لسبب من الأسباب، تحولت نكسة 5 جوان 1967 الى ذكرى عربية للبكاء والرثاء والصدمة النفسية.. ولسبب من الأسباب أيضا أصبح فعل التذكر استبطانا لهزيمة ذهنية ودافعا نحو مزيد من التقهقر والذوبان.. ولسبب من الأسباب أيضا، اصبحت اسرائيل المستفيدة الوحيدة من الاستذكار السلبي المكبل للارادات.. والذي تحول الى ذريعة أولى وأساسية يتحجّج بها النظام العربي للتمسك بملف المفاوضات مع تل أبيب ولاستبعاد أي كفاح مسلح نظاميا كان أم حركيا ضد اسرائيل . العجيب في هذا السياق، أن الهزيمة التي منيت بها ثلاثة جيوش عربية سرعان ما اختير لها من المصطلحات السياسية ما يعبر ليس فقط عن خيبة الأمال المعلقة على تلك الحرب وانما أيضا عن الهلع المستبد بالنفوس من نكسة أخرى تأتي بعد نكسة 1967.. وهو في تقديرنا كان كفيلا بتحويل الخوف الذي كان يتملك الصهاينة من المستقبل الى الأنظمة العربية وخاصة منها تلك الموجودة على خط التماس لفلسطين المحتلة.. . بهذا المعنى تتحول الذكرى، ليس فقط الى مقبرة لارادة المقاومة والنضال ومقصلة للتواصل الفكري والثقافي مع الجيل الأول للمقاومين وانما أيضا الى تجاوز علني واقصاء ارادي لمحطات مضيئة في الحركة النضالية العربية.. بهذا المعنى، نقفز على معركة الكرامة في 1968 والتي حال خلالها الجيش الأردني رفقة قوات من المقاومة الفلسطينية دون احتلال الجيش الصهيوني الضفة الشرقية لنهر الأردن بل وأجبره على الانسحاب من أرض المعركة تاركا وراءه ولأول مرة قتلاه وعتاده الحربي، ونتجاوز أيضا حرب الاستنزاف (1967 - 1970) التي برهنت فيها الارادة العربية قدرتها على التصدي الى اسرائيل وتكبيدها خسائر جمة.. ونسقط من الذاكرة أيضا حرب أكتوبر 1973 وصمود المقاومة الفلسطينية في 1982 والمعارك الضارية التي خاضتها المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل منذ 1982 الى 2000 والتي انتهت حسب المصادر الاسرائيلية الى سقوط أكثر من 1200 جندي صهيوني اضافة الى التحرير.. ونمحي من أرشيفنا بطولات المقاومة الفلسطينية والعراقية. أكثر الأخطار فداحة كامن في تحويل وجهة هزيمة 1967 من خطإ في التقدير الحربي الى كارثة تطال السياسي والثقافي والاستراتيجي والاقتصادي والاجتماعي والذهني.. بل وحتى المشاريع والقيادات القومية المخلصة والوفية والشريفة دون النظر الى سياقها السياسي الذي تنزلت فيه ودون الالتفات الى المحطات المنيرة التي تلتها.. ان كان من المفروض على هذه الأمة أن تتذكر النكسة.. فلتتذكر نكسات أعدائها الصهاينة في جنين وأم الفحم والخليل وقطاع غزة وفي مارون الراس وبنت جبيل.. ولتتذكر نكسات الأمريكان في الفيتنام والعراق وأفغانستان.. وان كان من الحتمي عليها أن تتذكر «النكسة».. فلتستعرض بطولات وملاحم المقاومة واحدة واحدة.. ولتترك ل«المنكوسين» الحق في النحيب ك«النساء» على أرض لم يدافعوا عنها دفاع الرجال..