إيقاف بث افتتاح مهرجان قابس للسينما بسبب الأمطار    النيابة العمومية تستمع إلى النائبة سامية عبو    الرابطة 1: الدفعة الثانية من الجولة الثالثة.. ثلاثة فرق لمواصلة الإقلاع ... والبقية لتفادي جاذبية القاع    عاصفة رملية تجتاح توزر    حجز 5 مراكب صيد عشوائي بجربة    الحرب السورية تجعل فتاة لاجئة تحقق حلمها في عالم كرة القدم    روضة القرافي : مكافحة الفساد ما زالت في شعارات    عبير موسي: على الحكومة الحالية أن لا تتبع منهج الحكومات المتعاقبة    هولاند: فرنسا لن تصبح مخيم مهاجرين    مفاجأة بالتشكيلة الرسمية لبرشلونة أمام خيخون    بين تطاوين وسيدي علي بن عون ..ايقاف 3 "دواعش"    السماح لمؤسسة التلفزة بالنقل المباشر لأربع مقابلات من كل جولة    عصفور يمنع طائرة الخطوط التونسية من الإقلاع بمطار موريتاني    بني خلاد: 200 مليون لتنوير المناطق الريفية    التحقيق في شبكات لتهريب البشر بين تونس و الجزائر وليبيا    انتخابات القضاة.. هذا ما قررته المحكمة الإدارية اليوم    مدرس حراس المرمى انور بن حميدة يتألق في تربص بألمانيا ويتلقى عرضا فرنسيا    بعد اجتماع وديع الجريء والياس الغربي: الجامعة تتخلى عن مقاضاة التلفزة وتمنحها حق البث المباشر لمباريات البطولة    أثار جدلا واسعا: فنانة روسية تعتذر بعد ''فيديو كليب'' راقص في مسجد    القيروان: دراجة سريعة تقتل موظفا اثناء مغادرة العمل    هذه طبيعة إصابة العكايشي ومدّة الراحة التي تتطلبها    كمية الامطار المسجلة أمس بمختلف ولايات الجمهورية    الجزائر..سائق يتنصّت على وزارة الدّفاع    مجلس الوزراء يصادق على جملة من مشاريع القوانين    شاهد.. مشاجرة بين أنجلينا وبراد بيت في شارع ببريطانيا: الأطفال مصدومون    مصرع 24 شخصا بسقوط حافلة في نهر    التونسي والعودة المدرسية بالأرقام    كوريا الجنوبية: لدينا خطة لاغتيال زعيم كوريا الشمالية    قرنبالية: اصابة 12 شخصا في اصطدام 6 سيارات بشاحنة    روسيا.. حمامة تتسبب في مقتل 3 أشخاص!    هذا ما يحدث في جسم الإنسان عند شرب الحليب قبل النوم!    واشنطن.. مقتل 4 أشخاص بإطلاق نار في مركز تجاري    وزارة الصحة: سلسلة من الإجراءات قصد مقاومة مرض الزهايمر    ترتيب دول العالم من حيث المستوى الصحي    "ياهو" أمام القضاء بعد "سرقة نصف مليار حساب"    بالفيديو.. في حادثة طريفة: أوباما يتعرض لمحاولة "خلع السروال"    بالفيديو.. حارس مرمى يعتدي على مهاجم بعد مراوغته    قصيدة لمحمود درويش تزعج وزيرة إسرائيلية    قرمدة: الكشف عن مخزن لتجميع الزيت المدعم دون وجه قانوني    تونس اليوم..قطرة فأنهار فشوارع تغرق في الأوحال    بسبب الاشغال على مستوى الطريق x.. الخطوط التونسية توصي بالقيام بعمليات التسجيل في الأوقات المحددة    لأول مرّة في تونس : استئصال سرطان الرحم دون جراحة    " توننداكس" يفتتح معاملات الجمعة على تراجع طفيف    "إيني" الإيطالية تدخل قطاع الطاقة المتجددة في الجزائر    دراسة لتحويل مطار قرطاج إلى منطقة بوحنش    صورة اليوم: لافتة تحث على التخاطب بالعربية تثير الجدل..    تعرف على أخطر 5 مواد مخدرة على الصحة    براد بيت يطلب فرصة ثانية من انجلينا جولي بعد الطلاق    فيليبي لويس يكشف عن إصابته بعد تدخل سواريز    براد بيت يطلب فرصة ثانية من أنجلينا ويقول: صديقاتها غَسَلنَ دماغها    "ملا عيلة": نقل هزلي ساخر للواقع الاجتماعي الخانق    معدات جديدة لكشف اثار المتفجرات بالمطارات التونسية    وزير الصناعة يعلّق على أزمة شركة بيتروفاك    عواصم الخلافة و بيع الجنسية    ‘الشروق' الجزائرية: متشيّعون جزائريون ‘يحجون' إلى مدن تاريخية تونسية    أين تذهب جمرات الحج بعد رميها ؟(فيديو)    غرائب موسم الحج: حاج يرجم الشيطان ب'التيربولات'وحاجة تلعق كسوة الكعبة    خسوف غير كلي للقمر في هذه الدول الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.