ريال مدريد يحقق فوزا صعبا على ريال بيتيس في الدوري الإسباني    العلماء يحددون "خدعة" يستخدمها فيروس كورونا    المنستير: المركز الجهوي لحاملي "الكوفيد 19" بالمنستير يستقبل أوّل دفعة من المصابين    كرة اليد: نادي ساقية الزّيت يتوّج بكأس تونس على حساب الترجي    البريد التونسي يدافع عن شقشوق    تضمّن إبطال كل قرارات هيئة الحقيقة والكرامة..كتلة الدستوري الحرّ تقترح تنقيح قانون العدالة الانتقالية    جديد الكوفيد..الإصابات تتفاقم في عديد الولايات    وزير السياحة: قطاع السياحة الاستشفائية كان الأكثر صمودا أمام الهزات الاقتصادية    كأس تونس للكرة الطائرة: تأهل الترجي التونسي وسعيدية سيدي بوسعيد للدور نصف النهائي    جندوبة: وفاة كهل تحت عجلات دراجة هوائية    حجز بذور «ماريخوانا»    الاستاذ علي جمعة : لماذا لايستجيب الله لدعائك ؟؟؟    قد تتم مقايضتها اقتصاديا للانضمام إلى صفقة القرن..هل تنجو تونس من فخّ التطبيع ؟    تفاصيل مثيرة.: كشف مخطط خطير لتفجير البيت الأبيض وبرج ترامب    «الضمان الاجتماعي» يستنكر    موفى 2020 دخول محول المطار حيز الاستغلال    القبض في بنقردان على امرأة محكوم عليها بالسجن من أجل الانتماء إلى تنظيم إرهابي    عدنان الشواشي يكتب لكم : نعم ... أنا مع حكم الإعدام    يوميات مواطن حر: تخمة العطش    رئيس جامعة النزل: وضع السياحة كارثي..وأغلب الفنادق قد لا تفتح أبوابها مجددا    كيفية التخلص من الخنازير    عصابة خطيرة عابرة للولايات: تمارس التنقيب عن الآثار....وبحوزتها قطع نفيسة لا تقدر بثمن ومخطوطات تاريخية للبيع بمئات الملايين    رئيس الحكومة يشرف على مباراة نهائي كأس تونس    منفذ هجوم باريس كان يستهدف شارلي إبدو    محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: رواية صالح الحاجّة «حرقة الى الطليان» تستحق القراءة    عائلة وأصدقاء «رحمة» ينظمون مسيرة غاضبة:...«عندنا طلب وحيد»    الهوارية: رئيس الحكومة وقناة TF1 الفرنسية يكرمان باعث المشروع السياحي «المغامر»    سنفرا يكشف حقيقة علاقته بأحلام الفقيه    أميمة بن حفصية: لن أمثّل في "قلب الذّيب 2" دون بسّام الحمراوي    وفاة الكوميدي المنتصر بالله    الإتحاد الآسيوي يرفض طعن الهلال السعودي    وزير التربية: مشروع الإصلاح التربوي في تونس يجب ان يراعي زمن الطوارئ والجوائح    دراقر يقترب من أولمبياكوس اليوناني    صفاقس: 31 اصابة جديدة بفيروس ''كورونا''    بتخفيضها لسعر 1200 منتجا لسنة كاملة: mg تتحدى غلاء الأسعار    رئيس الحكومة يعلن يوم 26 سبتمبر من كل سنة يوم وطني للسياحة الريفية    لوّحت باللجوء الى القضاء..جمعيات بيئية تطالب بسحب القرار المتعلق باستعمال مادة البلاستيك لتعبئة الاسمنت    وفاة الفنان المصري المنتصر بالله    26 سبتمبر.. يوم وطني للسياحة الريفية    يرصدون مساكن عدد من العسكريين في بنزرت: القبض على 3 أشخاص    الحمامات .. تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا    أريانة: لم يتم غلق اية مؤسسة تربوية او قسم رغم اصابة احد الاساتذة بفيروس كورونا    محمد الحبيب السلامي يتدّبر: ...آيتان من سورة البقرة    بهدف التوقي من فيروس كورونا : إحداث لجنة "تدخل عاجل" صلب وزارة الشباب والرياضة    النجم الساحلي: اصابة الحارس ايمن المثلوثي بفيروس كورونا    ترامب: لن نخسر الانتخابات إلا إذا زوروها    تحية لروح الكاتب كمال الزغباني..«حفلة الحياة» في مدينة الثقافة    قبلي: الشروع عشية اليوم في فك الاعتصام قبالة المنشات البترولية غربي معتمدية الفوار    طقس اليوم: انخفاض في الحرارة وسحب مصحوبة ببعض الأمطار    رئيس الوزراء اللبناني المكلف يعتذر عن تشكيل الحكومة    وزارة الداخلية تكشف تفاصيل جريمة "عين زغوان" واعترافات القاتل    «زهرة الحناء» للشاعرة جهاد المثناني ..عاطفة بلا ضفاف وعقل متزن    التداوي الطبيعي ..الجلجلان يقاوم الربو و يقوي الذاكرة    ارتفاع عدد ضحايا الطائرة العسكرية الأوكرانية المنكوبة ل25 قتيلًا    اعترافات قاتل الفتاة رحمة بمنطقة عين زغوان    البريد التونسي يصدر طابعين بريديين جديدين    اسألوني    نفحات عطرة من القرآن الكريم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لينا بن مهني.. حكاية تونسية لم تنته
نشر في الصباح نيوز يوم 28 - 01 - 2020

قالوا ‬في ‬وصفها ‬ايقونة ‬الثورة ‬وقالوا ‬مناضلة ‬الانترنت ‬وقالوا ‬انها ‬الحقوقية ‬والمدونة ‬والاستاذة ‬والجامعية ‬والعاشقة ‬للحياة ‬وللحرية ‬وهي ‬كل ‬ذلك ‬بالاضافة ‬الى ‬انها ‬لينا ‬بنية ‬تونسية ‬وحكاية ‬تونسية ‬بمعنى ‬انها ‬منا ‬وإلينا...‬
في ‬تدوينة ‬سابقة ‬كتبت ‬لينا ‬وهي ‬تكتشف ‬فجأة ‬انها ‬لم ‬تعد ‬طفلة ‬ان ‬احدى ‬طالباتها ‬اعترضتها ‬خلال ‬مسيرة ‬شعبية ‬وحيتها ‬بحرارة ‬وهي ‬تقول ‬لها ‬"‬اهلا ‬مدام ‬انا ‬كنت ‬طالبة ‬عندك ‬قريتني ‬في ‬الجامعة".. ‬فجأة ‬انتبهت ‬لينا ‬انها ‬لم ‬تعد ‬تلك ‬الطفلة ‬الصغيرة ‬وان ‬السنوات ‬التي ‬قضتها ‬في ‬النضال ‬والانتصار ‬للحقوق ‬والحريات ‬والدفاع ‬عن ‬كل ‬من ‬توجه ‬لها ‬طلبا ‬للمساعدة ‬قد ‬سرقت ‬منها ‬نصف ‬عمرها..‬
بالامس ‬استفاقت ‬تونس ‬على ‬خبر ‬رحيل ‬لينا ‬البنية ‬التونسية ‬كما ‬كانت ‬تسمي ‬نفسها ‬ويحب ‬ان ‬يسميها ‬اصدقاؤها ‬الحقيقيون ‬والافتراضيون..‬
وفي ‬لحظات ‬توقعنا ‬تكذيب ‬الخبر ‬كما ‬في ‬المرات ‬السابقة ‬وانتظرنا ‬ان ‬تكون ‬أزمة ‬عابرة ‬تعود ‬بعدها ‬لينا ‬لمواصلة ‬ما ‬كانت ‬بدأته.. ‬نعم ‬لم ‬يصدق ‬الكثيرون ‬الخبر ‬وانتظروا ‬تكذيبا ‬لشائعة ‬وفاتها ‬كما ‬في ‬عديد ‬المرات ‬السابقة ‬عندما ‬كانت ‬لينا ‬تصارع ‬المرض ‬وتتحدث ‬بشجاعة ‬عن ‬اقتراب ‬النهاية ‬قبل ‬ان ‬تعود ‬متانقة ‬متجملة ‬كعادتها ‬لتقف ‬في ‬مقدمة ‬التحركات ‬الاحتجاجية ‬الى ‬جانب ‬المظلومين ‬من ‬الشباب ‬وغيرهم ‬الذين ‬طالما ‬تبنت ‬قضاياهم ‬ودافعت ‬عن ‬همومهم ‬ومشاغلهم ‬قبل ‬وبعد ‬الثورة ‬وفي ‬تونس ‬وخارجها...‬
طبعا ‬الموت ‬حق ‬ومع ‬ذلك ‬لم ‬يكن ‬من ‬الهين ‬تقبل ‬الخبر، ‬فكم ‬مرة ‬كتبت ‬لينا ‬عن ‬معاناتها ‬بين ‬المستشفيات ‬وعن ‬صراعها ‬مع ‬المرض ‬وكم ‬مرة ‬نشرت ‬لينا ‬رسائل ‬وداع ‬وكم ‬مرة ‬كانت ‬لينا ‬تعود ‬منتصرة ‬على ‬المرض ‬لتصافح ‬محبيها ‬عبر ‬الفايسبوك ‬وتواصل ‬نشر ‬كتاباتها ‬الغاضبة ‬احيانا ‬والمزهوة ‬احيانا ‬اخرى.. ‬كان ‬احتفالها ‬بذكرى ‬14 ‬جانفي ‬الاخيرة ‬مع ‬اصدقائها ‬اقرب ‬الى ‬الوداع ‬الاخير ‬ولعلها ‬استشعرت ‬ذلك ‬فحرصت ‬على ‬ان ‬تشارك ‬الجميع ‬بذلك ‬الاحتفال ‬وان ‬تصفف ‬باقات ‬الورود ‬التي ‬تلقتها ‬في ‬مزهريات ‬وتحتفي ‬على ‬طريقتها ‬بعيد ‬الثورة ‬وهي ‬التي ‬كانت ‬مدافعة ‬شرسة ‬عن ‬اهدافها ‬وكانت ‬دوما ‬على ‬الموعد ‬في ‬رفض ‬كل ‬صور ‬الانتهازية ‬والتملق ‬والرياء ‬والنفاق..‬
سبع ‬وثلاثون ‬ربيعا ‬اكثر ‬من ‬نصفها ‬قضتها ‬لينا ‬وهي ‬ابنة ‬المناضل ‬اليساري ‬الصادق ‬بن ‬مهني ‬الذي ‬حيثما ‬تراه ‬ترى ‬لينا ‬وحيثما ‬تراها ‬تراه ‬يسند ‬ظهرها ‬او ‬يمسك ‬برجليها ‬وهي ‬على ‬كتفيه ‬تلتقط ‬الصور ‬وترصد ‬اللحظات.. ‬كانت ‬معركتها ‬مضاعفة ‬فقد ‬كانت ‬في ‬نفس ‬الوقت ‬تصارع ‬المرض ‬والالم ‬وتصارع ‬ضد ‬كل ‬انواع ‬الظلم ‬والفساد ‬والاستبداد.. ‬ولو ‬قدر ‬لنا ‬ان ‬نجمع ‬ما ‬كتب ‬بالامس ‬عن ‬لينا ‬لامكن ‬تدوين ‬كتاب ‬عن ‬سيرة ‬الطفلة ‬المتمردة ‬التي ‬رفضت ‬الانكسار ‬والهزيمة ‬وتحدت ‬كل ‬القيود ‬وانتصرت ‬في ‬كل ‬معركة ‬تخوضها..‬
ولكنها ‬اصرت ‬هذه ‬المرة ‬على ‬خداع ‬الجميع ‬واختارت ‬الرحيل ‬مبكرا ‬ولسان ‬حالها ‬يردد ‬ان ‬احفظوا ‬الوصية ‬وواصلوا ‬مسيرة ‬الحرية..‬
لم ‬تتوقف ‬لينا ‬حتى ‬اللحظات ‬الاخيرة ‬التي ‬سبقت ‬وفاتها ‬عن ‬نشر ‬تدويناتها ‬ومشاركة ‬اصدقائها ‬الحقيقيين ‬والافتراضيين ‬تفاصيل ‬كثيرة ‬في ‬حياتها ‬سيذكر ‬من ‬رافقها ‬في ‬سفر ‬انها ‬اجمل ‬رفيق، ‬وسيسجل ‬التاريخ ‬ان ‬لينا ‬خاضت ‬معركة ‬الحريات ‬وانتصرت ‬للاقليات ‬وذكرت ‬بماساة ‬نذير ‬وسفيان ‬كلما ‬غابا ‬عن ‬الاحداث ‬دافعت ‬عن ‬الحيوانات ‬الاليفة ‬وحقها ‬في ‬الحياة ‬وجمعت ‬آلاف ‬الكتب ‬للمساجين ‬ودشنت ‬مكتبات ‬في ‬عدد ‬من ‬السجون ‬في ‬تونس ‬وكانت ‬بين ‬الذين ‬دفعوا ‬بفتح ‬السجون ‬في ‬المهرجانات ‬ولا ‬ننسى ‬زيارة ‬سجن ‬المسعدين ‬في ‬2016 ‬وقد ‬تزينت ‬بمريول ‬الفضيلة ‬الجربي ‬الذي ‬وعدتني ‬بمثله..‬
يصعب ‬ان ‬نقول ‬كانت ‬لينا ‬لانها ‬باقية ‬وستبقى ‬فينا ‬وهي ‬البنية ‬تونسية ‬التي ‬حلقت ‬داخل ‬وخارج ‬تونس ‬دفاعا ‬عن ‬افكارها ‬واحلامها ‬وتطلعاتها.‬.‬
اليوم ‬تودع ‬تونس ‬فقيدتها ‬في ‬جنازة ‬شعبية ‬يشترك ‬فيها ‬الجميع.. ‬اليوم ‬ترحل ‬لينا ‬البنية ‬التونسية ‬صاحبة ‬الجسد ‬النحيل ‬العليل ‬ولكنها ‬باقية ‬ابدا ‬فينا ‬بصورها ‬بأفكارها ‬بكتاباتها ‬بمواقفها ‬بشجاعتها ‬وبقوة ‬ارادتها...‬
من ‬اين ‬كانت ‬لينا ‬تاتي ‬بكل ‬تلك ‬القوة؟.. ‬من ‬عرف ‬لينا ‬او ‬جالسها ‬ولو ‬مرة ‬سيدرك ‬مهما ‬اختلف ‬معها ‬مدى ‬صدقها ‬وقوة ‬ارادتها ‬في ‬مواجهة ‬الظلم ‬والانتصار ‬للمستضعفين ‬والاصداح ‬بصوتها ‬دون ‬خوف ‬او ‬تردد.. ‬حكاية ‬البنية ‬التونسية ‬لم ‬تبدا ‬بعد ‬الثورة ‬بل ‬قبلها ‬وهي ‬التي ‬تمردت ‬على ‬الدكتاتورية ‬وعلى ‬العقلية ‬البولييسة ‬التي ‬لاحقتها ‬في ‬كل ‬مكان... ‬وصية ‬لينا ‬التي ‬انتصرت ‬لنفسها ‬ولمحبيها ‬على ‬كل ‬عقد ‬الخوف ‬كانت ‬ولا ‬تزال ‬ان ‬الحب ‬وحده ‬جعلها ‬كما ‬عرفها ‬التونسيون ‬وغيرهم.. ‬سكنها ‬العشق ‬والحب..‬فكانت ‬عاشقة ‬لهذه ‬الارض ‬وعاشقة ‬لعائلتها ‬ولكل ‬المحيطين ‬بها..‬
في ‬كتابها "‬بنيّة ‬تونسية: ‬مدونة ‬من ‬أجل ‬ربيع ‬عربي" ‬وكانها ‬تستبق ‬الاحداث ‬كتبت ‬لينا ‬وصيتها ‬لكل ‬الذين ‬سيجتمعون ‬اليوم ‬في ‬وداعها... ‬وصية ‬سيتناقلها ‬التونسيون ‬جيلا ‬بعد ‬جيل ‬ليتناقلوا ‬حكاية ‬بنية ‬تونسية ‬لا ‬تعرف ‬المستحيل.. ‬انها ‬لينا ‬بن ‬مهني ‬التي ‬لم ‬تهزمها ‬الدكتاتورية ‬وهزمها ‬المرض.. ‬عزاؤنا ‬اليوم ‬من ‬عزاء ‬مؤلف ‬سارق ‬الطماطم ‬او ‬زادني ‬السجن ‬عمرا، ‬وقد ‬رأينا ‬ليناه ‬كالفراشة ‬وهو ‬يقدم ‬كتابه ‬في ‬مكتبة ‬الكتاب ‬بالمرسى ‬تدون ‬تلك ‬اللحظات ‬وتتقاسم ‬معه ‬نشوته.. ‬عاشت ‬لينا ‬بنية ‬تونسية ‬شامخة ‬ورحلت ‬شامخة ‬كنخلة ‬الدوار ‬في ‬عليائها..
‬اسيا ‬العتروس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.