ماذا يعني انهيار سد الفرات في ظل الحرب على "داعش"؟    قابس: الكشف عن خلية تسفير الشباب لبؤر التوتر من بينهم محامي    طقس الاثنين 27 مارس 2017: بعض السحب بأغلب الجهات والحرارة بين 19 و28 درجة    بن قردان: حجز كمية من السجائر بقيمة 200 مليون    بالفيديو: برهان بسيس قدوتي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبره مرجعيتي    'صورة اليوم: رئيس الحكومة يلعب 'الشكبة    وصول طائرة تحمل 130 وكيل أسفار و20 صحفي من بلدان مختلفة إلى جربة    معرض تونس الدولي للكتاب: دورة لا تحترم طوابير الزائرين ليست دورة ناجحة    وصول وفد سياحي هام من لوكسمبورغ الى جربة    دعوة اربعة لاعبين محليين لتعزيز صفوف المنتخب المغربي الاول    مفاجآت جديدة في هجوم برلين الذي نفذه أنيس العمري    طقس بقية اليوم وهذه الليلة: سحب قليلة والحرارة بين 10 و14 درجة    تجار الصناعات التقليدية يدعون الى تسهيل النفاذ الى التمويلات العمومية    فوز النجم الساحلي وديا على اتحاد بنقردان    وزير الشؤون الثقافية: الفعل الثقافي لا تغيّره السياسة    الرابطة الاولى: بلاي اوت... فوز مستقبل المرسى على اتحاد تطاوين    بئر الحفي: اختتام الدروة الثالثة لربيع الرياضة    تونس تنطلق في تطبيق قرار منع الاجهزة الالكترونية على متن الطائرات المتجهة الى بريطانيا    مليوني مسن في تونس سنة 2030    صفاقس :الشرطة البلدية تحجز 27 دمية ‘طائفية'    ايقاف شخص يحمل قلادات ذهبية تزن 576 غرام    ميناء حلق الوادي : ضبط 06 أشخاص حاولوا اجتياز الحدود البحريّة خلسة    الولايات المتحدة : مقتل شخص و اصابة اخرين في اطلاق نار داخل ملهى ليلي    تونس :نصف المساجين موقوفين على ذمة القضاء دون المحاكمة    إتحاد الشغل :نحو اعداد مبادرة للخروج من الأزمة الاقتصادية    فريانة :الاعتداء على 3 أمنيين وتهريب مفتش عنه في قضايا إرهابية    قتل ابنها بسكين في جلسة خمرية: عائلة الضحية تحرق منزل القاتل    قصر هلال: حجز نصف كغ من الزطلة في منزل قديم    أطباء مختصون: اكثر من 50 ألف مصاب بمرض الزهايمر في تونس وعدد المسنين سيبلغ مليوني مسن سنة 2050    البنتاغون يعلن مقتل أحد أبرز قيادات القاعدة في أفغانستان    جندوبة : القبض على عنصر تكفيري مفتش عنه في قضية ذات صبغة إرهابية    صفاقس: حجز 27 دمية "طائفية" بأحد المحلات التجارية    نابل: ايقاف 17 مفتشا عنهم وحجز بضاعة تفوق قيمتها 40 الف دينار‎    سطو على متجر ‘كارتييه'للمجوهرات وسط موناكو    الشاهد : مجلس وزراي مضيق للنظر في تسوية التجمعات السكنية على الاراضي الدولية (فيديو)    نزيهة العبيدي: إغلاق قرابة 600 روضة أطفال عشوائية خلال سنة 2016 وبداية 2017    بوشماوي: عقد مجلس وزاري خلال الأيام القليلة القادمة لإيجاد حلول لقطاعات الأحذية والنسيج والملابس    الخمار ليس رمزا دينيا    وزير الثقافة يدشن دار الثقافة بقليبية‎    دواء جديد لوقف الشيخوخة    المنتخب التونسي ينهزم أمام الكاميرون وديا    منتخب كرة السلة يتأهل الى نهائيات كأس امم افريقيا 2017    تحويل جزئي لحركة المرور في الطريق الشعاعية X20 المتجهة من أريانة نحو المنيهلة    اكثر من 450 مشارك في الدورة 14 لملتقى قرطاج للتأمين    رئيس الحكومة يقرّر مضاعفة الشراءات السنوية من الكتب التونسية لوزارة الشؤون    تسريب صورة لسعد لمجرد من داخل السجن    الخطوط التونسية بفرنسا ستنجح من تحقيق التوازن المالي في 2018    رئيس الحكومة يعلن عن مضاعفة الشراءات السنوية لوزارة الثقافة من الكتب التونسية    دراسة: ثلثا أنواع السرطان نتيجة أخطاء جينية عشوائية    المؤسسات الاسترالية تبدي اهتمامها للاستثمار في تونس    بالفيديو: تفاصيل مبادرة جعفر القاسمي لجمع مليار لإنقاذ أطفال من السرطان    بالفيديو: باسل خياط يكشف سبب فسخ خطوبته بهند صبري    بالفيديو.. وائل جسار يثير دموع والدته بفيديو مؤثر    خبير آثار: لا دليل على أن "فرعون موسى" سوداني الأصل    صافية بين نبيل معلول والاتحاد الكويتي لكرة القدم    كأس الاتحاد الإفريقي: "السي أس أس " يواجه كادياقو البوركيني.. والافريقي في اختبار بورت لويس الموريسي    فتوى منسوبة للأزهر تجيز حبس الحاسد    الحمامات: ملصقات حائطية تدعو لإقامة "دولة الخلافة"!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.