محمد جمور: هناك معطيات جديدة في قضية بلعيد ولن نجازف بمصداقيتنا لاتهام النهضة بالتورط الجزائي في الملف    رضا الشكندالي: تراجع تصنيف تونس السيادي كان متوقعا ويجب اعتماد سياسات اقتصادية مختلفة    "داعش" الارهابي يتبنى عملية الطعن في مدينة سورغوت الروسية    سيدي بوزيد :مجموعة إرهابية تداهم منزلا و تستولي على كميات من المؤونة    المهدية: القبض على منحرف خطير محل 11 منشور تفتيش    بعد تخفيض التصنيف السيادي لتونس .. حسين الدّيماسي يوضّح ل"الصباح نيوز" الأسباب والتداعيات...    بطولة امم افريقيا لكرة السلة للسيدات: فوز تونس على افريقيا الوسطى    إصابة 3 أمنيين في مناوشات بين منحرفين في جندوبة    ‘علوش طائر'في صفاقس يصيب مواطن بجروح خطيرة    شط مريم: إيقاف جزائريين وحجز أقراص مخدرة    لجنة المتابعة لوضعية مهاجرين من مخيم الشوشة تدعو لايجاد حل استثنائي لوضعيتهم " الاستثنائية "    تعزيز أسطول الشركة التونسية للشحن والترصيف ب6 رافعات    اندلاع حريق في محل لبيع المحروقات بقفصة    وزارة الصناعة و التجاري تنفي تلقيها برقية إضراب المخابز    عودته لن تكون بنفس النفوذ: نبيل معلول يقلّم أظافر أيمن المثلوثي    وحدات الحرس البحري تنقذ عائلة من الغرق ببنزرت و24 مجتازا للحدود البحرية خلسة بصفاقس    بسبب حالة الفوضى .. الغاء بقية عروض المهرجان المغاربي للفروسية المبرمجة    تحجير السفر على المدير العام للملكية العقارية بكتابة الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية    جندوبة: اصابة 3 اعوان أمن وتضرر سيارتين أمنيتين بعد مناوشات بين عناصر منحرفة    فيديو صادم..لحظة قتل الشرطة لمشتبه به في هجوم برشلونة    كأس إتحاد شمال إفريقيا مواليد 2000: البرنامج الرسمي للدورة‎    فنلندا: منفذ عملية الطعن شاب مغربي    موديز تخفض تصنيف تونس من "ب أ 3" الى "ب 1" مع افاق سلبية    توفيق بوعشبة: أقول وداعا لحزبي "نداء تونس" وأنا مستقل الآن الى حين قد يطول ..وقد لا يطول    رئيسة الحزب التونسي ل"الصباح نيوز": رفعنا قضية ضد مدير الأمن الرئاسي ووزير الداخلية لهذه الأسباب    رئيس دائرة الانتاج الحيواني بسيدي بوزيد: توفر أكثر من 300 ألف رأس علوش والحالة الصحية لقطيع الأضاحي مستقرة    قفصة: شركة النقل القوافل تدعم خطوطها بسفرتين جديدتين الى سوسة وصفاقس    بالصورة: رامي عياش وزوجته في لقطة رومنسية جداً    ''ذا فويس'' يستعد للعودة بقوة...انضمام هذين النجمين مفاجأة الموسم الجديد    السعودية تدعو لتحري هلال ذي الحجة يوم الاثنين    الصحة: تسجيل 58 حالة ملاريا بين الحجاج القادمين من 8 دول    كاتب مذكرات ترامب يتوقع استقالته: رئاسته انتهت    بطاقة دفع إلكتروني جديدة لفائدة السياح    بعد أزمة المخدرات: تضارب في الأنباء وكندة علّوش تطلق تصريحها الأول    برشلونة يكرم ضحايا "مجزرة الدهس" على طريقته الخاصة    بالصور: زوجة تثير جدلا واسعا بوضعها قائمة أسعار مقابل تقديم خدمات لزوجها    يسرى محنوش تتألق في اختتام مهرجان بنزرت الدولي    جرحى بحادث دهس في سيدني    بطاقات إيداع بالسجن ضدّ 3 متهمين بالتفويت في عقارات مصادرة    طقس السبت:حرارة مرتفعة مع ظهور الشهيلي    78عادوا للتمارين عشية اليوم: هذا ما وعد به سليم الرياحي اللاعبين    هذا موعد عيد الأضحى المبارك حسب المعهد الوطني للرصد الجوي    أراد بعضهم استهداف المنصة الشرفية.. شجار بين الفرسان يجبر وزير الثقافة على الانسحاب من مهرجان الفروسية ببوحجلة    أونجي الفرنسي يرفض التعاقد مع بلايلي بسبب فشله في الفحص الطبي!    محمد منير في الحمامات: انا تونسي العشق    معهد الرصد الجوي يعلن عن تاريخ عيد الاضحى لهذا العام    بورصة تونس تواصل ارتفاعها للأسبوع الرابع على التوالي    بالفيديو: مفتي أستراليا يتحدث عن مبادرة السبسي حول الميراث والزواج من غير المسلم    عصام الشابي: الحكومة غير جاهزة للإنتخابات البلدية ولابد بالتعجيل بتكوين "حكومة الشاهد 2"    تخصيص نسبة من مداخيل كل مقابلة رياضية لخلاص معاليم حفظ النظام ومعاليم الحماية المدنية    ميسي ''يجمد'' توقيع عقده...وبرشلونة في ورطة    موزعات الأوراق المالية في تونس تتوقف ساعة يوميا    أمريكا: كسوف الشمس لمدة 150 ثانية سيسبب خسائر ب 700 مليون دولار    المهرجان الدولي لفلم الهواة بقليبية: ندوة اصلاح قطاع السينما والسمعي البصري    العسل.. أفضل علاج للهالات السوداء    وزارة الفلاحة تؤكد سلامة بيض الاستهلاك المنتج بمنشات التربية الخاضعة للمراقبة الصحية    جدل حول تسمّم مادّة البيض و إتلاف كميات كبيرة في أوروبا، وزارة الفلاحة توضّح    ''أمل جديد'' لمرضى التهاب المفاصل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.