صمود الهدنة في غزة وهجوم حاد على نتنياهو في إسرائيل    ''السيزيام'' يعود من جديد كامتحان وطني إلزامي    330 ألف تلميذ و40 ألف طالب من العائلات المعوزة سينتفعون بالمنح    لأول مرّة: مهرجان السينما الوثائقية بالحوض المنجمي    اتفاق دولي على خطورة التدخّل الأجنبي على الأزمة الليبية    القبض على عناصر ارهابية كانت تخطط لاعمال ارهابية في التراب التونسي    قائمة التكتل بالكاف تتسلم الوصل الرسمي للانتخابات    نتائج الدفعة الثانية للجولة الثالثة الرابطة المحترفة1    «صيام بن يوسف» مطلوب في مرسيليا    هذه قيمة العجز المسجّل في الميزان التجاري    البحيرة : حرق أكوام من الفضلات بالطريق العام يتسبب في احتراق سيارة خفيفة    تسريبات عن محاولة اغتيال حمة الهمامي و الباجي قائد السبسي تزامنا مع السباق الانتخابي وتسليم الإمارات هدية بسيارتين لزعيم نداء تونس    الحزب الجمهوري يحسم في 33 قائمة انتخابية وأعضائه في التأسيسي سيترشحون إلى التشريعية القادمة    علماء روس يبتكرون لقاحا تجريبيا ضد إيبولا    بسبب فيروس "الايبولا": الكاف ترفض مطلب السي أس أس بتغيير كنشاسا.. والسفارة التونسية تطمئن    اعتماد نسبة 20 % بدءا من باكالوريا 2014-2015    الوسطية    منجي الحامدي وزير الخارجية : إعادة العلاقات مع دمشق غير واردة    الداخلية تنفي تعرض سيارة شرطة تقل موقوفين الى اطلاق نار    إحداث وحدة للاتصال الدولي والاتفاق على تسوية وضعيات أعوان وكالة الاتصال الخارجي سابقا    دولة التونسية لم تسترجع سوى مليوني دينار من مجموع 8 ملايين دينار منحتها للأحزاب السياسية المشاركة في انتخابات 2011 (أنا يقظ)    توجيه تهمة الفساد لمديرة صندوق النقد الدولي    التشكيلة المحتملة للنادي الصفاقسي ضد مستقبل المرسى    تباطؤ الاقتصاد التونسي إلى 2% مقارنة ب2.8% الربع الثاني من العام الماضي    ترشح المحامي لدى التعقيب الحبيب الزمالي يعلن عن عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية كمستقل (ندوة صحفية)    بنعطية: حلم التحول الى البايرن أصبح حقيقة    إدارة الصحة تنفي وجود جرثومة في شواطئ بالمهدية    6 سبتمبر القادم آخر أجل للقيام بإجراءات السفر الى البقاع المقدسة    بهذه الطريقة ستحارب أمريكا "داعش" في سوريا والعراق    بوتفليقة ينهي مهام مستشاره الخاص ويجمّد جميع نشاطاته    وزير الصناعة: الحوار الوطني حول غاز ‘'الشيست'' في سبتمبر.. والإنتاج بعد 8 سنوات    تسجيل عدد من حالات التسمم الغذائي ووزارة الصحة تحذّر    تسريب فيديو: منال عمارة تحتج وتقاضي    هل ستكون انتخابات تونس حقا انتخابات؟    أجندة المهرجانات لليوم الأربعاء 27 أوت 2014    تأثرا بمقتل مواطنه ايبوسي: أمينو بوبا يهرب من الجزائر.. ويعود إلى الترجي    بداية من اليوم.. في المطارات التونسية.. عزل المصابين..وكاميرات لرصد حالات الإصابة بفيروس ايبولا    الترجي الرياضي يستعيد المهاجم محمد علي بن حمودة    طقس اليوم :الحرارة تصل إلى 42 درجة مع ظهور الشهيلي    أحد فرسان عقارب:«نحن عشّاق، أحببنا الفروسيّة منذ الصّغر... ولكن ؟»    بطاقتا ايداع بالسجن ضدّ قيادي بأنصار الشريعة المحظور ومتّهم آخر    في السيجومي : تخلّت عنه خطيبته فانتحر حرقا    دوار هيشر: حفل زفاف يتحوّل إلى مأتم    مفتي الجمهورية: غلق جامع الزيتونة وراء انتشار الفكر المتشدد في تونس    كرة قدم: برنامج النقل التلفزي لمباريات الاربعاء 27 أوت    الجامعة العامة للكهرباءوالغاز تصعّد    الجريد :برامج جديدة للنهوض بالمرأة الريفية    رأي للنقاش ماذا يحدث صلب الإدارة الفنية؟    «حاميها حراميها » في العمران :ايقاف حارس شركة بناء غنم 14 مليونا من بيع سلعها    لينا بن مهنّي: أنا كافرة!    وزارة الصحة تدعو إلى "ضرورة احترام شروط حفظ صحة الأغذية والتثبت من صلوحية المواد الغذائية"    مهرجان هرقلة السينمائي من 26 الى 31 اوت 2014    ارتفاع نسبة استهلاك السجائر الالكترونية في الولايات المتحدة يثير القلق    المركب الثقافي «نيابوليس» مهدّد بالغلق:الإشكال العقاري «يذبح» الفضاءات الثقافية بنابل    عصام الشرايطي يتحدي صابر الرباعي و تامر حسني بدلو ماء بارد    في رحاب كتاب "مدارج السالكين" (3) مراتب الهداية العامة والخاصة    أنوثة    منظمة الصحة العالمية تضع برنامجا زمنيا لمكافحة الإيبولا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.