القيروان من عاصمة الثقافة الإسلامية الى عاصمة الانتحار    الشاب خالد: مستمر في الغناء واعتزالي شائعة    محمّد الناصر يقدّم الورود للعاملات بالمجلس والنوّاب من النساء بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى للمرأة    أم عسير والقطّ الكبير!    الهيئة المديرة للنجم الساحلي تعلن عن تعليق نشاط فريق أكابر كرة القدم مؤقتا    بن قردان : العثور على 26400 خرطوشة    الشراردة: انتحار طفل السابعة اساسي    التوقعات الجوية لهذه الليلة ونهاية الاسبوع    7 و 8 أفريل القادم.. السبسي في فرنسا    احتقان في ''نداء تونس'' بسبب نبيل القروي    الاستماع الى رضا صفر في قضية تهريب أحمد الرويسي    بوتين يقلص راتبه ورواتب عديد المسؤولين الروس    يوسف الصديق: ''مسألة المساواة بين المرأة و الرجل في الميراث من مسائل الفكر''    بعد اصابة عدد من التلامذة بالطفح الجلدي: زيارة ثانية لوفد طبي للمدرسة الاعدادية " الزملة " بحفوز    سدٌ وادي الكبير بقفصة سيكون جاهزا للاستغلال في مارس 2016    الشبيكة:حجز حوالي 30 بدلة عسكرية بين ملابس مستعملة    بعد أحداث صفاقس: احالة عشرين محاميا على التحقيق    المصادقة على اتفاقية الضمان بين تونس والمؤسسة الدولية الاسلامية لتمويل التجارة    ماذا همس الباجي قايد السبسي في أذن مادلين اولبرايت ؟؟؟    تسجيل 120 إصابة ب"البوصفير" منذ غرة جانفي.. ووزارة الصحة تتحرّك    يوسف الصديق : مسالة المساواة في الميراث هي مسالة حق أدافع عنها    مجلس نواب الشعب: المصادقة على قانون يعفي مواطني المغرب العربي من دفع معلوم مغادرة تونس    وصلت 34 ملم بعين دراهم.. هذه كميات الأمطار المتساقطة بعدد من مناطق البلاد    5 سنوات سجنا ضد المتهمين بحرق "مقام السيدة المنوبية"    تعيينات حكام الرابطة 1: أمير لوصيف حكما لكلاسيكو الإفريقي والسي أس أس    أريانة: إصابة 13 شخصا في اصطدام حافلة بسيارة للنقل الجماعي    الرابطة الأولى.."كلاسييكو" الافريقي والصفاقسي يثير اهتمام الملاحقين    الصادق شورو: تأويلات التكفيريين في فهم الدين فاسدة    ام العرائس : إيقاف الدروس في مؤسستين تربويتين بسبب احتجاجات تلمذية    فلة الجزائرية: سأظل واقفة على رجلي حتى أموت ولن أدفع مهما حصل    المركز الثقافي "المسار" يغلق ابوابه !    عودة بوسي لعصمة نور الشريف والسبب ابنتهما سارة    نحو توفير الادوية لفيروس ‘'البوصفير'' صنف ‘'ج ‘' في تونس    10 الاف حالة وفاة سنويا بسبب التدخين    عارضة أزياء سعودية ملقبة ب"باربي الخليج"    الصيد يضبط رزنامة المجالس الوزارية الخاصة بمختلف الجهات    اليوم اجتماع مكتب الرابطة.. وأبرز العقوبات في انتظار جنيح وبونجاح    القبض على شاب خطف سيارة أجنبي على متنها رضيع    داعش يدمر مدينة نمرود الأثرية في الموصل بالجرافات    الجلوس لساعات طويلة يوميا يزيد الإصابة بأمراض القلب    وزير الشباب والرياضة: تصريحات سليم الرياحي خاطئة وما تجيش    في علاقة بمخزن الأسلحة ببنقردان : القبض على مجموعة إرهابية على صلة بالموضوع    وزير الفلاحة: تونس تصنف وفق المؤشرات الدولية تحت خط ندرة المياه    "الطاس" ترفض طعن الجامعة في قرارات "الكاف"    اتفاقية شراكة بين اتحاد الفلاحين و«هبرة القابضة»    «داعش» وأخواتها: إرهاص الخَبَل الفقهفكري الموروث (2)    إصابة الممثل الأمريكي هاريسون فورد بجروح خطيرة إثر تحطم طائرته    للحدّ من تأثير الفيضانات على بوسالم والكاف:174 مليارا لإنشاء سدّ ملاق الجديد    دعا إلى تسريع وتيرة النموّ الاقتصادي:صندوق النقد الدولي منشغل بتأخّر انطلاق الإصلاحات في تونس    وكيل أول بالديوانة يضرم النار في زوجته    المبعوث الأممي إلى ليبيا: تشكيل حكومة وحدة والملف الأمني على رأس أجندة حوار المغرب    الترجي الرياضي: دي مورايس «فهمها صح»    وفاة الفنان السوري عمر حجو    ترتيب تونس ضمن قائمة أفضل مدن العالم    اليوم في قفصة: ندوة حول المطالعة والإعلام    مجلس النواب يصادق على مشروع القانون المتعلّق باتفاقية قرض بقيمة 30 مليون دينار كويتي    ردّا على "الإسلاموفوبيا".. فيديو عن سماحة الإسلام ب 16 لغة    وزارة التجارة تحدد أسعارا جديدة لبيع البصل الجاف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.