سال حبر كثير حول ما جرى في اجتماع المجلس الثوري لحركة «فتح» خاصة لأنه انتهى بالتراشق بالأقلام والمكروفون بين الرئيس عرفات ومستشاره الأمني نصر يوسف.. والواقع أنه كان بالامكان توفير كل هذا الحبر لسببين أولهما : ان الاقلام والمكروفون هي أيضا وسائل تعبير.. دامغة بالفعل في هذه الحالة.. والسبب الثاني هوان الاجتماعات العربية بشكل عام وتقليدي فيها بوس كثير أكثر من أفلام الحب في السبعينات.. ولكن ذاك البوس الملوّن وضع للصور ولاستهلاك العام لأن البوس يغطي العضّ في الجلسات المغلقة.. وهي مغلقة علينا نحن أبناء الشارع العربي.. أما الآخرون وأنتم تعرفون من هم الآخرون فإنهم حصلون على نقل حصري وفوري وحي لوقائع الجلسات السرية.. وإذا فاتهم حرف هناك من الحضور من يكلف نفسه عناء تدارك الخلل. ذات مرّة.. وقبل انطلاق الحرب الأولى على العراق.. وفي قمّة ستعيّرنا بها الأجيال القادمة كانت هناك كاميرا.. بعد الحرب قامت قناة عربية ببث برنامج أعدته قناة انقليزية حيث عرض ما جرى.. ومن سمع ليس كمن رأى.. يا اللّه. أمّة تباع وتشترى على طرف الحذاء.. وبعدها مرّ ماء كثير في نهري دجلة والفرات.. ماء أحمر.. وعاودنا التجربة في قمّة لبنان عندما حدث تشابك مباشر في الافتتاح بين قائدين عربيين.. ومرّت الزّوبعة بسلام.. دون أن يحصل العرب على السلام رغم آيات الاستسلام.. وبعدها مرّت أساطيل عملاقة في مياه العرب.. وسقطت دولة عربية أخرى تحت الاحتلال.. تفتّت العرب الى جزئيات غبارية لا وزن لها وأصيبت الجامعة بالسّكتة.. سكتة قلبية.. سكتة دماغية وعجز لسانها عن نطق الشهادة.. حتّى الحزن لم يجمعنا.. ومرّ ماء كثير تحت أرجلنا.. مشاريع تطبخ تحت سماء أخرى صباحا لنتناولها نحن مساء.. قالوا لنا العرب في حاجة الى حمية سياسية.. الاهتزاز الارتدادي لزلزال العراق فتح شهية الامبراطور فارتعشت الكراسي.. وكان هذا المشروع الناسف مثل النفخ في الصور يوقظ الأموات.. وفجأة عادت الحركة تدبّ في الجسم المحنّط.. قمّة.. لا بدّ من قمّة لإنقاذ ما يمكن انقاذه.. والجدول وضع تونس لاحتضانها.. وتونس التي كان لها شرف عدم المشاركة في القمّة التي فتحت باب جهنّم على العرب حريصة على ألاّ تكون قمّة الفرصة الأخيرة على أرضها فاشلة.. هذا حقها وهو حق اكتسبته بحصافة رؤيتها وهذا ما أكدته الأيام الحزينة التي مرّت على العرب.. تونس تريد أن يكون البيان الختامي للقمة على أرضها بيان الانبعاث وعودة الروح والاخوة الصادقة.. وليس اعلان وفاة لشيء اسمه جامعة العرب.