نقلت جريدة «الشروق» الغراء في عددها الصادر بتاريخ 04122004 خبرا سياسيا هاما مفاده ان النائب العمالي البريطاني «جورج غالاوي» كسب دعوى قضائية ضد صحيفة «ديلي تلغراف» التي كانت قد ادعت قبل اشهر مضت ان هذا النائب المحترم تلقى اموالا من القيادة العراقية السابقة غداة حكم الرئيس صدّام حسين جزاء مواقفه الشجاعة المناهضة للحصار الظالم المفروض على الشعب العراقي الشقيق منذ 1990 الى حين اندلاع الحرب الاخيرة المدمّرة والاطاحة بنظامه الشرعي في افريل 2003 . والحق اني لستُ في حاجة للتذكير بعلوية القانون ولا بمبدإ الفصل بين السلطات او بالمرجعيات السياسية في بلد عريق تمتد جذور ثوراته الى الثائر السياسي «اوليفركرومويل» Cromwell الذي ثار على الجيوش الملكية والبرلمان وانشأ لاول مرة الجمهورية في انقلترا سنة 1648م والثورة الانقليزية الثانية سنة 1688م التي كان نتيجتها اعلان الحقوق وهو اساس الملكية الدستورية الانقليزية بتوجهها الديمقراطي الحالي، فلا عجب اذن عندما اعتبر قاضي المحكمة العليا مزاعم الصحيفة المذكورة اعلاه تشهيرا حقيقيا تسيء الى سمعة النائب الفحل الذي حكمت المحكمة لفائدته بتعويض مالي مع حمل جميع مصاريف التقاضي عليه والمقدّرة بآلاف الجنيهات الاسترلينية كذلك الشأن بالنسبة لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الامريكية التي زعمت هي الاخرى ان هذا النائب البريطاني قد حصل على اموال من القيادة العراقية السابقة، فانبرى الرجل مدافعا عن نفسه وشرف مواقفه لائذا بالقانون لا غير الذي برّأ ساحته من التهمة الملفقة وحصوله على تعويض لم يعرف بعد. فعلى قدر أهمية هذه الواجهة الحقوقية والمواجهة القضائية التي كسب رهانها «جورج غالاوي» تبدو الواجهة النضالية الانسانية اجدى وأهم حيث باتت مواقفه الباسلة في مجلس العموم البريطاني المناهضة لحصار الإبادة الجماعية للشعب العراقي الأبي على امتداد عشرية كاملة وزيادة نقطة مضيئة ساطعة ابهرت الانصار والخصوم على السواء وقد صار من اشدّ معارضي «طوني بلير» برفضه لسياسته العدوانية تجاه شعب اعزل وبريء من خرافة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل بشهادة ألمع خبراء التفتيش قساوة وشدة وفطنة وأعتى وأحدث الادوات والوسائل كشفا وتحديدا للمختبرات والمواقع، ثم قراره بالانسحاب نهائيا من حزب العمال الحاكم برئاسة هذا الاخير. فما اظن ان عربيا واحدا من المحيط الى الخليج ينسى او يتناسى هذا الرجل الشهم المنافح بصدق وحماس وتحدّ احيانا عن مظلمة العراق الشقيق لكسر الحصار المفروض عليه عنوة وقتئذ وعزمه الراسخ على قيادة قافلة محمّلة بأطنان الأدوية صحبة شخصيات غاضبة من لندن الى بغداد غير ان العراقيل الامريكية والبريطانية وقتها اجهضت مشروع اول رحلة جوية من هذا النوع منذ سريان مفعول العقوبات الاممية ومع ذلك يبقى الرجل رجل المواقف الانسانية بلا منازع وقد بذل قصارى الجهد للتخفيف من معاناة العراقيين الاشاوس الذين عرفوا ابشع جرائم الحروب البشرية طوال تاريخهم المفعم بالتحديات الزاخر بالمظالم النوعية من «هولاكو» الى «تيمور الأعرج» الى دعاة الاحادية القطبية وديناصورات العصر. ألم يدفع اخوتنا ببلاد الرافدين ضريبة ضحايا الحصار مليون و250 الفا نصفهم اطفال؟ ألم يمتْ 108 بين كل الف مولود جديد لأسباب متعددة اهمها سوء التغذية وتدهور صحة الامهات إبان الحصار الملعون؟؟ من اجل هذا وذاك ارتأيتُ مخلصا انصاف النائب الفذّ الجليل «جورج غالاوي» لبلائه الحسن، وحسه الانساني الرفيع ومواقفه المناصرة والجريئة دفاعا عن احدى مظالم القرن والساعة تنامت احداثها جساما فتسارعت وتعقدت ثم انجبت حربا بل حروبا طاحنة ومدمّرة مازالت تشغل العالم وتعصف بالرؤوس والرموز الى غاية الصحوة الكبرى التي قد تأتي ولا تأتي بسبب الحسابات الدولية الضيّقة والمطامع الرخيصة لعولمة طاغية شرسة متكالبة جائعة بعيدة كل البعد عن فلسفة القيم وسعادة الانسان المطلق الهادفة الى ارساء معاني العدل والسلم والمساواة بين شعوب المعمورة قاطبة دون صلف او ميْز او دلال سياسي مقيت.