رسمي: الصيد في صحة جيدة ويشرف منتصف النهار على مجلس وزاري    حجز 1860 علبة ياغورت غير صالحة للاستهلاك    أحد منفذي هجوم مطار أتاتورك.. شيشاني    الطائرة المصرية MS804: التحليل الأولي لبيانات الصندوق الأسود    يحدث في ليبيا.. يسرق محطتي ارسال قنوات تلفزيونية وينقلها إلى بيته    نيمار يسقط طائرة بلا طيار بكرة صاروخية(فيديو)    أتلتيكو لمنتخب التانغو: لا تفكروا في سيميوني    وزير الشؤون الاجتماعية ل"الصباح": قريبا الشروع في حوار حول الصناديق الاجتماعية.. والقيادة الحالية للنداء لا تمثل الحزب    وصول جثمان العميد فتحي بيوض إلى تونس بعد ظهر اليوم    ''لدواعٍ أمنية''، السلطات المصرية تغلق محطة مترو ''التحرير ''    بالصورة: مباحث الآداب الكويتية تقبض على عارضة ازياء تونسية    ''نحو تمكين المساجين من التواصل مع عائلاتهم عبر ''الواب كام    المصادقة على جملة من مشاريع الأوامر الحكومية    الترجي الرياضي.. أمادا يقترب.. وملف المحيرصي يحسم اليوم    حوالي 60 ألف جريمة في تونس خلال 2016    رياض المؤخّر: تونس تحتاج رئيس حكومة سياسي بخلفية اقتصادية    الأرجنتين تكرم ميسي بتمثال    رابطة الأبطال: الوداد المغربي يحقق الفوز الثاني على التوالي‎    منصف المرزوقي: تركيا تدفع ثمن نجاحها    زيارة مرتقبة لوزير الخارجية المصري الى تونس    مقتل 10 أشخاص في هجوم انتحاري بالكامرون    طقس اليوم: ارتفاع في درجات الحرارة    وحيدة الدريدي تتحدث عن دورها في ‘أولاد مفيدة'    حنان الشقراني تتحدث عن سلسلة ‘دنيا أخرى'    كرة السلة: رسمي صالح الماجري يغيب عن الدورة التأهيلية لأولمبياد ريو 2016‎    مدرسة رمضان" قصة للأطفال    تراجع أسعار أغلب المواد الاستهلاكية مقارنة بأول رمضان    الحلقة 3 يعدها لكم الكاتب الصحفي    مريم بن حسين تصنع الحدث في رمضان 2016    مع اقتراب عيد الفطر..منظمة الدفاع عن المستهلك تحذّر    القصرين: برمجة ختان أكثر من 180 طفل من محدودي الدخل    قفصة: كفيف يجتاز بنجاح مناظرة الدخول إلى المدارس الإعدادية النموذجية    كل التفاصيل عن بطاقة "ماستركارد بزنس" الجديدة التي توفرها "بيات"    قابس: حجز بضاعة مهربة قيمتها 578 ألف دينار    خلال شهر ماي.. انخفاض جرائم العنف والسرقات وارتفاع الجرائم ضد الطفولة...    "باغندا"..رواية جديدة للكاتب شكري المبخوت    تلميذ باكالوريا تغيب عن اختبار الرياضيات فتحصل على 9.89: وزارة التربية توضح    الجمعة 1 جويلية: غلق النفق على مستوى محول رواد للقيام بأشغال الصيانة    القرضاوي في حوار مثير: هذه قصة زواجي من الجزائرية أسماء بن قادة    سليانة: يطعن زوجته بسكين    كاس الاتحاد الافريقي : فوز كوكب مراكش على اهلي طرابلس 2-1    رابطة ابطال افريقيا - خطأ غريب من اكرامي يكلف الاهلي هزيمته الثانية    نفحات من السيرة النبوية العطرة في افتتاح فعاليات /خرجة سيدي عمار/ بأريانة    ارتفاع مؤشر ''توننداكس'' بدء حصة الاربعاء ب0،24 بالمائة    انطلاق "إجتماع مشاورات حكومة الوحدة الوطنية."… وهذه قائمة الحاضرين    أدوية ضرورية لطب الأسنان مفقودة.. أطباء يحتجون، نقابتهم تُهدّد والصيدلية المركزية تُوضّح    اسماء عربية بارزة في مهرجان قرطاج الدولي    الشركة التونسية للكهرباء والغاز : نحو اعتماد الدفع بالتقسيط    زغوان.. أوهماه بقدرتهما على استخراج كنز وتحيلا عليه    طقس اليوم: حرارة مرتفعة مع ظهور الشهيلي    سكان قرية تركية يفطرون معاً كل يوم منذ 200 عام    مختصون أمريكيون يبدعون شوكولاتة مفيدة ولذيذة    برنامج جهوي لمكافحة اللدغ بالعقرب    تحديد زكاة الفطر ب 1475 مليم هذا العام (مفتي الجمهورية)    دراسة حديثة تكشف فوائد غير متوقعة ل"كبد الدّجاج"    تحديد قيمة زكاة الفطر    ماذا وجد العلماء في بئر زمزم؟    مدنين: عائلات تحفظ القران الكريم جيلا بعد جيل في معتمدية بني خداش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.