لا يشعر كثير من الليبيين بارتياح فقط لان عهد القذافي يشرف على نهايته وانما أيضا لانه أصبح لبلدهم الان فرصة لان يطور سمعة مختلفة عن سمعته التي ارتبطت بالارهاب. رسالة واحدة على الجدران من بنغازي حتى طرابلس تقول "لكل ظالم نهاية". ولكن نهاية الزعيم الليبي معمر القذافي لم تكن متوقعة مثل شخصيته الاستعراضية. فالتغيير المزلزل الذي اجتاح تونس ومصر في بداية العام وصل الان الى شواطئ طرابلس ليقلب المشهد السياسي رأسا على عقب. واحتشد الليبيون من القرى والبلدات ومن جميع القبائل والطبقات من اسلاميين وعلمانيين وراء حركة المعارضة. وجعل انهيار سلطة القذافي الاحد الماضي بعد 41 عاما من الحكم الوحشي علي سالم الغرياني في حالة من الفرح المصحوب بالدموع. وقال الغرياني "عمري الان 50 عاما. وهذه هي المرة الاولى في حياتي التي أشعر فيها بمثل هذه السعادة. كنت اتمنى ألا أموت قبل رؤية هذا اليوم (الاطاحة بالقذافي). "قمعنا بالرصاص وبقبضة حديدية. عشنا في خوف لم يجرؤ أحد على الاحتجاج أو أن ننطق بكلمة انتقاد لكننا تشجعنا بالثورتين التونسية والمصرية." كان من الصعب قبل ستة أشهر فقط تخيل أن ينتفض الليبيون الذين عانوا من الاعتقال والتعذيب والنفي على أيدي أجهزة الامن والقوات التابعة للقذافي وأن ينتصروا في نهاية المطاف. قال خيري عبد السلام (22 عاما) وهو طالب في كلية الحقوق "عشنا في رعب وخوف. اعتدنا أن نخفض الصوت عندما نشاهد قناة الجزيرة أو قنوات المعارضة الليبية." وأضاف "كانوا يتنصتون على هواتفنا. كنت نتحدث برسائل مشفرة اذا أردنا أن نقول شيئا ليس في صالح الحكومة. كان هناك مخبرون زرعوا بيننا في الاحياء." والمعارضة التي سيطرت على بنغازي ومدن أخرى في فترة مبكرة بعد الانتفاضة التي بدأت في 17 فبراير شباط شقوا أخيرا طريقهم الى طرابلس يوم السبت واقتحموا معقل القذافي دون مقاومة كبيرة ليجبروه على الاختباء. ولكن تعقب القذافي لم ينته بعد والقوات الخاصة التابعة للمعارضة تخوض مهام واشتباكات يومية مع مقاتلين موالين للقذافي لا يزالوا يسيطرون على بعض جيوب المقاومة في مناطق جنوبي طرابلس وفي سرت مسقط رأس القذافي. ولا يزال المعارضون الذين يلوحون بأعلام الحرية ويشهرون البنادق وقواذف الصواريخ مبتهجين يجوبون المدينة مرددين "الله أكبر" وليبيا حرة. والليبيون الذين اعتادوا على اعلان تأييدهم للقذافي اختفوا أو لاذوا بالصمت. والمشهد الاكثر اثارة للدهشة هو التأييد الشعبي الكبير الذي استقبلت به المعارضة عند دخولها الى طرابلس نظرا للخوف الذي كان مسيطرا على السكان والطبيعة القمعية للحكم. والمشاهد التي أذاعها التلفزيون للمعارضة وهي تحطم تمثال القذافي في مجمع باب العزيزية ودهس صوره بالاقدام والذهاب الى غرفة نومه للاستيلاء على متعلقاته الشخصية لابد وأنها أصابت اللييين بالذهول. ولا يزال السكان في حالة من الرهبة وعدم التصديق. قالت سعاد عبد السلام (48 عاما) وهي أم لسبعة أبناء "يبدو الامر كما لو كان حلما أو فيلما وليس حقيقيا. لا استطيع أن أصدق ما اراه. أذكر نفسي بأن ذلك حقيقيا." ولم يأسف كثيرون لسقوط القذافي. قال علي عبد السلام "لم يفعل شيئا جيدا لشعبه كي يحبه الناس. واعتاد الناس أن يصبوا عليه اللعنات كلما ظهر على التلفزيون." وقال أيمن كرودي (23 عاما) ويدرس المحاسبة وهو من المعارضة "أشعر أنني في القمة. نحن سعداء جدا ولكن عندما نقبض عليه سنكون أكثر سعادة عندما يقع في أيدينا." وقالت نهاد طارق (32 عاما) عاطلة "القذافي حكمنا بالسيف بالحديد والنار. اتمنى أن تتمكن المعارضة من القبض عليه ومحاكمته." وليبيا التي ترثها المعارضة دولة منتجة للنفط من الممكن أن تكون غنية ولكنها تعاني من الفقر والبطالة ومعدل مواليد مرتفع وغياب الفرص والبنية التحتية المتداعية خارج جيوب الثراء مثل طرابلس. والطريق الصحراوي المؤدي الى طرابلس من بلدة نالوت الحدودية تسلسل منفر من البلدات والقرى الفقيرة فيها مبان لم يكتمل بناؤها بعد لا تعبر بأي حال عن ثروة ليبيا الكامنة. والاهم من ذلك كله أن حكم القذافي دمر الحياة المؤسسية وحال دون ظهور كل المراكز البديلة للسلطة. وكما كان الحال مع الزعيمين العربيين اللذين أطيح بهما قبله فان ثروة ليبيا كانت مركزة في أيدي أقلية صغيرة تربطها به علاقات قرابة أو علاقات قبلية. قالت أسماء وهي طالبة عمرها 19 عاما "هذا نظام شمولي حرمنا من أبسط الاشياء. انه حظر علينا حتى تعلم اللغات الاجنبية. كان نظاما متخلفا شجع الجهل." ودفع القمع وغياب الفرص والامل كثيرا من الشباب الى الهجرة بحثا عن حياة أفضل. ولا يشعر كثير من الليبيين بارتياح فقط لان عهد القذافي يشرف على نهايته وانما أيضا لانه أصبح لبلدهم الان فرصة لان يطور سمعة مختلفة عن سمعته التي ارتبطت بالارهاب. والان يشعر كثير من الليبيين بالفخر لان تحالفهم مع حلف شمال الاطلسي الذي ساعد المعارضة على الوصول للسلطة يظهر أنه يمكن للمجتمع الدولي أن يحتضنهم. وتنتشر على الجدران في المدن التي حررتها المعارضة عبارات شكر لحلف الاطلسي الذي أنقذ أرواح الليبيين. وبعد الاحتفالات البهيجة ساد التوتر شوارع طرابلس مع دوي نيران المدافع الرشاشة والاشتباكات بين جيوب قوات القذافي والمعارضة. قال سعد جبار وهو خبير ومحام ليبي انه يتعين على قيادة المعارضة الان بناء دولة ليبية حديثة ديمقراطية وتستوعب الجميع بتعيين حكومة مؤقتة ووضع مسودة دستور. وللمرحلة الاخيرة من الثورة معنى خاص لدي الليبيين حيث تتزامن مع الاحتفال برمضان وعيد الفطر. قال كرودي "هذا أحسن رمضان عاصرناه لم نشعر بالعطش والجوع والجميع صائمون." لكن الليبيين العاديين يعبرون كذلك عن قلقهم من منظر مقاتلي المعارضة الذين يسيطرون على الشوارع. انهم يريدون رحيل القذافي لكنهم يريدون أيضا الامن والاستقرار. قالت سعاد عبد السلام ربة بيت "المستقبل سيكون أفضل لكن يجب جمع السلاح من أيدي الناس." من سامية نخول Fri Aug 26, 2011 4:25pm GMT