّة هذه العملية وحساسيتها المفرطة تتطلب حتما الالتجاء إلى مختصّين في علم الإجتماع والسلوك والنفس .. وإجراء تحليل علمي ودراسة شاملة للظروف المؤدية لحصول هذا السلوك الخاطئ من جهة وضبط طريقة التوعية المناسبة وتشخيص مدى تأثيرها على الأفراد و المجتمعات ..