تونس تعلن عن ما تم بيعه من الاملاك المصادرة    النائبة اكرام مولاهي توضّح ما ورد في "الرسالة الغريبة " التي تلقتها    تونس ثاني بلد مصدّر للمنتوجات الفلاحيّة البيولوجيّة في إفريقيا    المطوية ومارث: حجز بضائع مهرّبة قيمتها المالية 334 ألف دينار    الشاذلي العياري: "الإقتراض شرّ ضروي"    مارتن شولز يكشف عن موقف الاتحاد الأوروبي من التدخل العسكري في ليبيا    "المساكني" يقترب من نادي "شانغاي" الصيني    خلال زيارته لولاية بنزرت:وزير التجارة يعبر عن عدم رضاه عن نتائج المرحلة الاولى من برنامج تأهيل مسالك التوزيع    الإعلان عن عودة صدور مجلة "فنون" بصفة منتظمة    رئيس الجمهورية يلتقي رئيس الحكومة    البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليون دولار لمواجهة الإرهاب في ليبيا    وزارة الدفاع تعلن عن تاريخ انطلاق التسجيل لأداء الخدمة العسكرية للشبان بين ال20 و35 سنة    مباشرة مع الملعب القابسي من باماكو.. اليوم تدريب في الملعب الرئيسي وغدا الاجتماع الفني للمباراة    تركيا.. ارتفاع أسعار الحمير بسبب زيادة الطلب على حليبها    مجهولون يسلبون رجل أعمال إيطالي 100 ألف دينار في منزل تميم    تونس- المصادقة على اتفاقية قرض تسهيل التصحيح الهيكلي للمالية العمومية    مورو يسقط الدعوى في حق الشخص الذي اعتدى عليه بكأس    سليم شاكر: التفويت في 12 مليون سهم مصادر لن تكون لها عائدات كبيرة لفائدة الدولة    ماذا في الندوة الصحفية للنادي البنزرتي؟    جماهير بوروسيا دورتوند تحتج على غلاء التذاكر بإلقاء كرات تنس    أيمن عبد النور ضمن قائمة فالنسيا لمواجهة برشلونة    أبرز اهتمامات الصحف التونسية ليوم الأربعاء 10 فيفري    ترامب وساندرز يفوزان بالانتخابات التمهيدية في نيوهامشير    لا يزال يطارد فوزه الأول في سنة 2016: فشل جديد لمالك الجزيري أمام الاسباني مارسيل جرانويرس    طبربة: وفاة كهل واصابة راكب اخر في اصطدام سيّارة بدرّاجة ناريّة    الإدارة العامة للديوانة: حجز أسلحة بحوزة مواطن بلجيكي كانت عملية استباقية    بن عروس: حجز بضائع مُهربة قيمتها 400 ألف دينار    المنيهلة.. القبض على عصابة مختصّة في سرقة المنازل    الحكم ب12 سنة سجنا لشقيق سنية بن تومية    لجنة الاستئناف تؤجّل النظر في ملف العكايشي    الداخلية ترفض طلب النادي الإفريقي حضور 55 ألف متفرج لمباراة "تاندا"    أحمد العكايشي شرطي في "حالة عادية"    "البوكر" للرواية تعلن قائمتها القصيرة للجائزة لعام 2016    "غوغل" تتبرع ب 25 ألف كمبيوتر للاجئين في ألمانيا    يهمّ تلاميذ الإعدادي والثانوي.. إجراءات جديدة عند غياب الأساتذة أو في الساعات الجوفاء    التمديد في آجال التسجيل ببرنامج السكن الإجتماعي إلى 19 مارس المقبل    هزة أرضية بقوة 4.7 ريشتر في الجزائر    الحبيب الصيد: التدّخل الأجنبي في ليبيا سيكون له انعكاسات سلبية على تونس    نحو اعتماد هذا الاجراء: تفاصيل وشروط إبدال السيارات القديمة بأخرى جديدة    نابل: إيقاف شخص ثان خلال عملية حجز الأسلحة والذخيرة    حكومة طرابلس تُهدّد بغلق الحدود مع تونس    البرلمان الفرنسي يصادق على إدراج إسقاط الجنسية في الدستور    سمير صبري يؤكد: سعاد حسني قُتلت لهذا السبب    قبول 12 عرضا ضمن المسابقة الرسمية لايام قرطاج الموسيقية    فكرة ضد السائد    التعددية الثقافية وواقعنا..!‎    مجلس نواب الشعب يصادق على قرضين من البنك الإفريقي للتنمية لتمويل مشاريع طرقات في 20 ولاية    وزير التجهيز: تونس تحتاج لتمويلات خارجية لمد شبكة الطرقات وتعصيرها    الإبقاء على نوفل الورتاني بحالة سراح بعد الاستماع إليه لساعتين    هند صبري: فخورة إني أول ممثلة عربية يتم اختيارها في مهرجان ‘روتردام السينمائي'    أكبر شركة سياحية في العالم تُؤكد إنخفاض حجوزات الصيف في تركيا بنحو 40%    الموت يُغيّبُ عالم الفيزياء التونسي كارم محمود بوبكر    لماذا يلجأ التونسيون إلى «الطبّ الرّعواني» ؟    كولومبيا تعلن إصابة أكثر من 3100 امرأة حامل بعدوى زيكا    البعوض الناقل لفيروس ''زيكا'' غير موجود بتونس    "النهج المقاصدي في الإسلام اتبعه الرسول وهو الوسيلة الفضلى للتعامل مع المستجدات" (الصادق المهدي)    بعد تكاثر "القوارض" وتفشي "القمل" والتخوف من فيروس "زيكا".. وزارة الصحة تتحرك    صور نادرة لزعماء ومسؤولين كبار في طفولتهم وشبابهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصحيح مقاصد المكلّف: النية أولاً 2/5
نشر في الحوار نت يوم 28 - 05 - 2010


2) مكوّنات النية:
إنّ الترابط بين النيّة والعمل متين، ولا انفكاك بينهما، فمنها تنبعث إرادة الفعل، وهذه الإرادة تحتوي القدرة على إحداث الفعل والتوجّه إلى تجسيد هذه القدرة في حركة موضوعيّة. إنها تفرض نشاطا خارجيا معيّنا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن، فالإرادة هي ابتداء تخطيط للعمل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة. فالإرادة هي بالمعنى الحقيقي الذي يوضحه القرآن الكريم، أن تتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل- «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة» (التوبة/46) وهكذا نجد أن النيّة لا تقتصر على أنها تدعو للعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب بل إنها تحتويه كنطفة إن لم يكن وليدا. (محمّد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن).
كما أن النيّة لا تنفكّ عن الباعث والدّافع من جهة، والغاية والهدف من جهة أخرى، ممّا يعني مركزيّة القصديّة والهدفيّة في النيّة. وما يعني أيضا أنه لا يكفي إسلاميّا، حصول الفعل، وإنما لا بدّ من مطابقته للشرع الإسلامي من جهة أولى، وأن يقصد به وجه الله تعالى من جهة ثانية. وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن تيمية في تعريفه للعمل الصالح من أنه ما كان خالصا صوابا. وقد روى في كتابه «الحسبة» قول الحسن البصري رضي الله عنه: «لا يصلح قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السُنة». ولذلك كانت الرقابة الإلهية متوجّهة إلى القلب الذي من المفروض فيه أن يكون محط النية الحسنة، وإلى العمل الذي من المفروض فيه الانضباط والالتزام بالنص في الظاهر والمآل. فهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). ولئن كانت إمكانية انحراف العمل عن جادّة الحق أوضح من أن يشار إليها، فإن إمكانية انحراف النوايا هي أدقّ من أن تُلاحظ خصوصا إذا ما كان الفعل مقبولا في ظاهره. ولذلك جاء التوجيه الإلهي باجتناب كل أصناف الفواحش الظاهرة والباطنة: «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (الأنعام/ 151).
وبناء على ما تقدم، يتأكد أن النية تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينية وثلاثة فحسب:
أ‌- تصور للفعل.
ب‌- إرادة إحداثه.
ت‌- إرادته بالتحديد على أنه عمل تعبدي وفيه تقرب إلى الله وقيام بواجب. (انظر: محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن).
3) حضور الوعي:
النية واجبة عند كل فعل، والأفعال لا تقوم ولا توجد إلا بالنيّات كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، ومعنى هذا أنّ كلّ فعل متسرّعٍ انفعالي لا واعٍ لا قيمة له. كما أنه واجب تجاوز هذه المسلكيّة الفاقدة لكل قيمة إيجابيّة بتأكيد التعقل وبحضور الوعي مع كل فعل، مما يعني تقليب الأمر على كل أوجهه من حيث الإمكان الموضوعي، ومن حيث المقدرة والاستطاعة، ومن حيث المشروعيّة والخيريّة، ومن حيث العزم وإرادة الإحداث، ومن حيث القصد والوجهة. فحضور النيّة حضور للوعي وتجاوز لمنهجية ردود الأفعال. إنّ الانفعاليّة، هي التي يفقد الإنسان معها وضوح الرؤية وسلامة الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار والمواقف والظواهر. وقد أمرنا شرعا بالتعامل الموضوعي مع كل ذلك، فلا يتملكنا اليأس عند الخسارة، ولا البطر عند الغلبة والمكسب «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (آل عمران/ 153). كما أنّ في التأكيد على وجوب النيّة عند كل فعل تأكيد على سابقيّة الإضمار، حتى يُدرك الإنسان أبعاد ما هو مقدم عليه، وحتى يتحمل تبعات موقفه كاملة، فالنية تحمّلٌ للمسؤولية إزاء ما يأتي وما يترك على ضوء إدراكه للواقع وحكمه المعياري عليه وعلى ضوء تحديده للمهام المطروحة.
فالنية بما هي تعقل توفر ما يتطلبه الإسلام من حضور للوعي فيما نقول وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصوّر أداء واجباتنا المقدّسة ونحن في حال شرود أو إغماء أو سكر، «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (النساء/ 43). والنية بما هي اقتران بين الفعل والقصديّة فإنها توفر رضا القلب وتلقائية الفعل، والهمّة التي يُؤدّى بها الواجب، تلكم الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله وإنّ الذين يقدّمون بعض الصدقات أو بعض شعائر التقوى كسالى مرغمين لن تقبل أعمالهم عند الله «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون» (التوبة-54). والنيّة بما هي حضور للوعي توفر الالتزام بالشرعية والانضباط عند التحقيق والفعل بمقتضى الأمر والنهي الشرعييْن.
وإذا كانت ميولات المسلم وأعماله خالصة لله وحده فليس عيبا في الوقت نفسه أن يميل المسلم ويختار الدّنيا ليصيبها والمرأة لينكحها، وإنما العيب أن تكون هجرته إليهما، أي أن تكون الدنيا مقصدَه وغايته الأساسية وملجأه في الحياة ومبتغاه الأوّل والأخير، إذ إنّ إصابة الدنيا ونكاح المرأة جزء من إقامة هذه الحياة وليست كلها، كما في قوله تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص/ 77) وما يشوب هذا النصيب من الدنيا هو أن يتحوّل من مستوى الوسائل التي يستعان بها على إقامة الحياة، إلى أهداف مطلوبة لذاتها.
كاتب وباحث من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.