قول القانون الدولي كاملًا، وفي كل الظروف، حتى في مواجهة الرئيس الأمريكي المتغوّل دونالد ترامب. من الواضح أن أول موقف للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يكن في مستوى الحدث، بل لم يُحسب له. «تخلّصنا منه»، هذا تقريبًا فحوى ما قاله الرئيس الفرنسي عقب اختطاف خليفة هوغو تشافيز. بل إن ماكرون ذهب أبعد من ذلك، حين شرع في طرح تصوراته بشأن خلافة الحكم في فنزويلا، داعيًا إلى إعادة «الفائز الحقيقي» في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إدموندو غونزاليس أوروتيا، المعترف به من قبل الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى الواجهة السياسية. غير أن هذا الطرح قوبل برفض فوري من «سيّد الحفل» دونالد ترامب، الذي لم يُبدِ أي حماس لا لغونزاليس أوروتيا ولا لزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو باريسكا. فبحسب واشنطن، لا تتمتع الأخيرة — سواء كانت حائزة على جائزة نوبل للسلام أم لا، أو «صديقة» للبيت الأبيض أم لا — بما يكفي من الشعبية أو الحزم لقيادة البلاد. وهكذا، مُني ماكرون بالرفض، ولن يكون ذلك انتكاسه الوحيد. الرئيس صدم حتى معسكره في فرنسا، أثار موقف ماكرون الباهت والمجامل صدمة واسعة، حتى داخل صفوف معسكره السياسي. وكان يُفترض بقصر الإليزيه أن ينسجم مع موقف وزارة الخارجية؛ إذ بدا الوزير جان-نويل بارو أكثر حنكة في بيانه، من خلال إدانة صريحة، من منظور القانون الدولي، ل«العملية الخاصة» التي نفذها ترامب. صحيح أن هذه الإدانة رمزية ولا تأثير لها في واشنطن، لكن في مثل هذه القضايا، تكتسب الرمزية أهمية قصوى. وهنا، أخفق ماكرون في التقاط اللحظة. فاكتفى الرئيس الفرنسي بالقول إنه «أخذ علمًا» بنهاية «ديكتاتورية مادورو»، التي — بحسب تعبيره — لا يمكن إلا أن يُسعد بزوالها «الشعب الفنزويلي». ولم يأتِ على ذكر القانون الدولي بكلمة واحدة. ترامب، من جهته، أبدى ارتياحه الشديد لموقف «صديقه» ماكرون، فأعاد نشر هذا التصريح غير المتوقع على منصته «تروث سوشال». أما في فرنسا، فجاءت ردود الفعل معاكسة تمامًا، سواء داخل المعارضة أو حتى في صفوف التيار الماكروني. لم يذهب أحد إلى حد الدفاع عن مادورو، لكن انتهاك سيادة فنزويلا قوبل بانتقادات شديدة. وقال النائب الماكروني لودوفيك منديس، عضو مجموعة الصداقة الفرنسية-الكولومبية، في تصريح لقناة BFM: «كنت أتمنى أن يتطرق رئيس الجمهورية إلى قواعد القانون الدولي. هناك الكثير من الديكتاتوريين في العالم، ولا يمكننا القبول بكل شيء». أما الوزيرة السابقة أنييس بانييه-روناشيه، فلم تكن أقل حدّة، إذ كتبت على منصة «إكس»: «لا يمكننا تجاهل أن أقوى دولة في العالم لم تعد تحترم أسس القانون الدولي، وأن تحركاتها باتت محكومة أساسًا بالمصالح الاقتصادية والنفطية». و قال نائب من حزب «النهضة» (Renaissance)، مختص في الشؤون الخارجية: «لحسن الحظ أن لدينا جان-نويل بارو الذي يذكّر بأسس ديمقراطياتنا. من الخطير السماح لدونالد ترامب بالدوس على قواعد الدبلوماسية الدولية و فتح المجال أمامه لتنفيذ عمليات مماثلة في أماكن أخرى». تراجع متأخر و اعتذار خجول احتاج قصر الإليزيه إلى ما يقارب 96 ساعة تحت وابل الانتقادات ليبدأ بالتراجع، وحتى ذلك تم بشكل ملتف عبر المتحدثة باسم الحكومة، مود بريغون، التي اكتفت بتقديم اعتذار محدود. و أوضحت بريغون أن ماكرون «لا يوافق» على «الطريقة» التي اتبعها ترامب للاستيلاء على مادورو، مؤكدة عدم وجود أي خلاف بين موقف وزارة الخارجية وقصر الإليزيه. و شددت المتحدثة باسم الحكومة، أمس الاثنين 5 جانفي، على «استمرارية» الموقفين، معتبرة أن تصريحات وزير الخارجية «تم التشاور بشأنها والمصادقة عليها» من قبل الرئيس ماكرون. غير أن هذا التبرير لم يُقنع كثيرين. و قال السفير الفرنسي السابق لدى البرازيل، جان دو غلينياستي: «من السهل قول ذلك. ما يهم هو كلمة إيمانويل ماكرون، لا موقف وزارة الخارجية»، مشيرًا إلى «ضرورات دبلوماسية قصيرة المدى». ماكرون ليس الأول... وميتيران لم يعترض أيضًا من دون أن يبرئه ذلك، فإن ماكرون ليس أول رئيس فرنسي يغضّ الطرف عن انتهاك صارخ للقانون الدولي من قبل الولاياتالمتحدة. ففي عام 1989، عندما أرسلت واشنطن 27 ألف جندي لاعتقال الجنرال مانويل أنطونيو نورييغا، حاكم بنما آنذاك، ولأسباب مشابهة لقضية مادورو، رفض الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتيران استخدام حق النقض في الأممالمتحدة. غير أن موقف ماكرون يبدو أكثر صدمة اليوم، لأن المرحلة الحالية أكثر خطورة بكثير، في ظل تصريحات ترامب بشأن كولومبيا والمكسيك وكوبا وغرينلاند وغيرها. ثم إن هذا المشهد يكشف أيضًا عن الضعف البنيوي للاتحاد الأوروبي، العاجز عن إنهاء حرب على أراضيه — في أوكرانيا — والذي يقف عمليًا على أعتاب واشنطن طلبًا للمساعدة في مواجهة «مشكلة» فلاديمير بوتين. وإذا كان الأوروبيون غير قادرين على حل مشاكلهم الخاصة، فكيف لهم أن يؤثروا في شؤون القارة الأمريكية؟ و لم يكن ماكرون الوحيد الذي تراجع أمام ترامب؛ فموقف رئيس الوزراء البريطاني كان أسوأ، بتصريحات غامضة حول القانون الدولي وضرورة «دراسة الوضع في فنزويلا» قبل أي رد رسمي. أما رئيسة الحكومة الإيطالية، فجاء موقفها ملتبسًا بدوره، إذ شرعنت اختطاف مادورو مع التذكير في الوقت نفسه بالخطوط الحمراء للقانون الدولي. ناهيك عن رد فعل المستشار الألماني، الذي اتسم بقدر كبير من التحفظ. فماذا سيقولون، وماذا سيفعلون، عندما يضع ترامب يده، خلال «شهرين»، على غرينلاند، وهي أرض تُدار من قبل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، هي الدنمارك؟ خلاصة القول، إن الولاياتالمتحدة لم تكن تحترم القارة العجوز قبل هذه المواقف المترددة، ولن تحظى أوروبا باحترام أكبر بعد هذه التصريحات التي لا ترقى إلى مستوى المواقف. فالجميع يرتجف خشية أن يُغضب ترامب بأي انتقاد لتدخله العسكري في فنزويلا، وأن يترك أوروبا وحيدة في مواجهة «العملاق» بوتين. الارتجاف دأب الأوروبيين منذ الحرب العالمية الأولى. و يبدو أنهم سيظلون، مرة أخرى، مجرد متفرجين في حلبة المصارعين، خلف الولاياتالمتحدة و روسيا و الهند و الصين. تعليقات