الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، كما أخبر الصادق المصدوق ص، وهلاك قارون أصدق مثال على مصارع الطغاة والظالمين. يقول تعالى: «فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم(79)» (القصص). يقول أحد علماء الاسلام تعليقا على هذا المشهد: «وهنا تبدو معايير طلبة الدنيا ومدى وهنها وهشاشتها، إنهم لم يروا غير ظاهر ما خرج به قارون، فتمنوا مثله بصرف النظر عن الطرق الموصلة إليه حلالا كانت أم حراما... ثم جعلوا دائما حظه عظيما لما ملك من متاع الدنيا، فكانت قيمة المال عندهم هي الميزان الذي يوزن به الرجال... وهؤلاء دائما يقفون امام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهافت»... ولو فتشنا عما شكل هذه النفسية المريضة لوجدنا ان المجتمع حين يفقد كثيرا من معاني الكرم والسخاء والحب والعطاء والبر والاحسان والخير والايثار، وحين لا يتواصى بالتكافل والتعاون ولا يبر بعضه، بعضا عندئذ تكثر تلك الفئة لمعاناتها الحرمان فتقع فريسة لاهمال الاغنياء وشحهم. وعلى جانب اخر وفي المشهد نفسه تظهر الفئة المؤمنة ولو كانت قلة تستعلي على كل قيمة عدا قيمة الايمان. «ففي نفوسهم قيم اخرى غير قيم المال والزينة والمتاع، وهم أعلى نفسا واكبر قلبا من أن يتهاووا ويتصاغروا امام قيم الارض جميعا، ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل امام جاه العباد، وهؤلاء هم الذين أوتوا العلم الصحيح الذي يقوّمون به الحياة حق التقويم»، ولذلك ولأنهم دائما الوعاة من الدعاة في كل عصر تنطلق كلماتهم الواثقة لتصحح المفاهيم الخاطئة وترد الامور الى مسلماتها الصائبة «ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها الا الصابرون(80)» (القصص)، نعم ثواب الله خير مما خرج به قارون وما عند الله خير مما يمتلك قارون. إنها ثوابت يجب ان يعيها المسلم حق الوعي، مهما كانت المغريات، فإذا وعاها عصمه الله من الانزلاق والسقوط أمام كل الفتن، وإذا احسها على نحو ما تكلم به المخلصون، فإن ذلك يصبح درجة رفيعة من الشعور لا يلقاها الا الصابرون. وهذه المعاني هي «التي كانت الجماعة المسلمة الصغيرة المستضعفة في مكة في حاجة الى الاطمئنان اليها، وكان المشركون المستكبرون في حاجة الى تدبرها، وهي المعاني المتجددة الدائمة حيثما كانت دعوة الى الهدى، وحيثما كان طغيان يقف في وجه الهدى، وهي معان اولى بالتجدد والتدبر والاطمئنان اليها كلما كثر الخبث. ويأتي الموقف الفاصل: «فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين(81)» (القصص). وهو مصير واحد لكل أولئك الذين يبخلون بما أوتوا ويكون سلوكهم فيما استخلفهم الله فيه وفرة الرزق البغي بشتى صوره وأنواعه، والتي تصب في هدف واحد، الا وهو الحيلولة دون أن يكون لأحد في هذا المال نصيب، ففي لمحة خاطفة «فخسفنا به وبداره الارض» يكون مصير قارون وأمثاله، وابتلعته الارض وابتلعت داره وهو في بطنها التي علا فيها، واستطال فوقها جزاء وفاقا، وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره احد ولا ينتصر بجاه او مال». «وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا ان من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون(82)» (القصص)، هنا فقط تبدت الحقائق والمسلمات العقدية، لذلك كانت العودة بالفضل الى الله المنعم، فالثراء او الفقر ليسا دليلا على الرضا والغضب، إنما هما رزق للعبد لحكمة أخرى يعلمها الحق تبارك وتعالى.