ذهاب نهائي ابطال افريقيا.. التشكيلة الاساسية للترجي والاهلي    قريبا: اقتناء 18 عربة قطار جديدة لشبكة تونس البحرية    عاجل/ ضبط 6 عناصر تكفيرية مفتّش عنهم في 4 ولايات    منوبة: الاحتفاظ بصاحب كشك ومزوّده من أجل بيع حلوى تسبّبت في تسمم 11 تلميذا    مديرو بنوك تونسية يعربون عن استعدادهم للمساهمة في تمويل المبادرات التعليمية في تونس    النجم الساحلي يمرّ بصعوبة الى الدور ربع النهائي    اتحاد الفلاحين: ''أسعار أضاحي العيد تُعتبر معقولة''    الهيئة الإدارية للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس تدعو إلى عقد مجلس وطني للمنظمة خلال سبتمبر القادم    الوطن القبلي.. صابة الحبوب تقدر ب 685 ألف قنطار    قريبا.. الحلويات الشعبية بأسعار اقل    تسمّم تلاميذ بالحلوى: الإحتفاظ ببائع فواكه جافّة    افتتاح معرض «تونس الأعماق» للفنان عزالدين البراري...لوحات عن المشاهد والأحياء التونسية والعادات والمناسبات    لتعديل الأخطاء الشائعة في اللغة العربية على لسان العامة    مصر: رفع اسم أبوتريكة من قائمات الإرهاب والمنع من السفر    شبهات فساد: الاحتفاظ بمعتمد وموظف سابق بالستاغ وإطار بنكي في الكاف    سبيطلة : القبض على مجرمين خطيرين    عاجل : مسيرة للمطالبة بإيجاد حلول نهائية للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء    المهرجان الدولي للمشمش بحاجب العيون في دورته الثانية ...مسابقات وندوات وعروض فروسية وفنون شعبية    قراءة في أعمال ومحامل تشكيلية على هامش معرض «عوالم فنون» بصالون الرواق .. لوحات من ارهاصات الروح وفنطازيا الأنامل الساخنة    قابس: نقل 15 من تلاميذ المدرسة الاعدادية ابن رشد بغنوش بعد شعورهم بالاختناق والإغماء    محيط قرقنة مستقبل المرسى (0 2) قرقنة تغادر و«القناوية» باقتدار    فقدان 23 تونسيا شاركو في عملية ''حرقة ''    كرة اليد: الاصابة تحرم النادي الإفريقي من خدمات ركائز الفريق في مواجهة مكارم المهدية    صفاقس اليوم بيع تذاكر لقاء كأس تونس بين ساقية الداير والبنزرتي    عاجل/ القصرين: توقف الدروس بهذا المعهد بعد طعن موظّف بسكّين امام المؤسسة    تحذير: عواصف شمسية قوية قد تضرب الأرض قريبا    المنستير: إحداث أوّل شركة أهليّة محليّة لتنمية الصناعات التقليدية بالجهة في الساحلين    وزارة الصناعة : ضرورة النهوض بالتكنولوجيات المبتكرة لتنويع المزيج الطاقي    مدير عام الغابات: إستراتيجيتنا متكاملة للتّوقي من الحرائق    بنزرت: جلسة عمل حول الاستعدادات للامتحانات الوطنية بأوتيك    تضم منظمات وجمعيات: نحو تأسيس 'جبهة للدفاع عن الديمقراطية' في تونس    الحماية المدنية: 8 وفيّات و 411 مصاب خلال ال 24 ساعة الفارطة    ليبيا: إختفاء نائب بالبرلمان.. والسلطات تحقّق    هذه القنوات التي ستبث مباراة الترجي الرياضي التونسي و الأهلي المصري    والدان يرميان أبنائهما في الشارع!!    ضمّت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرا في السينما العربية في 2023    طقس اليوم: أمطار و الحرارة تصل إلى 41 درجة    ألمانيا: إجلاء المئات في الجنوب الغربي بسبب الفيضانات (فيديو)    قانون الشيك دون رصيد: رئيس الدولة يتّخذ قرارا هاما    إنقاذ طفل من والدته بعد ان كانت تعتزم تخديره لاستخراج أعضاءه وبيعها!!    جرجيس: العثور على سلاح "كلاشنيكوف" وذخيرة بغابة زياتين    5 أعشاب تعمل على تنشيط الدورة الدموية وتجنّب تجلّط الدم    مدرب الاهلي المصري: الترجي تطور كثيرا وننتظر مباراة مثيرة في ظل تقارب مستوى الفريقين    الكاف: انطلاق فعاليات الدورة 34 لمهرجان ميو السنوي    منوبة: إصدار بطاقتي إيداع في حق صاحب مجزرة ومساعده من أجل مخالفة التراتيب الصحية    كاس تونس لكرة القدم - نتائج الدفعة الاولى لمباريات الدور ثمن النهائي    وزير الصحة يؤكد على ضرورة تشجيع اللجوء الى الادوية الجنيسة لتمكين المرضى من النفاذ الى الادوية المبتكرة    نحو 20 بالمائة من المصابين بمرض ارتفاع ضغط الدم يمكنهم العلاج دون الحاجة الى أدوية    تضمّنت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرًا في صناعة السينما العربية    معلم تاريخي يتحول إلى وكر للمنحرفين ما القصة ؟    غدا..دخول المتاحف سيكون مجانا..    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يدعم انتاج الطاقة الشمسية في تونس    منبر الجمعة .. المفسدون في الانترنات؟    ملف الأسبوع...المثقفون في الإسلام.. عفوا يا حضرة المثقف... !    التحدي القاتل.. رقاقة بطاطا حارة تقتل مراهقاً أميركياً    منها الشيا والبطيخ.. 5 بذور للتغلب على حرارة الطقس والوزن الزائد    مفتي الجمهورية : "أضحية العيد سنة مؤكدة لكنها مرتبطة بشرط الاستطاعة"    عاجل: سليم الرياحي على موعد مع التونسيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عنف المجتمع وعنف السّلطة
نشر في الشعب يوم 26 - 05 - 2012

جملة من الدّواعي تحثّ على الكتابة حول العنف. أوّلها أنّ العنف لوحده قادر على تحريك كلّ أشكال التّعبير لمواجهته ونحن في سياق من التّغيير الذي نأمل فيه الوصول إلى حيث تحلّ فاعليّة الفكر محلّ فاعليّة العنف. وليس أقلّ هذه الدّواعي ما حدث يوم خرج أبناء تونس لإحياء ذكرى شهدائهم الذين تركوا لنا رصيدا من الشّرف نباهي به الأمم والشّعوب فجابهتهم آلة البطش المنبعثة من تراث الاستبداد بعد أن خلناها تفكّكت.
وكان المشهد مؤلما لمن ظنّ أنّه بدأ ينعم بالحريّة وكان محرجا لمن ادّعى أنّه يحسن إدارة جهاز القوّة وحفظ هيبة الدّولة دون أن يؤذي أبناء شعبه.
وكانت الخيبة أشدّ وطأة من الألم والحرج معا عندما تكرّر المشهد في ربوع تونس الكادحة ضدّ من طالب بحقّه في الشغل والعيش الكريم. غير أنّ المؤلم والمحرج والمخيّب معا ليس العنف الذي صدر عن جهاز البوليس المهيّأ بطبعه ليكون عنيفا بل الرّوح العدوانيّة التي تقف وراء المظاهر الاستعراضيّة للعنف من خلال مشهدين غير متآونين ولا متطابقين ولكنّ كلاهما يفسّر كليهما لأنّهما على الأرجع يعودان إلى إطار مرجعي واحد: المشهد الذي ظهر لابن ما دون العاشرة من العمر أو يكاد في مدينة قليبية (هذه المدينة السّاحليّة المنفتحة والمقبلة على الحياة بجمالها وتعدّد أعراقها) وهو يعتلي كتفي أحد «المجاهدين ضدّ الكفر» ويساهم بما أوتي من قوّة في حثّ النّاس على التّكبير ليظفر بثواب طرد المفكّر التّونسي يوسف الصّدّيق، والمشهد الذي أمّنه لمتابعي الشّاشة الصّغيرة الوزير المستشار المكلّف بالشّؤون السّياسيّة لدى رئيس الحكومة حين أثبت عدوانيّة فاحشة طالت الجميع في الأستوديو وخارجه، وحتّى من كان ضحيّة سوء تصرّف الحكومة لم يسلم من النّفس العدواني للوزير المستشار ناهيك عن تهكّمه الصّارخ على من تضامن معه من مديري الإذاعات بالاستقالة حينما استعمل تعبيرا شعبويّا لا يطرق آذاننا إلاّ في الأسواق الشّعبيّة أو ما يجاورها. وحيث كان الوزير المستشار يقصي محاوريه ويوجّه لبنات وأبناء تونس مفردات إلزاميّة يتذكّرها كلّ من شاهد حضوره الأخير على قناة «التّونسيّة» فإنّه يستعيض برحابة العقل الكلّي ويتخلّى عن خصائصه لفائدة العقل الجزئي الذي لا يمكنه أن ينتج سوى وجهة نظر جزئيّة لا يمكن أن تكون إلاّ متحيّزة عندما لا يضع في اعتباره أنّ مشروع النّظام المتماسك في اعتقاده يهدّده العنف بعدم التّماسك، لأنّ العنف يعبّر عن الوهن ولأنّ إقصاء محاوريه ونفي قدرتهم على فهم الظّاهرة يعتبر في حدّ ذاته شكلا من أشكال العنف الرّمزي دون إبراز أيّ مظهر استعراضي للعنف بل يصدر عن عدوانيّة مبطّنة بشكل مكثّف. وللإشارة المختصرة فالعدوانيّة هي الفضاء النّفسي والذّهني الذي تنتعش فيها قابليّة الفرد وميله إلى ممارسة العنف وتطوير قدرته على ذلك. لست أكتب تفاعلا مع ما أتاه الوزير المستشار لأنّه من باب المسؤوليّة التي يضطلع بها في حزبه وحكومته وعلى أساس الإطار المرجعي الذي يهتدي به كان يعي ما يقول ويدرك ما يفعل تجاه أبناء شعبه، ولعلّه يعبّر بأكثر ما في البلاغة من بساطة ووضوح عن أنّ عنفه الرّمزي وعدوانيّته السّيكوسياسيّة يستندان إلى أقوى المبرّرات (أقواها لا تعني أصحّها أو أكثرها موضوعيّة أو شرعيّة) حضورا على مرّ التّاريخ لتبرير العنف وهي روح الاستبداد وعقليّة التّحكّم والسّيطرة. ولكنّني أكتب لمن وجد نفسه أمام أنماط عديدة من العنف بعضها يجد مبرّره في مقاومة البطش والاستبداد وبعضها تفاديا لعنف أكثر شدّة وشرّا وبعضها الآخر ينشأ من رحم العدوانيّة والكراهيّة دون أن يجد له أيّ تفسير كما هو حال «طفل قليبية» في تعبير عن البراءة الجائرة على البراءة.
إذا كان العنف هو نتاج المحيط الثّقافي وأقصى شكل من أشكال استخدام القوّة الجسديّة فإنّه يختلف عن ذلك الذي يميّز سلوك الإنسان الذي يناضل ويقاوم ويصارع من أجل أن يعيش في ظروف عاديّة. فهذا الأخير يمكن أن يردّ الفعل بعنف تجاه إثارة مزعجة أو مؤلمة فيأخذ النّضال شكلا هادئا أو عنيفا حسب طبيعة وحجم الفعل القمعي الذي يتعرّض له الإنسان وينفعل به. فالقمع الفكري هو أقوى أشكال انتزاع الحريّة، لذلك فإنّ النّضال من أجل استردادها لا يمكن أن يكون إلاّ عنيفا حتّى يتمكّن من مواجهة عنف القمع والاضطهاد. وهنا يمكن أن تكون ردّة الفعل أعنف من الفعل إذا ما كانت تنشئة الفاعل الاجتماعي في أرضيّة ثقافيّة متطبّعة بردود الفعل العنيفة، لأنّه يمكن أن نرسّخ في الفرد منذ طفولته خاصّيّة الهدوء في التّفاعل مع الأحداث إلى حدّ السّلبيّة وعدم الاكتراث كما يمكن أن نرسّخ فيه خاصيّة الانفعال بشكل تناظري إلى حدّ القيام بفعل عنيف. وهنا يكون للتّنشئة الاجتماعيّة دورا مهمّا في ترسيخ مبدأ التّحكم في الذّات لذلك نأمل في أن يثمر تفاعلنا مع الطّفل في حين لا نأمل في أن يجد صدى عند الوزير المستشار لأنّه صاحب اختيار.
ومع ذلك يأخذ التّفكير حول العنف هيئة تساؤل يبحث في العلاقات والضّوابط والحدود الاجتماعيّة والنّفوذ والعلاقة بالآخر والاختلاف والتّباين... ومن ثمّ فإنّ الإشكال يتمثّل في الدّور الذي يلعبه المجتمع في توليد العنف في الوقت الذي يكون فيه المجتمع في حدّ ذاته هو الهدف الأوّل للعنف وفضاؤه الوحيد. لذلك إمّا أن نعتبر العنف حادثا تاريخيّا لم يكن من المفروض أن يحدث حسب مقتضيات النّظام وبذلك يكون العنف أساسا من أسس القطيعة وأداة من أدوات التّهديد الوظيفي والبنيوي للمجتمع، وإمّا أن نعتبره إحدى مكوّنات العلاقات الاجتماعيّة وبالتّالي هي مسألة متأصّلة في المجتمع. وحينئذ يكون العنف عنصرا من العناصر التّكوينيّة للعلاقات الاجتماعيّة ولكن في جانبها الحادّ. أمّا الارتباط الميداني بما حدث وقد يحدث فيدفعنا إلى إعادة توطين العنف في الممارسة اليوميّة للمجتمع وضمنه يبدو العنف شكلا من أشكال التّعديل المندرج ضمن ممارسات اجتماعيّة مكثّفة ومتكرّرة على مستوى كلّ الحقول الآهلة للفعل مثل الضّبط والرّقابة والتّسلّط والضّغط واحتكار العنف الشّرعي والقمع والسّيطرة من أجل إرساء النّظام والسّرقة من أجل العيش والتّعطيل من أجل التّحكّم... وهذه الوقائع المتباينة من العنف يمكن أن تترجم عن لحظات التّفاوض الحادّ بين الأفراد المعنيّين في نطاق المساهمة التّعديليّة لمنطق القوّة الذي قد تفرضه أحيانا بعض مقاييس الاختلاف أو الأفعال وردود الأفعال. إلاّ أنّ العنف قد لا يبرز دوما في الواقع اليومي للمجتمع لأنّه يوجد ضمن حدود اجتماعيّة مشبعة بالوقائع المرادفة للعنف. وليست المظاهر الحادّة للوقائع المنفلتة من إمكانيّات السّيطرة والتّحكّم والتي تسجّل حضورها على أعمدة الصّحف أو أروقة المحاكم سوى دلالات مهمّة مرشّحة لمزيد فهم نسيج الوقائع العنيفة المحبوكة داخل سياج العلاقات الاجتماعيّة. إنّ العنف بهذا المعنى هو اللّحظة المجتمعيّة التي تُفرض فيها القوّة الماديّة بنفس مستوى القوّة الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة كأساس للتّفاعل.
لذلك نسلّم منذ البداية بما يلي:
لا وجود لقدريّة في العنف منذ لحظة الاجتهاد من أجل تحليل جملة المبرّرات العميقة التي تؤدّي إليه وتنتجه. فهو لا يخرج عن مسؤوليّة السّلطة، ولكن بشكل إجرائي فإنّ كلّ واحد يعتقد أنّه جزء من العمليّة الأمنيّة عن طريق موقفه من الآخرين واحترامه لهم.
تبقى الاستجابة للعنف دوما مجتمعيّة خاصّة في وضعها موضع المناورة التي تهمّ كلّ أفراد المجتمع في تصريف شؤونهم حينما تستحيل عليهم أساليب المناورة الهادئة.
الفعل العنيف تفرضه حالة المرور من لحظة المشاركة الاجتماعيّة والسّياسيّة إلى لحظة الإقصاء والتّسلّط وامتلاك النّفوذ ومصادرة الحق في المشاركة.
إنّ دور الدّولة في عمليّة المرور تلك ليس مختلفا عن دور الأفراد والعناصر الأخرى. وهذا يبدو من خلال السّياسة العامّة أو من خلال استعمال أدوات الضّبط الطّارئة.
إذا كانت بعض حالات العنف يمكن أن تبدو شرعيّة فذلك لأنّها تضمن بعض الخصوصيّات الاستثنائيّة ولأنّها تهدف إلى نفي عنف آخر من أجل إرساء نظام سياسيّ. لهذا السّبب فإنّ ظهور العنف في الحقل الاجتماعي والسّياسي هو نتيجة التّعسّف في استعمال السّلطة بقدر ما هو نتيجة إفلاسها. فالعنف ليس الشّكل الأقصى لممارسة السّلطة ولكنّه الدّليل على وهنها وتلاشيها. وهو يترجم عموما رفضها أكثر من السّعي إلى تأسيسها بشكل شرعيّ. وفي المقابل فإنّ اعتبار النّظام السّياسي في نطاق الدّولة ليس سوى نمطا من أنماط تنظيم العنف الشّرعي استنادا إلى الفهم الفيبري المتداول في الأوساط المعرفيّة. فهذا يعني في النّهاية رفض كلّ تفكير في النّظام السّياسي واختزال العامل الاجتماعي في مجرّد برمجيّات سلوكيّة ترفض كلّ إمكانيّات التّفاعل. هنا تكمن الدّلالة الحقيقيّة لأشكال النّفوذ الجديدة، تلك التي لا تؤدّي فقط إلى تغيير وضع شخص ما أو مجموعة ما ولكن تؤدّي كذلك إلى تغيير أساسي في الجرعة التي تتكوّن من خليط العنف والثّروة والمعرفة، هذا المزيج الذي يوظّفه الأسياد ليبقوا أسيادا.
يمكن أن نلخّص النّقاش السّائد حول الأشكال الجديدة للعنف السّياسي أو الاجتماعي في المزاوجة بين الأطروحة المنتصرة لقراءة العنف باعتباره نتيجة لنمط المراكمة الاقتصاديّة بالنّسبة إلى أطراف المعركة، والأطروحة التي تقرأ العنف في علاقة بما يدور حول رهانات السّلطة. إنّه المظهر السّياسي والاجتماعي الذي يحجب المظهر الاقتصادي لأنشطة المشاركين في هذا النّوع من العنف بدءا بالأسباب حتّى النّتائج . فمن الممكن أن نميّز داخل كلّ مجتمع بين نوعين أساسيّين من العنف الجماعي: العنف الذي يتمظهر داخل الفضاء الثّقافي، والعنف الذي يأخذ شكل الصّراع من أجل السّلطة. وهما يولّدان مواجهات علنيّة أو خفيّة بين الجماعات والبنيات وكذلك المؤسّسات. هذه المواجهات يمكن أن تعكس تغاير المصالح ولكنّها تخفي باستمرار قضيّة أساسيّة وهي قضيّة التّنافس بين الأطراف المتصارعة من أجل الهيمنة أو الإرادة التي تبديها أطراف أخرى لمقاومة ظاهرة الهيمنة والسّيطرة من أجل الحفاظ على استقلاليّتها وحرّيتها. والصّراع من أجل السّلطة يدور أيضا داخل المجال الثّقافي والإيديولوجي، ولكن هذه المواجهة الثّقافيّة ليست سوى مظهر من مظاهر نزاع أوسع تمثّل السّيطرة الاقتصاديّة والسّياسيّة رهانه الأكبر بقدر ما هو سيطرة على البشر والموارد. فالصّراع من أجل السّلطة يضع موضع الرّهان منظّمات ومؤسّسات سياسيّة متنافسة تتوزّع بين معسكر الحكومة ومعسكر المعارضة، وقد تنشط هذه التّكوينات إيديولوجيّا بشكل يعبّر عن الصّراع الإيديولوجي ولكن الاختلافات الفكريّة ليست هي السّبب الأساسي في المواجهة بل إنّ المصالح الماديّة هي المتحكّم في هذه الرّهانات والاختلافات.
إنّ كثافة العنف في كلّ أرجاء البلاد يجب أن تكون منطلقا للتّأمّل العميق في المعنى الأصلي للسّياسة وفي معنى الرّغبة في الحياة الجماعيّة (هذه الرّغبة الصّعبة ولكنّها الأكثر تجسيدا على مستوى الواقع) باعتبارها تمثّل أكثر الخصائص الإنسانيّة تعبيرا عن التّاريخ الإنساني. تأمّل يدعونا إلى التّمييز النّقدي بين معاني العنف والسّلطة والقوّة والسّياسة والدّولة وكذلك القانون من أجل إيجاد دلالات واضحة ومميّزة بقدر المستطاع. وتأمّل يمكّننا من التّمييز بين النّسق المفتوح الذي يضمن استقلال عناصره التّكوينيّة عن العناصر المكوّنة للأنساق الأخرى بقدر ما يفرض تبعيّتها المتبادلة وترابطها الوظيفي، وبين النّسق المغلق الذي يعزل عناصره عن المحيط الخارجي وعن التّأثيرات الإيجابيّة التي تساهم في تشكيل مظاهر التّغيير ويختزلها في رهانات تخصّ مكوّناته الدّاخليّة. ومن خلال ذلك يدرجها في مسار من فقدان المعايير والتّوازنات فيصبح هذا النّسق المغلق هو الإطار الموضوعي لإنتاج العنف وإعادة إنتاجه. علينا أن نتذكّر أنّ المجتمع هو نسق من الوظائف المادّية بكلّ أبعادها والرّمزيّة بكلّ مضامينها، فإذا تعطّلت هذه الوظائف فإنّ المجتمع يلتجئ إلى إفراز آليّات اشتغال موازية أو بديلة، والمهمّ أنّها في كلتا الحالتين تتميّز بكونها لا معياريّة يمكن أن يمثّل العنف محصّلتها الأكثر تجسيدا في الواقع.
مبدئيّا يمكن الإقرار بأنّ العنف هو شكل موجّه من أشكال ممارسة القوّة الجسديّة وهو أمر يعود إلى شعور بالقمع ومرتبط بظروف محيطيّة وبيئيّة تترجمها مظاهر البؤس والكثافة السّكّانيّة والفقر والتّفاوت الاجتماعي والنّزاعات الإيديولوجيّة والفكريّة. في سياق ذلك فإنّ العنف البشري هو موقف يتميّز بممارسة القوّة الجسديّة ضدّ أشخاص أو أشياء بغاية الأذيّة، ويمكن أن نستخلص ثلاث مكوّنات لهذه الظّاهرة:
المحيط الآهل بالظّاهرة والذي يتضمّن مجموعة العوامل الإقتصاديّة والإيديولوجيّة والسّياسيّة والعائليّة التي تمارس تأثيرا على الفرد وترسّخ فيه الاستعدادات الأوّليّة للعنف.
الاستعدادات الشّخصيّة والذّهنيّة للتّعامل مع المعلومات عن طريق مسالك الاستيعاب وتأويلها عبر ميكانيزمات ذهنيّة تصل الانفعال بالسّلوك وتجعل الثّاني يتأثّر بالأوّل ويتطبّع به، وبذلك يكون السّلوك عنيفا وعدوانيّا بقدر ما يكون الانفعال حادّا ومرتبطا بالانعكاس الشّرطي .
تشكّل ردود الأفعال الفرديّة والجماعيّة التي تكوّن المظهر الحسّي للعنف وتميّزه عن شكله الرّمزي والصّامت، باعتبار أنّ هناك عديد الأنماط من العنف غير المرئيّة.
هل يمكن للنّموّ الإقتصادي أن يتجاوز فعاليّاته المنتجة للعنف ويحوّلها إلى آليّات إجماع بدل نزاع؟
باعتبار أنّ الواقع الاقتصادي هو عامل تفاوت وتمييز فإنّ النّمو يمكن أن يولّد العنف عن طريق حالة اللاّتمفصل التي يخلقها بين التّطوّر الاقتصادي والبناء الاجتماعي وطبيعة المؤسّسات السّياسيّة. فعندما لا تكون الأخيرة مهيّأة للتّوافق مع علاقات السّلطة المنخرطة في الواقع الإجتماعي والاقتصادي الجديد، فإنّ العنف الجماعي يتدخّل لتغيير المؤسّسات بالقوّة وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بالدّور التّعديلي للعنف.
يؤدّي النّموّ الاقتصادي اللاّمتكافي إلى تفكّك المجتمع بشكل يخضع السّلطة السّياسيّة إلى ضغط متصاعد ويجعل شرعيّتها محلّ شكّ. وفي هذا السّياق فإنّ ردود الفعل الاجتماعيّة على الآثار السّلبيّة للاقتصاد ليس لها نفس الأسباب التي تخصّ ردود الفعل السّياسيّة. فالمقاومة الاجتماعيّة هي نتيجة القطيعة التي تحصل بين النّظام السّوسيو- اقتصادي القديم ونظيره الجديد، في حين أنّ الاعتراض السّياسي يندرج ضمن مسار الانعكاس المباشر لتلك القطيعة. والأكيد أنّ هذا الاحتجاج السّياسي لا يكون ممكنا دون تعبئة اجتماعية محدّدة بالتّطوّر الاقتصادي وولادة قيم مرتبطة به. حينئذ لا يكفي تفكيك السّلطة لتحقيق عمليّة استفاقة، فنحن نعرف عديد الأنظمة العاجزة تماما ولكنّها موجودة باستمرار لزمن طويل وذلك لأنّه لم يوجد من يقيم الدّليل على عجزها وفشلها. هكذا يبدو أنّ المسكوت عنه في أسباب العنف الذي لا يزال يعيشه “مجتمع الثّورة” في تونس يعود إمّا إلى الطّلاق بين التّصوّر السّوسيو-اقتصادي والسّلطة السّياسيّة التي لم تعد تعبّر عن المجتمع ولا تعكس تطلّعاته وإمّا إلى تقسيم السّلطة بشكل غير عادل وفق مقاربة كلّيانية تضمن الاحتكار المطلق للنّفوذ المالي والسّياسي من طرف فئة ضيّقة على حساب أغلب فئات المجتمع. وهي مقاربة مدعومة بفلسفة إلغاء كلّ شروط التّمتّع بالحق في ممارسة الاعتراض العمومي. وهذا ما أنتج لنا قاموسا جديدا تُستعمل فيه عبارات مثل «المؤامرة على الحكومة» أو «تعطيل المصلحة الوطنيّة» أو «الانقلاب على الثّورة» وقد تصل في بعض التّصريحات إلى التّخوين والوصم باللاّوطنيّة. وهذا يعني أنّ العنف الصّاخب ولو في شكله الجماعي يبقى عاجزا وضعيفا، لأنّ العنف السّائد في مثل هذه الحالة هو العنف المضاد أو العنف الاستباقي الذي تمارسه الحكومة على خلفيّة ماكيافيليّة تجعل السّياسة هي الفضاء المناسب لكي يمارس الأمير حيلته على الجميع.
بتفسيرنا لأطروحة التّفاوت أو النّتائج المفارقة نجد أنّ التّعبئة الاجتماعيّة هي عامل من عوامل عدم الثّبات الأكثر فاعليّة من التّنمية الاقتصاديّة. التّحضّر والتّعليم والوسائط تعرّض الإنسان التّقليدي إلى أشكال جديدة للحياة وتصوّر جديد للرّخاء وإمكانيّات جديدة للإشباع. ومن جهتها فإنّ هذه القيم تقطع حواجز الثّقافة التّقليديّة فيما يتعلّق بالمعرفة والمواقف وتحمل التّطلّعات والحاجيات إلى مستويات جديدة. ولكن باعتبار أنّ الطّاقة التي يمتلكها المجتمع الانتقالي لإشباع تطلّعاته تتطوّر ببطء كبير فإنّ المفارقة تنمو بين التّطلّعات والانتظارات وبين تكوين الحاجيات وإمكانيّة إشباعها، وكذلك بين وظيفة التّطلّعات ومستوى الحياة. هذه المفارقة تستدعي الإحساس بالقمع وعدم الإشباع على المستوى الاجتماعي، وهو واقع يمكن توظيفه لتفعيل الاعتراض العمومي على النّظام واستثماره من أجل الرّفع من نسق التّعبئة والمشاركة السّياسيّة بغرض تحقيق الأهداف المرسومة. وفي ظلّ غياب المؤسّسات السّياسيّة المؤهّلة والمتخصّصة يصبح من الصّعب، إن لم يكن مستحيلا، التّعبير عن هذه الأهداف بالطّرق المشروعة وتعديلها وتجميعها داخل النّسق السّياسي. وحينئذ فإنّ تكثيف المشاركة في الحياة السّياسيّة يؤدّي إلى عدم الاستقرار والعنف السّياسي ولكنّه في صيغة عنف مضاد للعنف الذي يمارسه النّسق في نطاق وظيفة الإقصاء التي تنبع من الكلّيانيّة السّياسيّة للنّظام القائم . ولذلك تبرز تبريرات العنف السّياسي من صلب الهيمنة الكلّيانيّة التي يتّسم بها النّسق السّياسي ويؤدّي إلى ممارسة الإقصاء بشكل مسبق وهو ما يمكن أن نسمّيه بكلّيانيّة الإقصاء النّسقي المهيّأة لإعادة إنتاج القمع النّسقي على مستوى الكلّيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة. وهذا ما نسمّيه بعنف السّلطة في الأنساق السّياسيّة المنتجة للعنف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.