تعتبر الاستاذة لمياء المنصوري احدى ابرز الوجوه داخل قطاع المحاماة سواء على صعيد جهة سوسة حيث تمارس مهنتها أو على الصعيد الوطني حيث تهتم بمشاغل قطاعها وتساهم في اصلاح اوضاعه. والاستاذة لمية المنصوري اضافة الى كونها محامية، فهي ايضا باحثة مختصة في القانون الجبائي والديواني، اضافة الى كونها تستعد لمناقشة أطروحة دكتوراه دولة حول «تأثير اتفاقية الشراكة على السياسة الديوانية في تونس» «الشعب» التقت الاستاذة المنصوري وسألتها عن قضايا ساخنة وملفات حارقة داخل قطاع المحاماة، فكان هذا الحوار: بعد 10 سنوات من ممارسة مهنة المحاماة، كيف تقرئين واقعها وهي تستعد لجلسة عامة انتخابية؟ أرى ان المحاماة بأزمة رحالة تراجع على عديد المستويات، فضلا على ان هياكل المهنة لم تكن قادرة على القيام بواجبها على أفضل وجه ولا سيما على صعيد التأطير وتراجع مجال تدخل المحامي. وما يحز في نفسي اكثر كمحامية ان صورة اصحاب العباءات السوداء آخذة في التآكل سواء لدى الرأي العام بصورة عامة أو لدى المتقاضين بصورة خاصة، اضافة الى تدني المستوى العلمي والصناعي لدى المحامين وخاصة الشبان منهم. واشعر ايضا بأن المحاماة تمر راهنا بمرحلة انتقالية حرجة وغير قابلة للتواصل على هذه الوتيرة. وكيف ترين حال المحامين بصورة عامة والشبان بصورة خاصة على الصعيدين المادي والاجتماعي؟ في الحقيقة هي حالة مزرية، حيث فقد المحامي احترام الافراد والمؤسسات، وكأن دوره قد اصبح شكليا بعد ما كان يمثل احد أجنحة العدالة، وأرى ان العلاقة بين جناحي العدالة كأنها باتت متوترة. ولعل ابرز سمة للحالة الراهنة للمحامي هي عدم قدرته حتى على مجابهة المصاريف الضرورية بمكتبه. واعتقد ان السبب الرئيسي الذي يفسر او يبرر هذه الوضعية المادية المتواضعة للمحامي هو عدم التوازن في تقسيم فرص العمل وخاصة للشبان. وان كن النصيب الاوفر من فرص العمل يستأثر به عدد قليل من المحامين، فان نتائج ذلك ستؤدي الى تعميق الفوارق الاجتماعية داخل قطاع قانوني وحقوقي. وتفرز مزيدا من تفشي اشكال السمسرة التي اصبحت تنخر المهنة وتهدد رسالة المحاماة، على الرغم من ان هناك عددا من المحامين يرون فيها حلا سهلا لتجاوز اوضاعهم المهنية والمادية المزرية. لكن الوضع الاجتماعي بما في ذلك غياب التغطية الاجتماعية مازال يمثل هاجسا كبيرا لدى كل المحامين ويؤرق أسرهم؟ بالفعل، ان قضية التغطية الاجتماعية على غاية من الاهمية لعموم المحامين، واعتقد ان الراهن اليوم يستوجب، اكثر من اي وقت مضى تحويل اية صيغة ممكنة الى حيز الواقع، افضل من استمرار التجاذبات بالرغم انني اقف الى جانب مبدإ استشارة المحامي في هذه الصيغة الممكنة. ألا ترين معي ايضا ان درجة تسيس المحاماة بشكل كبير قد الحقت الضرر بالقطاع؟ انا أرفض تسييس القطاع، فدخول قاعة المحكمة تفرض علينا ان نكون محامين أولا وأخيرا، ولعل هذا الموقف يشاطرني فيه غالبية المحامين بما فيهم الشبان. فأنا شخصيا عند ما أكون داخل قاعة الجلسة لا أشعر انني مطالبة بأي شكل من الاشكال لأكون صوت السلطة أو المعارضة بل أومن بأن دوري يفرض عليّ ان أكون صوت القانون وارادة الحق. على الرغم من وجود زهاء 38 من المحاميات داخل القطاع، الا ان تمثيليتهن داخل الهياكل مازالت محتشمة، فبماذا تفسرين سريان العقلية الرجالية صلب قطاع حقوقي؟ بالرغم من وجود عدد كبير من المحاميات صلب القطاع، ورغم قدرتهن العالية على الصعيدين المهني والصناعي، فإنهن لم يتوفقن في ترجمة هذه النسبة العالية داخل الهياكل المهنية، وكأن ذلك ينمّ عن وجود فعل مقصود لتهميشهن غير انني اعتقد جازمة ان المسألة لا ترتبط بفرض المرأة داخل المواقع والاطر والهياكل واقحامها قصرا وبكل الوسائل والطرق، بقدر ما ترتبط بوعي المرأة ورغبتها وارادتها ايضا في المشاركة والصراع وفرض الذات. فنحن لا نعيش في مجتمعين واحد للرجال وآخر للنساء، بل نعيش في مجتمع واحد اسمه الجنس البشري. كما ارى ان عقلية الضحية او عقلية الجلاد لا يمكن ان تحل المسألة او تساهم في تجاوز هذه الاشكالية فالمرأة التي تناضل في عديد الجبهات وعلى الاوجه المختلفة من الحياة اليومية وتحقق نجاحات مهنية وعلمية لا يمكن ان يعود ذلك الى كونها انثى، بل لما تملكه من قدرات وكفاءات وعزائم... والفشل الذي قد يرافق الانسان سواء كان انثى او ذكرا لا يمكن تبريره ايضا بنوعية الجنس. تمارسين مهنة المحاماة بسوسة التي يعتبر فرعها الجهوي مهما جدا في المعادلات الانتخابية على صعيد القطاع، ما هي جملة المواصفات الواجب توفرها في المترشحين لهذا الفرع؟ اعتقد ان الشرط الضروري والاساسي، هو ان يكون المترشح او المترشحة على قدرة هائلة من الاستماع الى مشاغل زملائه ومطالبهم بعيدا عن كل الوعود الزائفة والشعارات الفضفاضة، رغم ايماني العميق بأن من سيتولى رئاسة الفرع او يصل الى المكتب لن يكون قادرا على حل ازمة المحاماة اذ الأهم بالنسبة اليّ هي الرغبة الصادقة والعزم الجاد للاصلاح والارتباط المتين بهموم الزملاء والزميلات. هل تعتقدين ان معهد المحاماة بصيغته الحالية يمكن ان يوقف نزيف الاغراق ويوجد حلا لتوحيد المدخل؟ انا اعتقد ذلك حقيقة، على الرغم من ان لدي بعض الملاحظات حول هذا المشروع، فالمعهد يمكن ان يوفر للمحامين امرين اساسيين الاول هو حل مسألة قلة التكوين والتأطير والثاني هو توفير درجة معقولة من الحرفية والصناعة وذلك على الرغم من ان هذين الامرين يرتبطان بدورهما بطبيعة المناهج ومضامين البرامج ونوعية التسيير وغيرها من المقومات. ما لاحظته في اجاباتك ان مستقبل المحاماة على المدى المتوسط لن يعرف الكثير من نقاط الضوء؟ انا لا أومن بالمعجزات، فقط أومن بالارادة والعمل، وبناء على ما باتت تشهده المهنة من تعقيدات في راهنها وعمق في أزمتها فاني لا أرى أفقا رحبا لها في القريب المنظور على الاقل، خاصة ان المحاماة قد اصبحت مسرحا للتطاحن بين الاطراف والتيارات السياسية، حيث حلت «الاطراح» السياسية على حساب المصالح والقضايا المهنية.