من ابرز سمات المحاماة التونسية تنوعها الفكري وتنافسها الانتخابي وشفافية صناديقها ... ولعل هذه السمات لم تولد لا من فكر كيلياني سماوي أو أرضي ولا من تطاحن دموي يأتي على الاخضر واليابس، بل من تاريخ حقوقي ضارب بجذوره في التاريخ سبقه وعي حاد بما يجب ان تكون عليه إحدى أحزمة العدالة في تونس. فمرور أكثر من قرن على نشأة لسان الدفاع في تونس قد ساهم في خلق تقاليد ومؤسسات ترعى بصورة ديمقراطية شؤون المحامين ومن ورائهم المتقاضين وبقية الاطراف المعنية بأساس العمران بالمعنى الخلدوني. ورغم ما عرفته الانتخابات في قطاع المحاماة من نتائج في عمليات الاقتراع السرّي والمباشر، فان هياكل المحاماة بقيت معها فاعلة ومؤثرة بدرجات مختلفة في واقع المهنة ومحيطها المجتمعي. وعلى هذا الاساس، فإن الممارسة الديمقراطية داخل قطاع المحاماة ظلّت محصّنة من كل الاشكال العنيفة ماديا وضدّ اساليب السطو على الشرعية أو التنكر لها إلا في بعض المراحل والظروف المستقلة عن ارادة المحامين وهياكلهم على حدّ السواء. وقد جاءت الجلسة العامة المنعقدة يوم 10 فيفري تواصلا مع هذا التاريخ ومع هذه القيم والاعراف حتى وان جرت رياح التصويت بما لا يشتهي القائمون على أمر اصحاب العباءات السوداء. هذه الجلسة التي خصصت للتصويت والتصديق على مشروع القانون الداخلي، بعد ان سبقتها أعمال اللجان ومشاركة فاعلة لعمداء سابقين وخبرات قانونية مشهود لها بالكفاءة ومهّدت لها الجلسة العامة الخارقة للعادة المنعقدة في 21 جانفي 2007 والمخصصة لابداء الرأي والتقليب والتمحيص والإضافة، هذه الجلسة صوتت فيها الاغلبية النسبية 288 «بلا» على مشروع القانون الداخلي مقابل «نعم» 215 . هذه النتيجة وان قوبلت قانونا والتزاما بالتقاليد الديمقراطية ، إلا انها خلفت عديد التأويلات والجدل الواسع في صفوف المحامين، خاصة وان المشروع يهدف الى اعادة تنظيم علاقة المحامين فيما بينهم وعلاقتهم بهياكلهم وبقية المؤسسات وكذلك بالعديد من القضايا المستجدة ... وان بدت هذه التأويلات وما رافقها من جدل واسع ذات طابع انتخابوي يقدّم صورة أولية على ميزان القوى الظرفي ، إلاّ أنها قد جاءت بالحقيقة حين غفلت على ضعف نسبة المشاركة في التصويت والتي تمثل أقل من ثمن عدد المحامين المباشرين !! فهل ان الطابع الانتخابي تحدده جغرافيا العاصمة والمدن المتاخمة لها؟ وهل ان ميزان القوى بين الاطراف الفاعلة صلب المحاماة يقتصر على تعطيل اجتهادات الهياكل المسيرة للمهنة فيما يتعلق براهنها ومستقلبها؟ وهل ان التحالفات و «المخاتلات» تبرر الوقوف ضد مصلحة المحامين وتنظيم شؤونهم خاصة وان المشروع قد أخذ حيزا هاما في الزمان والمكان وامتدّ على رقعة أوسع من مشاركة المحامين في ابداء الرأي ودراسة المشروع وحصل على متسع من الوقت؟! هذه الأسئلة وغيرها تجد مشروعية طرحها من خلال ما بات عليه واقع مهنة المحاماة وما باتت تقتضيه من اصلاحات، بقطع النظر عن مرجعية هذه الاصلاحات وأهدافها؟ فإذا كانت الجلسة العامة غير قادرة على تعبئة المحامين من ناحية بأغلبية واسعة وإذا كانت القاعدة الواسعة للمحامين غير متحسسة لواقعها من ناحية أخرى، فإن المحاماة تعيش لحظة انفصام خطيرة جدّا.. وتتمثل بالاساس في تلك المسافة الفاصلة بين شعار الاصلاح مهما كان مصدره وبين الأراء الحقيقية في العملية ذاتها حتى وان رافقت هذه الإرادة بعض النواقص وشابتها بعض التوظيفات ؟! وإن تم الاقرار بصحة هذا التشخيص المرضي، فإن حالة المحاماة ستزداد سوءا مهما كان اللون الذي ستفرزه صناديق الاقتراع خلال الجلسات العامة الانتخابية القادمة، لان القطيعة بين الهياكل والقواعد ستزداد إتساعا مثلما سيزداد التوظيف السياسي قدرة على تغيب الاهداف المهنية والاصلاحية الحقيقية . وان كانت هذه محصلة تشخيص أولى وعام، فإن عملية التمحيص وتقليب واقع مهنة المحاماة في راهنها يقتضي التوقف عند فرضتين: الأولى: ان الذين صوتوا بجميع خلفياتهم وبكل أهدافهم المشتركة سيمثلون مستقبلا هياكل المهنة على اعتبار ان هذا المجتمع الانتخابي يقدم نفسه على أساس عيّنة ممثلة لمجتمع المحاماة الأصلي. أما الثانية: فتتعلق بتواضع ملكة ممثلي هياكل المهنة الحالية في العمليات الحسابية وخاصة في قدرتها على فهم تقلبات القطاع في لحظة ديناميكية. من حيث أنها لم تختر التوقيت المناسب لعرض هذا المشروع ولم تحشد كل طاقاتها لتشريك الغالبية المطلقة في قول كلمة «لا» أو «نعم» بصورة تترجم الإرادة الفعلية لعموم المحامين، خاصة وان العميد الاستاذ عبد الستار بن موسى غير معني بالحسابات الانتخابية وبميزان القوى اللذين حسمهما منذ انطلاق حملته الانتخابية التي اتخذت شعار «دورة واحدة لا غير» . لكن في المقابل، فإن المحنكين في التجارب الانتخابية، وخاصة الموصوفين بدقة الحسابات، يرون ان التصويت «بلا» في الجلسة الانتخابية، قد يدعم توجه ممثلي الهياكل الحالية ويوسع من دائرة التعاطف معهم في المستقبل لا لان ممثلي المهنة، قد اجتهدوا من أجل مصلحة المحامين حتى إن لم ترتق النتائج الى مستوى التطلعات، بل أيضا لانهم تعرفوا بصورة مسبقة عن طبيعة الطرف الذي يقدم نفسه بديلا.