البرلمان: نواب يصوتون على مناقشة قضية الأفارقة غير النظاميين    ممر خاص لذوي الاحتياجات الخصوصية بشاطئ ...انجاز ابنة قرية sos أمل كناني    الرياحي: أسعار لحم الضأن لدى القصابين خياليّة وهذه قيمة مرابيحهم في الكلغ    هام/ فتوى حول شراء أضحية العيد في ظل ارتفاع الأسعار..    غرفة القصابين: تكلفة كلغ ''العلّوش'' تتجاوز ال 45 دينار    فيديو.. الممثل ستيفن سيغال في استقبال ضيوف حفل تنصيب بوتين    مخاوف من اختراق صيني لبيانات وزارة الدفاع البريطانية    الدوري الإفريقي لكرة السلة: الإتحاد المنستيري يواجه اليوم ريفرس هوبرز النيجيري    أبطال أوروبا: باريس سان جيرمان يواجه الليلة بوروسيا دورتموند    يومي 10 و 11 ماي:تونس تحتضن بطولة إفريقيا للجمباز.    صفاقس: تفكيك شبكة ضالعة في ترويج المخدرات وغسيل الأموال    قليبية: الكشف عن وفاق إجرامي قصد اجتياز الحدود البحرية خلسة    اتصالات تونس تنخرط في مبادرة "سينما تدور" (فيديو)    تونس : 6% من البالغين مصابون ''بالربو''    وزارة التربية تنظم حركة استثنائية لتسديد شغورات بإدارة المدارس الابتدائية    متى موعد عيد الأضحى ؟ وكم عدد أيام العطل في الدول الإسلامية؟    لاعبة التنس الأمريكية جيسيكا بيغولا تكشف عن امكانية غيابها عن بطولة رولان غاروس    مشروع مصنع ثلاثي الفسفاط الرفيع المظيلة على طاولة الحكومة    أخبار المال والأعمال    أستاذ إقتصاد :'' وضعيتنا مع صندوق النقد غير مرضية ..''    النادي الإفريقي: هيكل دخيل رئيسا جديدا للفريق خلفا ليوسف العلمي    ماذا يحدث بين محرز بوصيان ووزير الشباب و الرياضة ؟    وزير الداخلية الليبي لقيس سعيد : ''الاستعدادات جارية لإعادة فتح المعبر الحدودي''    عدد من المناطق التابعة لولاية بنزرت تشهد اضطرابا في امدادات المياه بداية من العاشرة من ليل الثلاثاء    عاجل/ أمطار أحيانا غزيرة تصل الى 60 مم بهذه الولايات بعد الظهر..    حوادث: 13 حالة وفاة خلال يوم واحد فقط..    هطول كميات من الأمطار عشية اليوم ..التفاصيل    أريانة: منحرف يهدّد رجلا وإمرأة ويفتكّ سيارتهما    «فكر أرحب من السماء» شي والثقافة الفرنسية    الفنان بلقاسم بوقنّة في حوار ل«الشروق» قبل وفاته مشكلتنا تربوية بالأساس    شركة طيران تدفع 450 دولاراً لكل مسافر تم إلغاء رحلته    في قضية رفعها ضده نقابي أمني..تأخير محاكمة الغنوشي    رئيسة قسم أمراض صدرية: 10% من الأطفال في تونس مصابون بالربو    بعد إطلاق منصة مشتركة مع ليبيا وتونس.. وزير الداخلية الإيطالي يعلن تحرك عالمي لوقف تدفقات الهجرة غير النظامية    سيدي حسين: مداهمة "كشك" ليلا والسطو عليه.. الجاني في قبضة الأمن    عاجل/ تقلبات جوية بداية من عشية اليوم وطقس شتوي بامتياز..    هزة أرضية بقوة 4.9 درجات تضرب هذه المنطقة..    عاجل- قضية الافارقة غير النظاميين : سعيد يكشف عن مركز تحصل على أكثر من 20 مليار    إشارة جديدة من راصد الزلازل الهولندي.. التفاصيل    البطولة الانقليزية : كريستال بالاس يكتسح مانشستر يونايتد برباعية نظيفة    عاجل/ هجوم على مستشفى في الصين يخلف قتلى وجرحى..    أولا وأخيرا .. دود الأرض    مشروع لإنتاج الكهرباء بالقيروان    في لقائه بخبراء من البنك الدولي: وزير الصحة يؤكد على أهمية التعاون المشترك لتحسين الخدمات    اتصالات تونس تنخرط في مبادرة 'سينما تدور'    بمناسبة اليوم العالمي لغسل الأيدي: يوم تحسيسي بمستشفى شارل نيكول حول أهمية غسل الأيدي للتوقي من الأمراض المعدية    فيديو/ تتويج الروائييْن صحبي كرعاني وعزة فيلالي ب"الكومار الذهبي" للجوائز الأدبية..تصريحات..    مدنين: استعدادات حثيثة بالميناء التجاري بجرجيس لموسم عودة أبناء تونس المقيمين بالخارج    تصنيف اللاعبات المحترفات:أنس جابر تتقدم إلى المركز الثامن.    الفنان محمد عبده يكشف إصابته بالسرطان    نسبة التضخم في تونس تتراجع خلال أفريل 2024    الفنان محمد عبده يُعلن إصابته بالسرطان    وزارة الشؤون الثقافية تنعى الفنّان بلقاسم بوڨنّة    غدًا الأحد: الدخول مجاني للمتاحف والمعالم الأثرية    مواطنة من قارة آسيا تُعلن إسلامها أمام سماحة مفتي الجمهورية    خطبة الجمعة ..وقفات إيمانية مع قصة لوط عليه السلام في مقاومة الفواحش    ملف الأسبوع .. النفاق في الإسلام ..أنواعه وعلاماته وعقابه في الآخرة !    العمل شرف وعبادة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بحثا عن محمد علي الحامي في برلين
بقلم : حسونة المصباحي
نشر في الشعب يوم 13 - 01 - 2007

بدايات الخريف الشمالي: الاشجار تتعرّى ببطء. الأوراق الصفراء والسمراء تغطي الارض والارصفة. رياح خفيفة تداعب هامات الغابات المذهبة. نهر «السبري» يتدفق هادئا ومتعبا. لا شيء على ضفتيه غير عجائز وشيوخ يتمتعون بجمال الخريف، دفء الشمس تظهر حينا، وتختفي حينا آخر وراء كل من السّحب المتفرقة، يدخل الباص البرتقالي ذو الطابقين جادة «لكودام» الشهيرة، ويسير متمهلا بين اشجار الزيزفون، برلين! آه برلين يرن اسمها في أذني كما نواقيس الأطفال أيام الاعياد، ثم يعج جسدي نغما مفعما بأحاسيس ومشاعر غريبة. طويلا تردّدت قبل أن أقرّر زيارتها، وذلك بالرغم من اني اقيم غير بعيد عنها منذ أكثر من عامين، ثمة شيء كان يحول بيني وبينها. ودائما كنت أحس انه علي ان استعد استعدادا خاصا قبل ان ادخلها بعض الاصدقاء في ميونيخ كانوا يقولون لي: «لا تذهب الى برلين!»عندما أسألهم عن السبب كانوا يبتسمون ويقولون لي: اذا ذهبت الى برلين فلن تعود منها انها مدينة فاتنة ومجنونة تستبد بعشاق الليل امثالك!» وكنت أدرك جيّدا معنى ما يقولون. ولذا فإني حين بدأت أهيئ رحلتي اليها، شعرت أني سأذهب الى مدينة تختلف عن كل ما رأيت من المدن الاوروبية. مدينة تحمل جراح التاريخ الالماني والاوروبي في آن، «ولا تبرأ من عللها» على حدّ تعبير الكاتب الالماني غونترغراس. مدينة تتجسد فيها أخطر الصراعات وعنف التناقضات التي يشهدها هذا العصر، مدينة الجنون، الفانتازيا والحب والحد على حدّ السواء! «سدوم القرن العشرين» أو «الفجارة الكبيرة» كما يسمّيها كلاوس مان ابن الكاتب الشهير توماس مان.
أدخل برلين بحثا عن اوجاع وهموم غربة قديمة. غربة مثقف وقرية بائسة في الجنوب التونسي قادته الدروب الى برلين في بدايات الحرب العالمية الاولى. ولست ادري لماذا اتجه الى هناك في حين كان فيها أغلب المثقفين المغاربة والعرب يتجهون صوب باريس ولندن وأمريكا. ولن ابحث في هذا الأمر ذلك اني اعلم ان رحلات المغامرين الكبار لا منطق لها ولا تفسير انها التيه الرائع الشامل هكذا كانت رحلات او ليس، والسندباد، وابن بطوطة، وابن جلان، وكريستوف كولومبس وغيرهم كثيرون.
اسمه محمد علي الحامي (1) اسم حفظناه ونحن صبيان مع النشيد الوطني ومع أسماء أخرى لرجال افذاذ «ماتوا شهداء من أجل حرية وطننا» هكذا كان يقول لنا معلمو الابتدائية. اتذكر قريته «الحامّة» هناك قرب قابس. واحات نخيل. عيون ماء ساخنة يأتيها المصابون بالروماتيزم. ذباب. غبار وقلق تكاد تسمع صريره وهو يأكل الوقت، نساء سمراوات في ملاءات سود يطللن من خلف الابواب بين وقت وآخر. شيوخ جالسون أمام الدكاكين أو في ساحة السوق. احمرة وبغال مشدودة الى أعمدة خشبية وغير بعيد من هناك ثمت الصحراء موحشة وفارغة وأمضيت ساعات طويلة وأنا ابحث عن أثر له غير اني لم أعثر سوى على صورة له مغبرة ومتآكلة الاطراف، معلقة في مكتب اتحاد النقابات، هناك سألت شيوخا عنه فقالوا لي أنهم يعرفون بعض افراد عائلته اما هو فلا يعلمون عنه شيئا. أُلحّ في اسئلتي غير انهم يزيدون ايغالا في الصمت. أبتعد الولد الاسمر النحيل، انطلق من قريته البائسة والمعزولة قبل ان يدرك سن المراهقة. التحق بأخيه الاكبر الذي كان يعيش في العاصمة ليكسب قوته كما هي عادة اغلب ابناء «الحامّة» وحال وصوله اشتغل خادما في بيت القنصل النمساوي وربّما يكون قد اكتشف هناك وهو يتأمل سيدات ورجالات أوروبا المتمدّنة أنه عليه ان يوغل بعيدا في المغامرة لفهم تلك الفكرة التي استحوذت عليه وهو لا يزال في سن الشباب المبكر: كيف تتحرر الشعوب وكيف تتطوّر الامم؟ نفس الفكرة التي كانت شغلت المصلح التونسي الكبير الوزير خير الدين باشا التونسي والتي عالجها في كتابه «أقوم المسالك في تحرير الممالك». غير انه مضى دون ان يتمكن من تحقيق حتى القليل مما كان يدعو اليه وتقول الاخبار انه رحل من تونس بائسا، وأنه لمّا ركب الباخرة التي نقلته الى الاستانة، سقط طربوشه فقال كلمته الشهيرة: «هذه البلاد سوف تأكل أعز أبنائها!» ولم يكن محمد علي في مقام الوزير خير الدين كما انه لم يكن مطلعا مثله على أساليب التمدّن وعلى أسرار الحكم، بل انه كان ريفيّا عديم التجربة، غير انه كان يتمتع بفطنة ساعدته على التنصت الى حركة المجتمع، على السعي الى فهم ما كان يدور حوله من أحداث. وهذا ما دفعه وهو الخادم البسيط في بيت القنصل النمساوي الى الالتحام بالحركات الوطنية وبالمنظمات الاصلاحية التي كانت تنشط في تلك الفترة. كانت تونس خلال بدايات القرن تعيش يقظة على جميع المستويات.
المصلح الكبير محمد عبده يزور تونس ويلقي محاضرات في النوادي الثقافية يكون لها تأثير كبير على النخبة التونسية، طلبة جامع الزيتونة يتظاهرون في ربيع 1910 مطالبين بتجديد أساليب الدراسة وبإدخال العلوم الحديثة الى مناهج التدريس جماعة «تونس الفتاة» بقيادة زعيمهم المستنير علي باش حانبه يأسسون النوادي الثقافية في العاصمة ويخطبون في الجامعات الطلابية محرضين على الاستنارة وعلى ضرورة الاستفادة من التمدّن الاوروبي. مظاهرات صاخبة عام 1911 ضد التجنيس وضد أساليب التفرقة التي كانت تنتهجها السلطات الاستعمارية الفرنسية بين العمال الاوروبيين والعمال التونسيين وتلك القصيدة الشعبية التي كان يرددها الناس (2):
اخدم وتحزم بشريط
حل الصّرة تلقى خيط
اخدم حتى لين تموت
ياباب الله: تنال القوت
ثم يهاجم الطليان ليبيا، فيتدفّق المتطوّعون التونسيون لمناصرة اخوتهم هناك. وتزغرد نساء الجنوب السمراوات وهن يسمعن طلقات الدغباجي (3) في جبال عرباطة (4) الجرداء. ويمضي رجال الى الموت منشدين:
خمسه اللّي لحقوا بالجرّة ملْك الموت يراجي
لحقوا مُولى العركهْ المرّة المشهور الدغباجي (5)
ويترك محمد علي بيت القنصل النسماوي، ويرحل عبر الصحراء الى طرابلس. هل قاتل هناك؟ لا احد يدري. هل كانت مهمته تقتصر على الاتصال ببعض زعماء المقاومة؟ لا أحد يدري أيضا انها الخطوات الاولى في طريق المغامرة الطويلة والشاقة ومن الاكيد ان محمد علي لما خرج من تونس، كان مدركا لاشياء كثيرة، وكان مطلعا اطلاعا جيدا على الاحداث السياسية. بل انه ربّما شعر وهو يشق صحراء الجنوب باتجاه طرابلس إنه لا بدّ ان يفعل شيئا ما لذلك الوطن الذي تركه خلفه. ثم شوهد محمد علي عام 1912 في اسطنبول التي أقام فيها حتى نهايات الحرب العالمية الاولى. كيف عاش هناك؟ الاخبار بشأن هذا الموضوع مضطربة الى حد كبير، البعض يقول انه التحق بالجيش العثماني وعاش متنقلا بين الثكنات العسكرية. والبعض الاخر يقول انه كان السائق الخاص لانور باشا وزير الحربية في الحكومة الثلاثية لحزب الاتحاد والترقي (طلعت أنور جمال). وآخرون يشيعون انه ساهم مع رجالات تونس المهاجرين والمنفيين في التعريف بالقضية الوطنية التونسية، وفي كشف جرائم السلطات الاستعمارية الفرنسية في كل من تونس والجزائر والمغرب. لكن المهم هو ان محمد علي عاش في اسطنبول في فترة كانت تشهد أحداثا تاريخية لم يسبق لها مثيل: امبراطورية «الرجل المريض» تحتضر، والقوى الامبريالية الكبيرة تتحارب بضراوة لتتقاسم النفوذ في العالم، والعالم العربي الاسلامي ينهض ببطء ويستعد لدخول مرحلة جديدة في تاريخه، ومن الاكيد ان ذلك الشاب النحيل ادرك بفطنته الريفية ان آخر الامبراطوريات الاسلامية تندفع نحو الهاوية، وأنه عليه ان يرحل باتجاه اوروبا ليزداد ادراكا ووعيا بمعنى ما كان يدور حوله وهكذا دخل برلين ونار الحرب لما تزل مشتعلة بينما في بلاد القياصرة مترامية الاطراف ارتفعت الاعلام الحمراء، وأعلن البلاشفة عن تكوين اول جمهورية «للعمال والفلاحين».
برلين! اتصوّره يدخلها في بدايات شتاء بارد، بعد رحلة طويلة قطع خلالها بلاد البلقان اثار وروائح الحرب في كل مكان شوارع يتكدس فيها العاطلون والمشوهون والارامل والاطفال والمهاجرون والجنود المهزومون العائدون من جبهات القتال. يمشي فيها مرتبكا كعادة كل الريفيين في المدن الكبيرة وتبدو له برلين في البداية شبيهة ب «ثكنة عسكرية باردة وبشعة»، ويبدو له البروسيون بغطرستهم «كما لو ان كل واحد منهم قد ابتلع الهراوة التي اشبع بها ضربا ذات مرّة» وسرعان ما تفوح رائحة الهزيمة في كل مكان. ويتهاوى الحلم البروسي مثلما يتهاوى فجأة الحصان الجامح. وها الفتى النحيل يسير في شوارع برلين ملتفا بمعطف سميك، منتبها الى ما يدور حوله، مصغيا الى انات ضحايا الحرب، مدركا ان مغامرته التي بدأت منذ سنوات اخذت منعرجا جديدا وهو هناك في قلب اوروبا المتمدنة والقوية ووسط ذلك الجوّ القاتم تشن تلك المناضلة الاشتراكية العرجاء التي تسمى روزا لكسمبورغ معركة عنيفة ضد البورجوازيين وضد جنرلات الحرب البروسيين وتؤسس حركة «السبارتاكوس» وتدعو من خلالها الى ضرورة اقامة «جمهورية العمال» غير ان أعدائها لا يمهلونها وذات ليلة يداهم الجنود البيت الذي كانت تختفي فيه ويأخذونها صحبة رفيقها «كارل ليبنخت» الى «فندق عدن» الفاخر. وهناك ينكلان بهما على مرأى ومسمع من «النزلاء وهم في بدلات السموكينغ الانيقة». وبعد ذلك يفجرون رأس كارل ليبنخت، ويسحلون روزا لكسمبورغ ويسحبونها على الأرض وهي نصف ميّتة وداخل عربة عسكرية يفجرون رأسها برصاصة ثم يلقون بجثتها في نهر «السبري».
هل تعرّف محمد علي الحامي على روزا لكسمبورغ قبل قتلها؟ البعض يشيع ذلك غير انه ليس هناك اي دليل مقنع بخصوص هذا الموضوع ومع ذلك فإن الثابت هو ان محمد علي الحامي تابع باهتمام ما حدث لقادة حركة «السبارتاكوس»، وربما يكون قد تأثر بشيء من افكارهم وهو ما ستؤكده الاحداث فيما بعد ومن الثابت ايضا انه كان على اتصال بالحركات السياسية والنقابية وبمناضلين اشتراكيين وديمقراطيين، وبمهاجرين مثله كما انه كان يتردد باستمرار على «النادي الشرقي» ببرلين الذي كان يرأسه المناضل العربي الكبير شكيب ارسلان ومع ذلك تبقى المعلومات قليلة بخصوص الستة اعوام التي اقامها محمد علي الحامي في برلين والذين لازموه اثر عودته الى تونس وخاصة صديقه وابن قريته المصلح الطاهر الحداد (6) لا يقولون شيئا كثيرا بخصوص هذه المسألة غير انهم يؤكدون انه حصل هناك على شهادة دكتوراه في الاقتصاد هل هذا صحيح؟ الغموض يحيط بالفتى الجنوبي حتى النهاية. والواضح انه انتسب فعلا الى جامعة «هامبولت» الحرة في برلين. ورئيس هذه الجامعة المذكورة يقول في وثيقة نشرت في كتاب عن حياة محمد علي الحامي صدر عام 1975 (7) أنه «لا توجد شهادة علمية تحمل اسم الشخص المعني بالامر الا ان اوراق الارشيف تؤكد ان محمد علي الحامي كان مرسما بكلية الفلسفة (فرع الاقتصاد) وانه وقع فسخ ترسيمه لعدم مثابرته» ومع ذلك فان كل شيء يشير الى ان الفترة التي عاشها محمد علي الحامي في برلين كانت من أخصب فترات حياته اذ انه تعلم خلالها اشياء كثيرة، واحتك بالناس وازداد معرفة بالحياة وبالتاريخ، وأيضا بأحوال الامم والشعوب.
الساعة الثالثة ظهرا، امشي في جادّة «الكودام» مستمتعا بالهواء البرليني العليل، وبخشخشة الاوراق الميتة تحت الاقدام. آه ما اروع الخريف في المدن التي نحبّ! أجلس على مقعد خشبي في احدى الساحات الصغيرة وأتخيل محمد علي الحامي يأتي اليّ في معطفه الرمادي الطويل ويحتضنني. ثم يأخذني عبر الشوارع التي سار فيها والاماكن التي تردد عليها والمقاهي التي جلس فيها ويحدثني عن همومه، وعن أفكاره وعن النساء اللائي دفّأن فراشه، فراش المغترب، وعن الرجال الذين تقاسم معهم آلام الغربة ومصاعبها. انتظرلكن لا شيء غير صورته المغبّرة والمتآكلة التي رأيتها معلقة في مكتب اتحاد النقابات هناك في قريته البعيدة. انظر حولي فانتبه الى أني جالس في ساحة تحمل اسم الرسام الشهير «غيورغ غورس» الذي رسم الحياة اليومية لبرلين العشرينات. اعاود السير، ويتيه خيالي في عوالم تلك المرحلة الرائعة من تاريخ برلين.
ابتداء من عام 1910، بدأت برلين تشهد نشاطا ثقافيا وفنيا لا مثيل له. وكل ذلك كان يدور في الكاباريهات وفي مقاهي عديدة اشهرها مقهى «Cfé GrBenwahn أي مقهى «هذيان العظمة» نظرا للمشاريع المجنونة وللاحلام الفنية والادبية التي ولدت فيها وكان يؤمها بوهيميون، وهامشيون ورسّامون، وممثلون، وشعراء. وفيها ولدت الحركة «التعبيرية» الشهيرة غير ان هذا النشاط الفني والثقافي الرائع سرعان ما توقف خلال سنوات الحرب، أو انه بالاحرى ظل ينمو في العتمة وفي الشوارع الخلفية لمدينة برلين بعيدا عن دوي المدافع وعن غطرسة الجنرالات البروسيين القساة وما ان خمدت نيران الحرب حتى عاد اولئك البوهيميون والفنانون والشعراء الى ممارسة «هذيانهم» في المقاهي والكاباريهات غير مبالين بشيء ولان برلين تتمتع بقدرة على التحدي لا تتمتع بها مدينة اوروبية اخرى فانها سرعان ما نسيت فواجع الحرب وآلامها، وارتمت نهمة وعطشى في بحر اللذات وفي فترة قصيرة، حوّل فنانون وكتاب من امثال «لودفيك كيرخنار» و»برتولد برخت» و»تيخولسكي» و»هاينريش مان» وغيرهم مدينة برلين الى عاصمة ثقافية لاوروبا باسرها يؤمها الفنانون الطليعيون والثوريون من كل مكان.
كانت برلين خلال العشرينات تجوع وتتألم وكانت بناياتها رمادية، وشوارعها قذرة وبشعة غير انها مع ذلك كانت ترقص وتغني حتى الصباح، وتستمتع بمسرحيات «ستراندبارغ» و»ابسن» و»ماكس راينهارد» وبأشعار «برتولد برخت» الحماسية، وبقصائد وكتابات «غوتفريد بن» الموغلة في اليأس والتشاؤم، وبمقالات «تيخولسكي» العنيفة والساخرة، وبلوحات الرسامين التعبيريين من امثال «ادوارد مونش» و»كوكووشكا» و»شاغال» وغيرهم وكان ثمّة شاب بنظارة، وبشعر غزير، وشارب كث يتجول في شوارعها وفي مكتباتها، ويسجل في دفاتره ملاحظات كثيرة ستكون في مرحلة لاحقة، الاساس لاعمال فكرية ونقدية وفلسفية متميزة. هذا الشاب كان يدعى «فالتربنيامين».
وفي تلك الفترة أيضا كانت برلين متعددة. كانت هناك الف «برلين» كما يحلو للبعض ان يقول: «برلين الحمراء» أي برلين الفقراء والعمال والبروليتاريا الرثة الذين يسكنون احياء «فيدينغ» و»كرويتسبارغ» و»برلين تيرغارتن» البرجوازية، «وبرلين غرينفالد» الارستقراطية، وبرلين المهاجرين الروس، وبرلين الشعراء الثوريين السوفيات من أمثال «ليسيتسكي» و»ماياكوفسكي» و»ايسنين» و»بايلي» وكانت هناك ايضا «برلين الشيوعية وبرلين التي تهيئ نفسها للانتقام من الذين هزموا جيوشها، وحطموا احلام جنرالاتها.
ولعل أروع رواية صورت تلك الفترة هي رواية «الفريد دوبلن» الشهيرة برلين ساحة الاسكندر» وهي رواية ضخمة ومليئة بالتفاصيل مثل رواية «عوليس» لجيمس جويس، وابطالها عاطلون وهامشيون وعاهرات، وعازفو الارغن والذين كانوا يهيمون في الشوارع، ويتنقلون بين البارات القذرة، وينامون في ملاجئ شارع «فروبيل» الليلية وكل هذه العوالم الجحيمية والبائسة يصفها لنا «دوبلن» من خلال شخصية سجين قديم اسمه «فرانز بيباركوف» شبيه الى حد بعيد بسعيد مهران بطل رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ.
هل تأثر محمد علي الحامي بعوالم برلين خلال العشرينات؟ هذا مؤكد خاصة وان جل الوثائق تثبت انه كان يتقن الالمانية والفرنسية لكن المرجح هو ان محمد علي قد اهتم بالاحداث السياسية والنقابية، وبالاحزاب الاشتراكية وغيرها اكثر مما اهتم بأي شيء اخر وواضح جدا ان الفكرة الاساسية التي كانت تشغل ذهنه طول الوقت هي: ماذا يمكنه ان يفعل لذلك الوطن الذي رحل عنه منذ سنوات طويلة؟
أين سكن في برلين ؟ يحلو لي ان اتخيل دائما واراه يسكن شقة صغيرة في حي «كرويتسبارغ» العمالي حيث المهاجرون والمحرضون السياسيون والنوادي الاشتراكية، والمثقفون التقدميون والثوريون.
في الساعة العاشرة ليلا أركب الباص رقم 29 وأتوجه الى حي «كرويتسبارغ» انزل في احدى الساحات. لا احد غير بعض السكارى، اتمشى على مهل، الشوارع فارغة او تكاد، يعترضني رجل ضخم يدب ثقيلا ويسعل في كل خطوة تقريبا اسأله عن اهم الاماكن في الحي، فيجيبني دون ان يلتفت الي «اذهب في أي اتجاه سوف تجدها!» اسير لمدة عشرين دقيقة، وأجد نفسي في شارع به مطاعم ومقاه كثيرة ادخل واحدة اسمها مقهى «القاهرة» أجلس هناك اكثر من نصف ساعة ثم أسأل النادل اللبناني عن سبب فراغ الحي فيقول لي مبتسما «لقد اتيت مبكرا. اذا اردت الاستمتاع باجوائه الجميلة فتعالى اليه عند منتصف الليل او بعده بقليل» اركب الباص 29 من جديد، وأعود الى الفندق أحاول ان انام غير اني لا استطيع برغم التعب اقلب صحفا واوراقا. اطفئ النور. انتظر. لا يأتي النوم. أخرج الى المدينة من جديد اقف امام قاعة سينما فيلم «اللامرتشون» بطولة «روبرت دي نيرو» و»شين كونري» اتردد في دخول الفيلم جميل وهو يروي قصة المافيا الايطالية في شيكاغو خلال الثلاثينات. ويصفق الجمهور اكثر من مرة اعجابا ببعض اللقطات حتى اني تخيلت نفسي في قاعة «ستوديو 38» بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية (قاعة تعرض افلام الوستارن والكارتي والمغامرات البوليسية) بعد ان ينتهي الفيلم اتمشى في «الكودام» فأجده مزدحما كما في الخامسة ظهرا.
في ربيع عام 1924 يترك محمد علي الحامي برلين تعيش عوالمها الوردية غير مبالية بها كان يترصدها من فواجع واخطار يعود الى الوطن بعد ثلاثة عشرسنة من الغياب. ومن المؤكد شعر بضرورة ذلك خاصة وان التجارب والمحن التي عرفها أثناء سنوات الترحال والاغتراب تخول له ان يشرع في انجاز ما كان وعد به وطنه وهو يجتاز الصحراء باتجاه طرابلس.
ويصل محمد علي الحامي الى تونس فيجدها تعيش أيام عصيبة، وظروفا قاسية: مجاعات، وقمع، وتشتت في صفوف الحركة الوطنية، ويأس تام من تلك الوعود التي لوحت بها السلطات الاستعمارية خلال الحرب وبعدها وكان المناضل الكبير الشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب «تونس الشهيدة» في بلاد الشرق يتصل بالزعماء الوطنيين وبرجالات الحكم في مصر وفلسطين والحجاز والعراق، وكان هناك مناضلون آخرون في المنافي ومن تبقى منهم صامت خوفا من القمع وهناك في قلب المدينة العتيقة، وعلى مسافة قريبة من جامع الزيتونة، فيها هامشيون يجتمعون في مقهى شعبي يسمى مقهى «تحت السور» وكانوا يعربدون ويسخرون من الدنيا والناس ويكتبون وسط دخان السجائر وضجيج الزبائن قصائد وأغان، ومقالات ساخنة وقصصا قصيرة مستوحاة من اجواء «غي دي موبسان» وكان بين هؤلاء محمد العريبي البودليري المتشائم وعلي الدوعاجي القصير واللاذع اللسان، وعبد الرزاق كرباكة المتشبع بالثقافة الشعبية وآخرون كان لهم دور كبير في تطوير الثقافة التونسية الحديثة وكان الشابي يصرخ ملتاعا ويائسا:
ألا ايها الظالم المستبدّ
حبيب الظلام، عدو الحياة
سخرت بأنات شعب ضعيف
وكفك مخضوبة من دماه
وسرت تشوه سحر الوجود
وتبذر شوك الاسى في رباه!
وفي المساءات كان يهيم في حدائق البلفدير للتخفيف من الام مرض القلب الذي كان يعاني منه، وكان هناك رجل طريف يدعى علي الجندوبي يجول في المدينة كل يوم حاملا قفة ضخمة بها المقال اليتيم الذي نشرته له احدى الصحف التونسية. و فتى اسمر ونحيل، من نفس منطقة محمد علي الحامي يدعى الطاهر الحداد كان نادى بضرورة تحرير المرأة، متحدّيا سلطة فقهاء جامع الزيتونة الذين لم يترددوا في تكفيره والمطالبة برجمه. وحالما يصل محمد علي الى تونس يتخذه رفيقا له في دعوته الجديدة. ومعه يجول المدن والقرى والمداشر سعيا لتأسيس اول اتحاد نقابي للعمال والحرفيين التونسيين.
اكتسب محمد علي الحامي خلال اقامته في برلين تجربة نضالية مهمة، وقدرة فائقة على التنظيم والتخطيط ولانه عمل كما تأكد ذلك بعض الوثائق في احدى المعامل الكبرى للسيارات فانه قد كان اطلع على برامج النقابات والمنظمات العمالية وتمرسّ بتجاربها في النضال، وادرك ان المجتمع اذا لم تتضامن فيه قواه الحيّة لا يمكن ان يتحرر وهكذا وحالما حط الرحال شرع في تنفيذ فكرته.
كان اسمه «العم حمدة»« كان دائما في كسوته الزرقاء ولا تكاد سيجارة «الارتي» تفارق فمه. كنا نجلس في ذلك المقهى المعتم هناك قرب ميناء بنزرت وكان يحدثني عن أيام قديمة وعن ذكريات شبابه وعن استشهاد احد أبنائه في معركة بنزرت. آه ! كم كانت جميلة تلك الايام. كنت التهم الكتب، واتردد على صيادي الاسماك والعب الورق مع الجنود، وأعاكس النساء في السوق المركزي، وبنات المعهد في مكتبة المدينة. كنت سعيدا برغم البطالة وكان العم حمدة يقول لي دائما «خذ هذه السيجارة وسيفرجها الله في يوم من الايام»!» وذات مرة اخذني الى بيته هناك في «حي الاندلس» أجلسني في الصالة الصغيرة، المتواضعة الاثاث وأتاني بكأس شاي. انتبهت الى انه يعلق صورة كبيرة لمحمد علي الحامي ولما رآني احدّق فيها قال لي «اتعلم اني أحب هذا الرجل تماما مثلما أحب ابي أو ابني الذي مات.. مازلت اذكرالى حدّ الان يوم جاءنا الى بنزرت كنت إذ ذاك في الثانية عشر تقريبا، وكنت اصاحب ابي من حين لاخر الى الميناء لانه كان يعمل عتالا. وذلك اليوم جاءنا رجال وخطب فينا فتى نحيل وهادئ لم افهم ما قاله فانا كنت صبيا ساذجا في ذلك الوقت، غير اني ادركت ان ابي وجميع العتالين استحسنوا ما قال وصفقوا اكثر من مرة ومن الغد تظاهر العتالون في شوارع بنزرت واطلق الجندرمة الرصاص وسقط خمسة أو ستة لا اذكر ولما كبرت، وأنضويت الى النقابة انتبهت الى ان ذلك الفتى الاسمر النحيل هو محمد علي الحامي».
مثلما روى «العم حمدة» فان محمد علي الحامي راح يطوف البلاد من اقصاها الى أدناها مرفوقا بالقليل من انصاره، ناشرا دعوته بصوت واثق وهادئ وبصبر لا يتمتع به الا من تمرس بالحياة ونحن نجده مع عتالي بنزرت ومع العمال الزراعيين في غار الملح وماطر ومع عمال الرصيف في تونس العاصمة ومع اهالي زغوان ولعل اهم ما قام به اثناء جولاته تلك هو اتصاله بعمال مناجم الفسفاط في منطقة المتلوي بالجنوب التونسي، والذين كانوا يعيشون اوضاعا قاسية تتجاوز الى حد بعيد تلك التي وصفها لنا «آميل زولا» في روايته الشهيرة «جرمينال». ويروي الطاهر الحداد ان محمد علي كان يتأثر شديد التأثر بمناظر البؤس والفاقة وانه كان يتحدث كثرا في جلساته عن مشاهد الجوع التي رآها في مناطق الجنوب التونسي، وعن قوافل البدو المتجهة الى المدن بحثا عن القوت بعد ان اكلت الجوائح المتوالية مزارعهم وانعامهم ويروي ايضا انه كان يطوف معه في العاصمة في ليالي الشتاء الباردة وانه كان يحزن شديد الحزن حين يرى اناسا وأطفالا دون سن الرشد ينامون على الارض أو في مداخل البنايات والذين عاشوا تلك الفترة يقولون ان محمد علي كان يتمتع بذكاء حاد وبقدرة فائقة على التنظيم والاقناع وكان رصينا ومسالما وفالحا في مخاطبة البسطاء من الناس وفي ارشادهم وتوعيتهم... الى جانب هذا كله يذكر الحداد ان محمد علي كان شغوفا بالموسيقى الكلاسيكية الالمانية الى حد بعيد، وأنه حريص عل الاستماع اليها اثناء السهرات وكان يحرض اصدقاءه على ان يفعلوا مثله لان تلك الموسيقى حسب رأيه تهب الانسان القوة والنشاط، اما الموسيقى العربية فهي توجعات وأنات وآهات تثقل النفس والروح وهذا ما يؤكد لنا ان محمد علي الحامي قد استفاد من حياته البرلينية استفادة كبيرة وان لم يعد فقط لينظم العمال ويؤسس نقابات وانما ليغير العقول والمفاهيم ، وليساعد على تحرير الناس من التقاليد والافكار القديمة.
وفي فترة قصيرة تمكن محمد علي الحامي وانصاره من توعية العمال والحرفيين واقناعهم بضرورة الاتحاد للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وهكذا انبعثت للوجود اول منظة نقابية في تاريخ تونس الحديث.
وسرعان ما بدأت السلطات الاستعمارية تعي خطر ذلك الشاب النحيل والغامض وارسلت وراءه جواسيس ومخبرين لمتابعة اعماله ومراقبة تحركاته وتسجيل اقواله وتصريحاته ولم تتردد طويلا في القاء القبض عليه والزج به في السجن صحبة جمع من انصاره وجميعهم وقفوا في قفص الاتهام يوم 12 نوفمبر 1925 ، ووجهت اليهم تهمة التآمر على أمن الدولة وبعد المفاوضات اصدرت المحكمة حكما يقضي بنفي محمد علي الحامي وانصاره لمدة تتراوح بين 10 و5 سنوات.
بعد ذلك تبدأ رحلة عذاب طويلة ومن جديد يعود الغموض ليلف شخصية محمد علي حتى النهاية.
توضع السلطات الاستعمارية الجماعة المذكورة في باخرة متجهة الى نابولي بايطاليا. وهناك يلقي البوليس القبض عليهم ويمضون اسبوعا كاملا في الايقاف . ثم تأخذهم السلطات الايطالية الى «بوستيميا» على الحدود الايطالية اليوغسلافية . وبعد ذلك اختار كل واحد منهم الطريق الذي يناسبه وبخصوص محمد علي الحامي تقول الوثائق انه اتجه الى تركيا غير ان شرطة الحدود رفضت دخوله ونحن لا ندري بعد ذلك إلى أين اتجه، غير ان وثائق «الكاي دورساي» تقول ان الشرطة الفرنسية القت القبض عليه في مدينة طنجة يوم 25 فبراير 1926 وهو يستعد للالتحاق بالمقاومة الريفية في جبال الاطلس وبعد ذلك اقتادوه الى مرسيليا، ثم اطلقوا سراحه وقد يكون محمد علي الحامي طلب بعض المال من ابن عمه الذي كان يعيش في باريس في ذلك الوقت وركب الباخرة الى الاسكندرية. ويتواصل الغموض بخصوص حياة محمد علي بعد ذلك غير ان بعض المؤرخين يقولون انه استقر في القاهرة وعمل سائقا عند احد الباشوات المصريين. غير انه رفض ذات ليلة حمل السفيرالفرنسي الى مقر اقامته بعد ان حضر حفلا في قصر الباشا المذكور، ومن جديد يهيم على وجهه في ارض الشرق. وتلفظه دروب الضياع في جدة حيث يعمل سائقا ومدرّسا للغة الفرنسية، وفي يوم 10 ماي 1928 اصطدمت سيارته بسيارة اخرى في الطريق بين مكة وجدّة بوادي مصيلة فمات متأثرا بجرح خطير في دماغه.
وهكذا مضى ذلك الفتى الجنوبي المغامر يلفه ذلك الغموض الذي رافقه من البداية الى النهاية.
تقول لي العجوز اللطيفة التي تدير بنسيون «كولومبو» : ماذا ستكتب عن برلين؟ اقول لها: عن محمد علي الحامي.
تمدّ رأسها مستفسرة انطق الاسم من جديد واروي لها تفاصيل حياته، تفتح فمها مندهشة وتقول لي «كأنها قصة من ألف ليلة وليلة!» تصمت قليلا ثم تضيف: «احيانا لا يمكننا ان نتصور ماذا يمكن ان يفعل شخص واحد في تاريخ امة من الامم أو شعب من الشعوب».
أجلس في المقهى المواجه للبنسيون. مقهى جميل تضيئه شموع بنفسجية، ويؤمه طلبة وعشاق وفنانون. اكتب بطاقة لاصدقاء بعيدين. وعلى ظهر احداها اكتب لصديقي عبد الجليل بوقرة المقيم في القيروان: «بحثت عن اثر محمد علي الحامي، فلم أعثر على شيء. غير اني أخال أنه معي في الشوارع والساحات يقاسمني غرفة البنسيون، وأيضا كأس البيرة الذي امامي صديقي عبد الجليل بوقرة هو ايضا يعلق صورة ضخمة لمحمد علي الحامي في شقته ومرة قال لي: «اساتذة الجامعة عندنا ينقبون الوثائق ويتجادلون طول الوقت لكي يثبتوا ان محمد علي لم تكن له شهادة الدكتوراه يا لهم من اغبياء! ألا يعلمون ان حياة المغامرين الكبار لا تقاس بالشهائد وان اكثرهم جرأة لن يتمكن من ان يعيش يوما واحدا من ايام رحلة محمد علي الطويلة!».
الهوامش:
1) محمد علي الحامي (1890 1928) مناضل وطني تونسي ومؤسس اول منظمة نقابية تونسية.
2) معنى هذه القصيدة : اعمل بجدّ لكنك لن تحصل على شيء، اعمل حتى تسقط ميّتا لكنك بالكاد تنال قوتك.
3) الدغباجي: مناضل من الجنوب التونسي خاض الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي . وساند مقاومة الليبيين للغزو الايطالي. أعدم عام 1922 في ساحة قريته.
4) جبال عرباطة: جبال مشهورة في الجنوب التونسي احتمى بها الثائرون التونسيون .
5) هذه اغنية مشهورة في الجنوب التونسي وهي تعني: الرجال الخمسة الذين التحقوا به مصيرهم الموت! لقد التحقوا بصاحب المعركة الصعبة المشهور الدغباجي
6) الطاهر الحداد صاحب كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي دعا فيه الى ضرورة تحريرة المرأة.
7) هو كتاب «محمد علي الحامي وحوادث الايام» لمحمد علي بلخوجة مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل 1985.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.