توجه الرئيس زين العابدين بن علي الى المنتدى الذي ينظمه البنك الافريقي للتنمية بمناسبة الاحتفال بالذكرى الاربعين لتأسيسه بكلمة ألقاها بالنيابة عن سيادته السيد محمد الغنوشي الوزير الأول. وفي ما يلي نص هذه الكلمة: «يسعدني ان أرحب بكم في بلدكم الثاني تونس متمنيا لكم طيب الاقامة بيننا ولاعمال هذا الملتقى كل النجاح. وأتوجه الى السيد عبر قباج رئيس البنك الافريقي للتنمية والى كافة اعضاده بأخلص التهاني بمناسبة الاحتفال بالذكرى الاربعين لتأسيس البنك مشيدا بجهودهم المتواصلة في خدمة هذه المؤسسة العريقة. مضت أربعون سنة على انشاء البنك الافريقي للتنمية ساهم خلالها بنجاعة في تمويل المشاريع التنموية بقارتنا وفي ايجاد الحلول المناسبة لمتطلبات التنمية المستديمة في بلداننا. ولا يفوتني بهذه المناسبة ان اجدد حرص تونس الدائم على توفير الظروف الملائمة لتمكين البنك من الاضطلاع بمهامه على أحسن وجه. وان ما يشهده عالمنا اليوم من تطورات متسارعة يحتم علينا مزيد العمل من اجل تمكين قارتنا من مواكبة هذه التحولات والالتحاق بمصاف الدول المتقدمة وتحقيق التنمية المستديمة ولا شك ان عولمة الاقتصاد تمثل العنصر الابرز في هذه التحولات مما يقتضي مزيد الاهتمام بقضايا التنمية ورفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها وفي مقدمتها انتشار الفقر والبطالة والاوبئة لذلك دعونا عبر مبادرتنا الرامية الى احداث الصندوق العالمي للتضامن والتي حظيت بتأييد المجتمع الدولي الى تأسيس عالم اكثر عدلا وتوازنا تضطلع فيه المجموعة الدولية بدور فاعل في استئصال آفة الفقر والقضاء على مظاهر البؤس والحرمان حتى نتمكن من فتح آفاق جديدة أمام شعوبنا. وأود في هذا السياق ان أعرب عن ارتياحنا للنتائج التي توصل اليها المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الافريقي حول التشغيل ومكافحة الفقر الذي التأم مؤخرا بوقادوقو ببوركينافاسو ونحن واثقون بأن خطة العمل التي انبثقت عن هذا الاجتماع ستسهم بدون شك في معالجة موضوع التشغيل الذي أصبح من أهم رهانات المستقبل بالنسبةالى دولنا. كما تعد قضية المديونية من أكبر العوائق لمسيرتنا التنموية وكنا دعونا في هذا السياق الدول المانحة الى الغاء هذه الديون او رسكلتها في مشاريع بيئية وتنموية. وان اتساع الفجوة الرقمية يحتم علينا كذلك مواكبة ثورة المعلومات والاتصالات وفي هذا الاطار كنا قد دعونا الى عقد قمة عالمية حول مجتمع المعلومات التي سيكون لتونس شرف احتضان مرحلتها الثانية من 16 الى 18 نوفمبر 2005 وستكون هذه القمة فرصة سانحة لاتخاذ موقف موحد لقارتنا في هذا المجال واقرار التدابير المناسبة لتقليص الهوة الرقمية. وتبقى كل الجهود التنموية في قارتنا رهينة تجاوز حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطقها فنحن مدعوون اليوم انطلاقا من قناعتنا الراسخة بالترابط الوثيق بين الاستقرار والتنمية الى معالجة أسباب التوتر والنزاعات التي تؤدي قطعا الى استنزاف مواردنا وهدر طاقاتنا التي يجدر بنا توظيفها التوظيف الامثل في خدمة قضايانا التنموية. وتعتبر الشراكة الجديدة لتنمية افريقيا (نيباد) في هذا الاطار برنامجا اقتصاديا شاملا يقوم على شراكة حقيقية مع سائر بلدان المعمورة قوامها المصلحة المشتركة والمبادلات المتكافئة والعادلة واذ ننوه بما قدمه البنك الافريقي للتنمية من خدمات في هذا المجال فاننا ندعوه الى مواصلة دراسة المشاريع التي أوكلت اليه والنظر في امكانية توفير الاعتمادات اللازمة لتنفيذها. لقد اعتمدنا في تونس منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 مقاربة شاملة قائمة على التوازن بين الابعاد الاقتصادية والاجتماعية للتنمية ومن مميزات المنوال التونسي انه لم يجعل من تحرير الاقتصاد وتفتحه الكامل على الخارج غاية في حد ذاتها بل وسيلة لضمان تنمية عادلة تمتد الى كل الفئات والجهات وتعتبر الانجازات التي تحققت في بلادنا خير شاهد على الاشواط التي تم قطعها في اتجاه دعم المجتمع الوسط وتأمين الرفاهية والعيش الكريم لكل التونسيين والتونسيات. كما اعتمدنا منهجا اقتصاديا قادرا على المنافسة والانفتاح على الاسواق الخارجية تستجيب لمتطلبات العولمة والتفاعل مع الاقتصاد العالمي ومسايرة نسقه. وقد مثل التضامن الوطني في تونس اساس العلاقة الوثيقة بين الافراد والمجموعات في تجاوز العمل الخيري والتآزر العابر ليصبح احد مقومات مجتمعنا وعنصرا ثابتا في سياستنا وقد سعينا الى وضع الآليات الكفيلة بتجسيد قيم التضامن وفي مقدمتها صندوق التضامن الوطني 26/26 والبنك التونسي للتضامن كما اعتبرنا التشغيل مقوما أساسيا لتحقيق كرامة الفرد واستقرار المجتمع ويشكل احداثنا الصندوق الوطني للتشغيل 21/21 أهم الآليات لتحقيق هذه الغاية النبيلة. وقد راهنا كذلك على قطاعات التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي لاثراء التنمية البشرية والاخذ بأسباب الحداثة والتقدم وكان الانخراط في مجتمع المعلومات توجها جوهريا في خياراتنا الاستراتيجية عملنا على تكريسه في اطار مقاربة شاملة تتكامل فيها مختلف الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ان التحديات المطروحة اليوم لتحقيق التنمية الشاملة والمستديمة عديدة والطريق امامنا ما تزال محفوفة بالمصاعب والمخاطر واعتقادنا اننا قادرون على تذليلها تدريجيا اعتمادا على ما يتوفر لدينا من طاقات وامكانيات واعدة في اطار العمل الجماعي وبفضل ما تتيحه الآليات والهياكل الافريقية والدولية المتخصصة في مجال التنمية. واننا واثقون بأن البنك الافريقي للتنمية سيواصل تمويله للمشاريع التنموية المشتركة وتسخير كل الطاقات والامكانيات المتاحة لتعزيز المسيرة التنموية في بلداننا وتوفير مقومات العيش الكريم لشعوبنا في كنف الامن والسلام والازدهار والتضامن. وتبقى تونس على استعداد لوضع تجربتها التنموية على ذمة الاشقاء الافارقة سواء في إطار الاتحاد الافريقي او برامج الشراكة الجديدة لتنمية افريقيا او في نطاق التعاون الفني والتعاون جنوب / جنوب. وفي الختام أتوجه مجددا بأصدق عبارات الشكر للبنك الافريقي للتنمية على الفرصة التي يتيحها لنا للنظر مجددا في قضايا التنمية في قارتنا كما أعرب عن بالغ تقديري لكل الاطراف المتدخلة في هذا المجال وما تبذله من جهود قيمة لتحقيق التقدم والنمو في كافة ربوع أقطارنا.