سقوط مقترح تكوين لجنة تحقيق في شبهات فساد طالت سهام بن سدرين    إتفاق بإعادة فتح معبر راس جدير بين تونس وليبيا … وهذه تفاصيله    الترجي الرياضي: التشكيلة الأساسية أمام الدفاع الحسني الجديدي المغربي‎    هكذا سيكون طقس يوم الأربعاء 18 جانفي 2017    الوسلاتية: الثلوج تغطي المرتفعات    الشاهد يشارك في اشغال الدورة 47 للمنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"    منظمة الدفاع عن المستهلك ل"الستاغ": استرجعوا ديونكم لدى كبار المستهلكين.. وأجلوا الزيادة...    تونس تحتضن مهرجان المسرح العربي    تحقيقات بريطانية: ارهابي عملية سوسة "سار لأكثر من كيلومترين" قبل القضاء عليه    بينهم 95 امرأة.. تسجيل 111 حالة إتجار بالبشر في تونس منذ سنة 2012    وزارة التجهيز : فتح عدة طرقات بمعتمدية عين دراهم لتسهيل حركة المرور    ماذا في لقاء رئيس الجمهورية برئيس حركة النهضة؟    اقليم الحرس بقابس يحبط عمليات تهريب بقيمة 176 الف دينار    بالصور: هؤلاء هم شركاء إرهابي اسطنبول    كرة قدم: فريق الإدارة الجهوية لاتصالات تونس بتونس بطل دورة ′′عيد الثورة والشباب′′    النادي الإفريقي: هل يتأجل تربص المنستير بسبب المستحقات المادية للاعبين ؟    اتفاقية شراكة لترسيخ الوعي البيئي لدى المواطنين    بعد تصريحه العلني الجارح بحقها.. أصالة تتعالى عن إهانة جورج وسوف    توقيع عقد تعاون تونسي إيطالي لتطوير المؤسسات الصغرى والمتوسطة    جامعة الجريء تحرم الصحفيين التونسيين من متابعة تمارين المنتخب    هيئة النادي الصفاقسي تلغي تربص البحرين    البرلمان الاوروبي يختار رئيسا جديدا في انتخابات صعبة    هذا هو الفيديو التي كشف عن مخبأ مهاجم اسطنبول!    نشوب حريق ضخم في أنبوب لنقل البترول بالجزائر    رسالة خاصة الى رئيس الجمهورية من نظيره النيجيري    منزل بورقيبة: شاب يعتدي على نفسه بآلة حادة من اجل التشغيل    نحو إنجاز الطريق السيارة بين تونس والجزائر    مواصلة توريد السيارات الشعبية هذا العام مع تسهيلات جديدة لاقتنائها    وزير الصناعة والتجارة : برنامج توريد السيارات الشعبية سيتواصل في سنة 2017    الزيادة في تعريفة الكهرباء والغاز وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطن: الستاغ توضح    في حملات امنية للشرطة البلدية.. 121 عملية حجز وتحرير 140 مخالفة صحية    يوسف السرايري يدير أول مبارياته في ال"كان"    في افتتاح حصة الثلاثاء.. "توننداكس" يتراجع بنسبة 3,03 %    حركة مشروع تونس تعلن ''مقاطعتها لاجتماعات الأحزاب الدّاعمة للحكومة''    سجنان: إيقاف صائغي في حقه 40 منشور تفتيش من اجل اصدار شيكات دون رصيد    بين دفئ المسرح وثلوج الكاف العالي.. اختتام مهرجان «التسيرا « للمونودرام بالقصور    مهرجان "سيكا للسينما التونسية" بالكاف في دورته الاولى    معركة سرت.. 2500 جثة لعناصر "داعش" ومئات أخرى تحت الأنقاض    حادث جبل الجلود: رفض الإفراج عن سائق الحافلة    تزويد مدينة عين دراهم بالغاز والمواد الغذائية    بالصور: زفاف عمرو يوسف وكندة علوش    هذه كميات الأمطار والثلوج المسجلة منذ يوم أمس    الاتحاد الأوروبي يرفض نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس    دراسة: الجري مفيد للدماغ ويحمي من الخرف    الطفل في مدونة كتاب جندوبة    بالفيديو: فحص شامل لهند صبري أمام جمهورها    "كيا موتورز" تُصدر بلاغا بخصوص وضع علامتها الاشهارية على عباءة بالألوان التونسية    إتهامات بالفساد لماجدولين الشارني: وزارة الرياضة تفتح تحقيقا    كان الغابون 2017 :التشكيلة الأساسية للمنتخب أمام السينغال    رأيي في د.عدنان ابراهيم    انعقاد الدورة السادسة لمجموعة العمل المشترك التونسية-الهندية في مجال الادوية والمواد الصيدلية    المنستير: حجز وإتلاف أربعة عصافير مورّدة من فرنسا    فحص دم يتنبأ بالنوبة القلبية قبل 7 سنوات من حدوثها    بنغلادش: القضاء يأمر الأطباء بالكتابة بخط مقروء    في الإرهاب والترهيب    إنسانية المسلم    مصرية تخلع زوجها والسبب غير متوقع!    بالفيديو: عبد الفتاح مورو: أحذيتكم إيطالية وساعاتكم سويسرية والمسلمون يأكلون من صنع غيرهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.