دعيت مؤخرا للمشاركة في أمسية أدبية في عاصمة الأنوار باريس احتفاء بشاعر «إرادة الحياة» أبو القاسم الشابي. الدعوة كانت من معهد الفنون والآداب العربية هذه المؤسسة التي يديرها الأستاذ أسامة خليل وتحاول منذ ثماني سنوات تقديم الثقافة العربية في وجهها النيّر إلى الفرنسيين وتنظيم حوار عربي أوروبي في زمن اشتدت فيه الحملة على العرب وجودا وثقافة. في باريس وجدت نفسي محاطا بجمهور عربي أغلبه من الشباب الذين يدرسون في الجامعات الفرنسية وبعض الأوروبيين المهتمين بالثقافة العربية وعدد من المبدعين العرب المقيمين في باريس قدم الدكتور محمود العزب من مصر محاضرة رائعة عن التأثير أبو القاسم الشابي في تحديث القصيدة العربية وتحدثت عن الشعر التونسي بعد الشابي ومختلف مساراته نفسي أرحل عبر أصواتهم من قلب الحي اللاتيني الذي كنا فيه إلى قلب المدينة العتيقة التي احتضنت اسم الشابي وعذاباته وأحزانه... هل كان ذلك الشاب الحالم الحزين الذي أراد بمحاضرته العظيمة أن يحرك سواكن الثقافة العربية الراكدة يتصور أو يحلم مجرد الحلم أنه سيأتي يوم يدخل فيه باريس عبر أجيال أخرى بعد سبعين عاما من رحيله؟ كيف استطاع ذلك الشاب الحالم الذي لم يجد من اللغات إلا لغته الأم أن يصل بقصائده الى جنسيات أخرى بعيدة عنا في اللغة والجغرافيا والثقافة والتاريخ؟ إنها عبقرية الشابي التي لم تدرك إلا بعد موته بسنين ألم تصدر مجموعته الشعرية «أغاني الحياة» بعد أكثر من عشرين عاما من وفاته؟!