تنسيقية أحزاب الائتلاف الحاكم تتفق على قبول مبادرة المصالحة الشاملة من حيث المبدأ    عدم إعادة أموال الحريف في حالة إفلاس البنك: خبير اقتصادي يؤكد وجود استخفاف بالموضوع    ليبيا: غرفة عمليات عسكرية لمواجهة "داعش" بين مصراتة وسرت    خططت لسلسلة تفجيرات في رمضان: اعترافات خطيرة لخلية الكاف الارهابية    ربع نهائي دورة "نانا تروفي" للتنس:أنس جابر تتمسك بشعار "وحدة ... وحدة للفينال"    السبالة: العثور على تلميذة الباكالوريا جثة تحمل اثار عنف    أبرز اهتمامات الصحف التونسية ليوم الجمعة 06 ماي    كتاب «التونسية» المتسلسل: أكتوبر 73 : السلاح والسياسة لمحمد حسنين هيكل    معهد باستور :تجربة مرهم علاج اللشمانيا الجلدية تم في اطار القانون    لأول مرة: فريق طبي تونسي يتوفّق بمستشفى سهلول بسوسة في اجراء عمليات زرع كلية وكبد لمريض    لندن تنتقد موسكو بشدة لمنعها صدور بيان أممي يدين الهجوم العسكري للنظام على حلب    "CODIS" تطلق حلول "QNAP" التايوانية في تونس    الرابطة المحترفة الأولى: حكام الدفعة الأولى والثانية للجولة 25    استقالة جماعية لهيئة الواحة الرياضية بقبلي وانسحاب من البطولة    اعتدى عليه مجهولون.. وفاة ملازم بالسجون والإصلاح    العثور على تلميذة الباكلوريا جثة هامدة في الطريق العام بسيدي بوزيد    طقس نهاية الأسبوع.. انخفاض درجات الحرارة، رياح وأمطار    الإعلان عن قائمات الحجيج خلال عشرة أيام    الشابة : حجز 1970 كغ من التن الممنوع صيده    تونس :الموافقة على 3 عروض لإسناد رخص جديدة في مجال المحروقات    بن عروس تحتضن ملتقى حول المسرح التونسي والتحولات الراهنة    المساواة في الميراث.. مفتي الجمهورية يؤكد: "الشرع" واضح والآية القرآنية حاسمة    كاميرون: لن أعتذر لترامب    سيارة مرسيدس لكل لاعب من نادي ليستر    أمريكا: تصريحات الأسد عن انتصار نهائي بحلب "غير مقبولة"    وفاة ملازم السجون بعد تهشيم رأسه بالزهروني    الرصد الجوي ينظم حصة مشاهدة لعبور كوكب عطارد أمام الشمس يوم الاثنين    عثمان بطيخ لمهدي بن غربية: اكتساب أصوات المرأة لا يكون بهذه الطريقة.. ويقدم نصيحة للنواب    كوريا الشمالية: الحزب الحاكم يبدأ أول مؤتمر له منذ 40 عاما    ليفربول يهزم فياريال بثلاثية ويصعد لنهائي يوروبا ليغ    هاتف نوكيا 33-10 يعود إلى الحياة من جديد !    وزير النقل يزور مقام الولي الصالح أبو لبابة الأنصاري بقابس    لماذا أغلب الجميلات عازبات؟    الإمارات تبني جبلا لاستمطار السماء بعد تلقيح السحاب    اكتشافات واحتفاليات ثقافية في انتظار زوار المسلك الثقافي والبيئي بنابل    تونس: إيقاف إمرأتين بتهمة التحيل عن طريق الشعوذة    خط بحري لنقل الحاويات عبر الميناء التجاري بقابس قبل موفى السنة الجارية    النملة والفيل    سعيد العايدي: الوزارة تعدّ حملة وطنيّة للقضاء على الالتهاب الكبدي الفيروسي    فى ظاهرة فلكية يمكن مشاهدتها مباشرة من تونس: كوكب عطارد يعبر أمام قرص الشمس    «بلاي أوف» الرابطة الثانية :بين المجموعة «أ» والمجموعة «ب» , لمن ستكون الغلبة ؟    حول مشروع المساواة في الإرث: أم زياد تهاجم مهدي بن غربية    تجربة مرهم علاج اللشمانيا الجلدية تم في اطار ما يسمح به القانون    "ويكلو" وخطية مالية للإفريقي    صفاقس: إحباط محاولة "حرقة" وايقاف 52 شخصا    حفظ صحة الأيدي بالوسط العلاجي شرط أساسي لسلامة المرضى والعاملين بالمؤسسات الاستشفائية ( محمد الرابحي)    لماذا تتجاهل وزارة الثقافة الشاعر والكاتب والاعلامي وليد الزريبي؟    أي ترتيب لتونس ضمن قائمة أذكى 10 دول عربية؟    كاس تونس للكرة الطائرة.. الكأس ال15 للترجي ام ال 7 للنجم    تغيب بسبب ظروفه الاجتماعية فتم شطب اسمه: تلميذ يناشد وزير التربية تمكينه من اجتياز امتحان الباكالوريا    وزارة الصحة تشرع خلال سنة 2016 في تنفيذ حملة وطنية للقضاء على التهاب الكبد الفيروسي صنف "ج" في غضون ثماني سنوات    دار الكتب الوطنية تحتضن لقاءا مع صاحبة كتاب "آخر أيام محمد" هالة الوردي    صلاح الدين فرشيو ل«التونسية» : حان الوقت لمراجعة نظام التّأمين الفلاحي    أبرز اهتمامات الصحف التونسية ليوم الخميس 05 ماي    التوقعات الجوية ليوم الخميس 5 ماي 2016    وزير النقل في زيارة ليلية فجئية إلى محطة القطار بقابس    رجاء بن سلامة ترد على النائبة يمينة الزغلامي    إتلاف 200 ألف لتر من الحليب يوميا جرّاء تواصل أزمة القطاع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مناضل وأثره : الزعيم النقابي محمد علي الحامي...الشاب الفقير الذي قهر المستعمر وتحول إلى قائد فذ
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

«ان من يعتبره التونسيون أب الحركة النقابية يحتل مكانة بارزة في تاريخ بلاده، وعموم المغرب العربي، لما لحياته من ارتباط وثيق بحوادث الأيام، التي كانت مرآة لتجارب ونزعات عديدة، ولما لشخصيته وتكوينها من أثر يذكر وسط تلك الاتجاهات والتيارات المختلفة الشبابية منها والاجتماعية، منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم....
ذلك أن محمد علي الحامي... علامة بارزة في تاريخ الكفاح التونسي، الذي تطور مع الأيام والسنين، حيث كان في طلائع الشباب في الحركة الوطنية، التي نمت وترعرعت لتعم المدن والقرى، والمداشر والأرياف، ويتجمع الشعب كله، في (هيكل وطني عظيم) للقضاء على النظام الاستعماري المقيت وسلطته المتجبرة، وقوانينه الجائرة.
إن تاريخ حياة محمد علي، ونضاله ليمثل نقطة البداية الحقيقية لذلك الصراع الطويل المرير الذي خاضه شعبنا، لا يهاب الموت ولا يخشى الردى دفاعا عن الحق، مهما اشتد القمع، لسحق الاستغلال الاقتصادي والظلم الاجتماعي، والتحرر بالتالي من العبودية والخسف والاذلال، واسترداد الكرامة المقدسة والحق الهضيم».
هكذا تحدث محمد علي بلحوله عن الحامي في كتاب «محمد علي الحامي... وحوادث الأيام» فكيف كانت بداية أبي الحركة النقابية التونسية؟ وما هي أهم المحطات والأحداث التي تبرز دوره الريادي في تاريخ تونس الحديث؟ وكيف أمكن لشاب فقير مثله أن يتحول إلى زعيم نقابي فذ؟
المولد والالتزام
ولد محمد علي الحامي عام 1890 على الأرجح في بلدة مغمورة ضائعة وسط قساوة المكان وظلم الزمان ومهما اختلف المؤرخون حول أمر ولادته وتاريخها فإن الطفل عاش كغيره في ظروف القهر والظلم مما أثر في نفسيته ودفعه إلى الانخراط مبكرا في النضال الوطني.
وكان محمد علي بعد أن هجر موطنه الصغير، كغيره من أبناء المناطق المحرومة يبحث عن شغل، يقيه الجوع والخصاصة... بعد انقطاعه عن التعليم الابتدائي... إلاّ أن الشغل الكريم، في تلك الأيام العصيبة... لم يكن من السهل توفره... فانطلق كسائر الصبية، يحمل (القفة) لحرفاء فندق الغلة من السيدات الأوروبيات، اللاتي يقمن لوحدهن بقضاء شؤون المنزل، من (السوق المركزية).
ويذكر بعض المؤخين أن زوجة قنصل النمسا، أنقذته من هذا العمل لما لمست فيه من ذكاء ونشاط وصدق، يمكن تحويله إلى شيء آخر جد مفيد.
ويذكر آخرون، أن القنصل نفسه أعجب به أيما اعجاب، بعد أن تأكد من جديته وثقته، وحرصه على تعلم أي شيء، بعد أن حرم من لذة العلم والمعرفة ليخلص نفسه من جحيم البطالة والتسكع.
والتحق محمد علي بخدمة القنصل النمساوي، أين كان أخوه حسن يعمل هو الآخر، كعون لقضاء شؤون عامة، لمخدومه.
وقد سمح له عمله المتواضع، بالاحتكاك بمستويات أخرى جعلته يجهد لنفسه لكسب شيء مفيد.
كان (محمد علي) من أبناء تونس الأوائل، الذين تحصلوا على شهادة سياقة السيارات في 1908/02/26 لتحسين مستواه المهني والمادي،خاصة وأن البلاد، تفتقر إلى مثل هذه الميادين والاختصاصات التي تعتبر من وسائل حياة القرن العشرين! في وقت، أراد فيه مستعمرونا ابقاءنا، في حالة الغبن والتعاسة والخصاصة والجهالة... بسبب سياسة الشح والتقتير، في كل ميادين الحياة وفي مقدمتهم : الصحة والتعليم والتشغيل مما أدى إلى غضب الأهالي، عن المنهج الاستعماري وسلوكه بوجه عام، وخيبة أمل (الشباب التونسي) في هذا النظام المقيت الذي لم يستجب لمطالبهم.
المساهمة في العمل الوطني
بعد عودته من الهجرة إلى ألمانيا وتركيا وتطوعه في الجهاد مع الأخوة الليبيين استأنف الشاب محمد علي الحامي عمله الوطني وأيقن منذ البداية أن توحيد الصفوف هو أفضل سبيل لمواجهة المستعمر الغاشم.
وبدأ محمد علي الحامي عملا صادقا لتأطير اضرابات العمال (الرصيف مثلا) وأدى ذلك إلى تعبئة الطاقات لمزيد البذل والعطاء.
وشعر العمال التونسيون للمرة الأولى في تاريخ تونس الحديث، بعد أيام الصيف الشهيرة في عام 1924، إلى شعور أفضل بالكرامة، بضرورة مواصلة الجهود للتحصيل على حقوقهم الشرعية في تشكيل هيئات نقابية، في جامعة تضم شتات عموم العملة التونسيين، بعد أن ظهر بالمكشوف، أن النقابيين الفرنسيين، أصبحوا من دعاة الفرنسة والادماج، يسعون الى بلعهم وتذويبهم، مما بصر رجالات الكفاح الاجتماعي، بحقيقة الواقع الاستعماري الذي يريد فرضه الفرنسيون، بمختلف اتجاهاتهم ونزعاتهم للوقوف في وجه (التونسي) وعدم السماح له بتكوين نقابات تونسية، حتى لا يكون له صوت، مثل صوتهم في الأممية والإنسانية، ككل انسان حر كريم.
وسعى (محمد علي) وبتزكية من شباب الحزب الحر الدستوري أول الأمر، حيث اندفع معه بعض الدستوريين كأحمد توفيق المدني والطاهر الحداد وأحمد الدرعي لتأسيس نقابات تونسية، وجمع شتات العملة وانقاذهم من الخطر الداهم بطريقة ذكية تحبب لهم العمل، والقيام بالواجب، والمطالبة بالحق، حتى يشتعد ساعدهم ويبلغوا مرحلة من الوعي تؤهلهم لتحمل مسؤولياتهم بأيديهم، أما والآن يواجهون مستعمرا متكبرا متفوقا بالعلم والعمل، متصلبا يضرب بقساوة لاخماد الحس الوطني في النفوس، لا بد من مواجهته بعمل ذكي، يتمثل في الارساء والتوجيه والسعي للمطالبة بالاصلاح، في حين رأى فيه «دوريل» عملا سيئا ينبىء بالخطر!
لقد وصف (Durel) وجماعته من حركة (س ج ت) ما يعتزم (محمد علي) القيام به، مع العملة التونسيين، بأنه (عمل سيء) سيجلب لهم المضار مؤكدا لهم دعوته للعدول عن هذا المشروع، ومحذرا اياهم من مغبة الانزلاق في هذا التيار، لأن مكانهم في (الوحدة العمالية) ودعوتها (العالمية) بعيدا عن التعصب للأديان والجنسيات».
بعث جامعة عموم العملة
وشرع محمد علي الحامي في جولاته للإصداع بالرأي في أوساط العمال والتعرف على استعداد أبناء الوطن الكادحين على تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم، والدفاع عن حقوقهم.
واتصل (محمد علي) بعملة شركة (صفاقس قفصة) للفوسفاط والسكة الحديدية... الذين كانوا يتقاسمون الآلام والأحزان، فيما بينهم، لما ترتكبه الشركة الاستعمارية الاستغلالية، من ظلم وقهر في حق عملتها، الضاربين بسهم وفير، في مد الخطوط الحديدية واستخراج الفسفاط والانتاج الفلاحي، في هنشير الشعال الذي تحول إلى الشركة.
كما أن عملة الرصيف بصفاقس لا يقلون تعاسة، عن حال اخوتهم في أرصفة تونس وبنزرت، وغيرها من مواطن الانتاج، التي سيطرت عليها قوة الرأس المال الاستعماري الزاحف، ودعمتها سلطة الحماية الممثلة في الاقامة العامة الفرنسية بتونس...
وأدت تلك الاتصالات الأولى في صفاقس، إلى تكوين نقابتين أساسيتين للدفاع عن الحقوق اللازمة، بالطرق الجدية، الموصلة الى الغاية المنشودة...
وعاد (محمد علي) من صفاقس إلى العاصمة بعد جولة استغرقت خمسة أيام، اطلع فيها على العين، على حالة العملة، وأوضاعهم المزرية، المخلة بالكرامة... وقدم فيها شروحا ضافية، لقاءات متعددة واجتماعات متوالية، للأغراض العامة للنشاط النقابي مع تقديمه لخير العملة عموما لاخراجهم من حالة الغبن، الذي يقاسمونه كبقية أبناء الوطن.
وكان تأسيس نقابتين، في القاعدة العمالية بصفاقس باعثا على التفاؤل بالمستقبل، في نفس (محمد علي) الذي ازداد وثوقه، بمشروعية (عمله الاجتماعي) لصالح البؤساء والمغبونين، بعد أن لمس عن قرب حماس الشباب، الآخذين بمبادىء العلوم والخبرات... والمحبين للحياة والعمل والساعين لغايات التقدم والتطور.
وبعد المزيد من التحركات والاتصالات تأسست جامعة عموم العملة التونسيين في 3 ديسمبر 1924 رغم تصلب الاقامة العامة الفرنسية بتونس وعلى رأسها لوسيان سان ومعارضة ليون جوهو الكاتب العام للجامعة العامة للشغل الفرنسية (س.ج.ت).
النفي ورحلة العذاب
وسعت السلطة الفرنسية بكل أجهزتها الى اجهاض حركة محمد علي بأي ثمن وكانت التهم الملفقة جاهزة منها التآمر على أمن الدولة وأحيل محمد علي الحامي رفقة عدد من النقابيين على المحاكمة بقرار مؤرخ في 1925/02/08 واتهم الزعيم النقابي بالعديد من التهم الباطلة والتي كان الهدف منها ايقاف حركته وابطال نشاطه النضالي، وبعد المحاكمة تم نفي الزعيم النقابي الى الخارج واثر رحلة العذاب والنفي التحق الحامي بالمغرب وتذكر وثيقة من بوليس طنجة أنه ألقي القبض عليه قبل أن يلتحق بصفوف المجاهدين المغاربة واقتادوه إلى مرسيليا. وبعد التخاطب في شأنه واستشارة وزارة الداخلية أطلق سراحه. وقيل أنه استقر بالقاهرة فعمل في السياقة عند أعيان مصر من الباشوات حتى حصل له حادث أدى به الى ترك عمله ومغادرة مصر إلى الحجاز.
وصورة ذلك تحدث عنها بورقيبة في كتابه «بين تونس وفرنسا» فذكر أنه اضطر الى مفارقة مخدومه بعد حادث طارىء حصل له لما أمره الباشا أن يحمل سفير فرنسا إلى مقر اقامته، فامتنع وآثر ضياع رزقه على أداء خدمة لسفير ممثل دولة أطردته من وطنه.
وانتقل إلى السعودية يعمل هناك، في شؤون التجارة والتعليم الحر، بالاضافة الى عمله كسائق في سيارات الأجرة، حتى وافاه الأجل في حادث اصطدام في الطريق بين مكة وجدة بوادي المصيلة يوم 20 ذي القعدة 1346، الموافق (10 ماي 1928)!
لقد كان محمد علي الحامي بشيرا بميلاد بعث جديد مرتقب للعامل التونسي وعموم الشعب .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.