الحمار فوق السطح بقلم الأستاذ : جمال الدين بوغلاّب لأن القاصد مُجاب، والمقصود ملزم كان لزاما عليّ أن أخوض في المسألة سألني أحدهم حول جواز الأخذ بشهادة الحمار، فلما أنكرت عليه ما سأل انتفض رفيقي وذكّرني بالتاريخ، وقال : يُروى انه في العصر العباسي كان أحد المجّان بمكة يجتمع اليه رهط للسهر والمجون ولم يقم دليل ولا قرينة على فعلته. ولما أحكم عليه الخناق وواجهه القاضي بفعل الفسّاق، طلبت الشهادة ولما أعدمت من الآدميين تقدّم أحد الذين أقاموا دعواهم واقترح أن تؤخذ حمير مجّان مكة في الليل وتطلق ثم تتم متابعتها ويُنظر وجهتها فإن ذهبت وحدها للمكان فقد قامت بالقرينة على الجريمة. وفعلا وافق القاضي وأطلقت حمير المجّان فذهبت الى مكان الرجل من تلقائها وثبّتت عليه والحالة تلك الادانة وصدر الحكم بإقامة الحد... وجيئ به أمام القاضي وصار رجال ديوانه يضربونه وهو يضحك! فتعجّب القاضي من ضحكه وسأل عن السبب؟ فقال : ما أضحكك؟ فقال الماجن : ما ضحكت من الجلد وا&. ولكن من أهل العراق غدا يقولون إن قاضي مكة أخذ بشهادة الحمير. فضحك القاضي وأمر بإطلاقه، وقال : احفظها ولا تسمع الخبر لأحد. خلص الرجل من الرواية وأجهش بالبكاء فلمّا أنكرت عليه ما يفعل. عقف أنفه وزم شاربيه وتنهد، وقال : رحم ا& غسّان كنفاني وناجي العلي. كان زمان يخشى فيه الجميع العراق وأهله. الماجن والقاضي. أما رجع الصدى ووهن الماثل فلا هيبة ولا امتثال. ولو قدّر لذات القاضي أن يعود لاستند الى شهادة الحمار وأعدم معارض الخليفة بعد ان يكون نكل بالماجن والمثقف والغانم لأنه لم يعد لنا »عراق« يُخشى رأي رجاله. ولا أعتقد أن بول بريمر يعرف هذه الواقعة لأنه لو وعاها لرحل. فإلغاء العراق قد يعدل في قرينة الشهادة ويتيح موقعا آخر للحمار. فليس بعد الشهادة الا الوجاهة في زمن أرادوه لنا حبسا لأنفاسنا وكبحا لجماح عقولنا وأرادوه لأنفسهم سطوة وغزوا صليبيا جديدا. ولما انتهى من الكلام ذكر مثقف اليوم ومواقفه وهشاشة انتمائه لوطنه وقصر نظر الكثير منهم بحيث لا يستشعر الخطر الا اذا صدمه. وما أكثر فيمن صدمنا. عزاؤنا أننا مازلنا كما نحن قناعة وأكثر اصرارا وارادة حتى وان سقط العراق فليس هنالك هزائم الا وتعقبها انتصارات، هذا ما كان من وحي ابداعات الكاتب عبد ا& محمد الناصر آملين التأسيس لهيكل يجمع النخب العربية الجادة ويدفع الخطر عن الأمة ومراكز العقيدة والهوية فيها في غير قطرية متقوقعة مهينة ولا انصهار مذيب في العدو وثقافته.