عاجل : مسيرة للمطالبة بإيجاد حلول نهائية للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء    سبيطلة : القبض على مجرمين خطيرين    شبهة فساد بال'ستاغ': الاحتفاظ بمعتمد واطار بنكي بهذه الولاية    قراءة في أعمال ومحامل تشكيلية على هامش معرض «عوالم فنون» بصالون الرواق .. لوحات من ارهاصات الروح وفنطازيا الأنامل الساخنة    الدورة 6 لمهرجان «تريتونيس» بدقاش ..خيمة للإبداع وورشات ومعارض وندوة علمية وكرنفال    «أيام نور الدين شوشان للفنون المسرحية» دورة فنية وأدبية بإمكانيات فردية    فقدان 23 تونسيا شاركو في عملية ''حرقة ''    صفاقس اليوم بيع تذاكر لقاء كأس تونس بين ساقية الداير والبنزرتي    تحذير: عواصف شمسية قوية قد تضرب الأرض قريبا    كرة اليد: الاصابة تحرم النادي الإفريقي من خدمات ركائز الفريق في مواجهة مكارم المهدية    الليلة الترجي الأهلي في رادس...الانتصار أو الانتصار    مدير عام الغابات: إستراتيجيتنا متكاملة للتّوقي من الحرائق    بنزرت .. إجراءات لمزيد تعزيز الحركة التجارية للميناء    قانون الفنان والمهن الفنية ...مشروع على ورق... هل يغيّر وضعية الفنان؟    بلاغ مروري بمناسبة مقابلة الترجي والأهلي    خبير في التربية : ''تدريس الأولياء لأبنائهم خطأ ''    وزارة الصناعة : ضرورة النهوض بالتكنولوجيات المبتكرة لتنويع المزيج الطاقي    المنستير: إحداث أوّل شركة أهليّة محليّة لتنمية الصناعات التقليدية بالجهة في الساحلين    بنزرت: جلسة عمل حول الاستعدادات للامتحانات الوطنية بأوتيك    صفاقس: المناظرة التجريبية لفائدة تلاميذ السنوات السادسة    بنزرت .. مع اقتراب موسم الحصاد ...الفلاّحون يطالبون بفك عزلة المسالك الفلاحية!    سليانة .. انطلاق موسم جني حب الملوك    بسبب الربط العشوائي واستنزاف المائدة المائية .. قفصة تتصدّر خارطة العطش    كأس تونس: النجم الساحلي يفقد خدمات 4 لاعبين في مواجهة الأهلي الصفاقسي    تضم منظمات وجمعيات: نحو تأسيس 'جبهة للدفاع عن الديمقراطية' في تونس    الحماية المدنية: 8 وفيّات و 411 مصاب خلال ال 24 ساعة الفارطة    هذه القنوات التي ستبث مباراة الترجي الرياضي التونسي و الأهلي المصري    ليبيا: إختفاء نائب بالبرلمان.. والسلطات تحقّق    عاجل/ القسّام: أجهزنا على 15 جنديا تحصّنوا في منزل برفح    ''غرفة المخابز: '' المخابز مهددة بالإفلاس و صارت عاجزة عن الإيفاء بإلتزاماتها    نهائي دوري ابطال إفريقيا: التشكيلة المتوقعة للترجي والنادي الاهلي    طقس اليوم: أمطار و الحرارة تصل إلى 41 درجة    والدان يرميان أبنائهما في الشارع!!    ضمّت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرا في السينما العربية في 2023    جرجيس: العثور على سلاح "كلاشنيكوف" وذخيرة بغابة زياتين    ألمانيا: إجلاء المئات في الجنوب الغربي بسبب الفيضانات (فيديو)    قانون الشيك دون رصيد: رئيس الدولة يتّخذ قرارا هاما    إنقاذ طفل من والدته بعد ان كانت تعتزم تخديره لاستخراج أعضاءه وبيعها!!    5 أعشاب تعمل على تنشيط الدورة الدموية وتجنّب تجلّط الدم    قابس: تراجع عدد الأضاحي خلال هذه السنة مقارنة بالسنة الفارطة (المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية)    كاس تونس لكرة القدم - نتائج الدفعة الاولى لمباريات الدور ثمن النهائي    مدرب الاهلي المصري: الترجي تطور كثيرا وننتظر مباراة مثيرة في ظل تقارب مستوى الفريقين    الكاف: انطلاق فعاليات الدورة 34 لمهرجان ميو السنوي    منوبة: إصدار بطاقتي إيداع في حق صاحب مجزرة ومساعده من أجل مخالفة التراتيب الصحية    وزير الصحة يؤكد على ضرورة تشجيع اللجوء الى الادوية الجنيسة لتمكين المرضى من النفاذ الى الادوية المبتكرة    نحو 20 بالمائة من المصابين بمرض ارتفاع ضغط الدم يمكنهم العلاج دون الحاجة الى أدوية    تضمّنت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرًا في صناعة السينما العربية    القدرة الشرائية للمواكن محور لقاء وزير الداخلية برئيس منظمة الدفاع عن المستهلك    معلم تاريخي يتحول إلى وكر للمنحرفين ما القصة ؟    غدا..دخول المتاحف سيكون مجانا..    خطبة الجمعة...الميراث في الإسلام    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يدعم انتاج الطاقة الشمسية في تونس    منبر الجمعة .. المفسدون في الانترنات؟    ملف الأسبوع...المثقفون في الإسلام.. عفوا يا حضرة المثقف... !    التحدي القاتل.. رقاقة بطاطا حارة تقتل مراهقاً أميركياً    منها الشيا والبطيخ.. 5 بذور للتغلب على حرارة الطقس والوزن الزائد    مفتي الجمهورية : "أضحية العيد سنة مؤكدة لكنها مرتبطة بشرط الاستطاعة"    عاجل: سليم الرياحي على موعد مع التونسيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الواحد اليحياوي («الحزب الجمهوري») ل«التونسية»:لهذه الأسباب يحاول البعض تطويع هيئة الحقيقة والكرامة
نشر في التونسية يوم 09 - 09 - 2015


ترتيبات 14 جانفي سمحت بالانقلاب على الثّورة
خطأ أحزاب اليسار عدم سدّ فراغ «الوسط»
قانون المصالحة مدخل لحكم رجال الأعمال
حوار: أسماء وهاجر
أين «الحزب الجمهوري» في هذه المرحلة التاريخية من المسار الثوري؟ هل اختار رمي المنديل بعد أن طفت بوادر فشل تجمع العائلة الديمقراطية الاجتماعية في جبهة موحدة لممارسة ما يصطلح عليه بالمعارضة البناءة والفاعلة أمام ائتلاف يميني قوي؟ ما حقيقة تشكل النظام القديم عبر اذرع النّظام السّياسيّ التّونسيّ الحالي؟ وهل صحيح أنّ مبادرة المصالحة تفتح الباب لعودة رجال أعمال تحوم شبهات حول ثرواتهم إلى الدّورة الاقتصادية خارج أطر وقنوات العدالة الانتقالية أم أن ذلك مجرد «فتوى» لادعاء البعض التمسك بالثورية في حين أنّ مبادرة المصالحة الاقتصادية قد تختصر جهدا وتعود بالفائدة على ميزانية الدولة؟ ماذا تخفي التعيينات الأخيرة للولّاة وهل أنّ حكومة الصيد في مستوى تحمل المسؤولية في ضوء الصعوبات التي تعترضها؟ هذه بعض الاشكاليات التي كانت موضوع حوار «التونسية» مع عضو المكتب السياسي ب«الحزب الجمهوري» والمحامي الاستاذ عبد الواحد اليحياوي المعروف بآرائه الجريئة.
لماذا خفت بريق «الحزب الجمهوري» ؟
- لا شك أن «الحزب الجمهوري» يعرف حالة من الضعف المؤقت باعتباره قد خرج من تجربة الأربع سنوات بعد الثورة منهكا من الناحية السياسية والرمزية، وهو ما أكّدته نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية، ويبدو أن السبب الرئيسي لذلك مجموعة الأخطاء السياسية التي ارتكبها الحزب خاصة في علاقة بهويته السياسية باعتباره كان الحزب الأبرز في النضال ضد الاستبداد، وهي الصورة التي تم تأسيسا عليها تقييم الصوت السياسي للحزب بعد الثورة فبدت قراراته كنوع من التخلي عن المسار الثوري من أجل الاستيلاء على النظام السابق وممارسة السلطة بواسطته. وقد مثل دخول الحزب حكومة الغنوشي تعبيرة عن قطيعة في الخط السياسي، ووقع تفسير ذلك بالطموح الشخصي للزعيم التاريخي للحزب السيد نجيب الشابي. ذلك القرار جلب للحزب مجموعات سياسية مختلفة عن توجهاته التاريخية، وتعزّز ذلك بعملية الاندماج الفاشلة مع مجموعة أحزاب حيث أثر ذلك على هوية الحزب السياسية وجعل قراراته رهينة توازنات داخلية بين أطراف متناقضة فكريا وسياسيا، وقد تزامن كل ذلك مع حالة استقطاب سياسي حادة بأبعاد إيديولوجية متناقضة تخفي نفس التوجهات الاقتصادية والاجتماعية ممّا جعل الصراع على الساحة السياسية بين يمين محافظ ويمين ليبرالي، ممّا أضعف كل تيارات اليسار والوسط.
إنّ ضعف «الحزب الجمهوري» هو في النهاية ضعف اليسار الديمقراطي الاجتماعي في مفارقة تاريخية باعتبار أن الثورة نادت بمطالب ديمقراطية واجتماعية وأنّ التونسيين صوتوا لليمين نتيجة هاجس أمني أساسا، ورغم هذا الضعف، فان «الحزب الجمهوري»، برمزيته يبقى مرشحا للقطع مع هذا الواقع وهو الآن بصدد إعادة البناء من خلال عملية نقل ذاتي للمرحلة السابقة، وإعادة التأسيس داخل الخطاب التاريخي للحزب الذي جعل منه أحد اهم الأحزاب المؤثرة في تاريخ تونس، وهو يتجه الآن إلى مؤتمره القادم بانفتاح على جميع التونسيين وبخطاب سياسي واضح، بخلفيته الفكرية المعروفة كحزب ديمقراطي اجتماعي.
هل تكون محاولات تقرّبه من «النهضة» في مرحلة ما وخاصة أثناء الانتخابات الرئاسية وراء حالة ضعفه؟
- «الحزب الجمهوري» لم يكن في يوم من الأيام قريبا من «النهضة». هذه الفكرة مستمدة أساسا من تجربة 18 أكتوبر وورقاتها السياسية والفكرية والتي تمثّل احدى تعبيرات هوية الحزب الديمقراطي التقدمي.
الحزب دافع دائما عن ديمقراطية جامعة لكل التونسيين بما في ذلك الاسلاميين ومن هنا يأتي الالتباس التاريخي فدفاع الحزب عن حق حركة «النهضة» في العمل السياسي لا يعني أنه يحمل نفس مشروعها ويتذكر الجميع التنافس بينهما بعد الثورة كأكبر حزبين في البلاد، ولكن ذلك التنافس انزلق الى نوع من الصراع الثقافي على مفاهيم الدين والهوية والنمط المجتمعي عوض أن يكون على البرامج الاقتصادية والاجتماعية.
و هذا الصراع أضر بالحزب في مجتمع يستمد أفكاره وتصوراته من الإسلام كرأسمال رمزي محدد للنظرة للدولة، وللحياة.
اتهم الحزب أيضا بتقرّبه من ورثة النظام السابق، وقد مثل التحالف مع «نداء تونس». - على الرغم مما أبداه الحزب من استقلالية داخل هذا الالتقاء - خطأ سياسيا وكرس صورة الاستقطاب بين حركة «النهضة» وحركة «نداء تونس» وصار تفسير أي التقاء في المواقف بأنه تقرّب من أحد الطرفين.
الخطأ الأساسي للحزب وكل أحزاب اليسار والوسط عدم قدرتها على سدّ فراغ الوسط وتقديم خيارات جديدة للتونسي خارج الاستقطاب السياسي بين «النهضة» و«النداء». كما أن ذلك تعزز بصورة زعيم الحزب باعتبار أن مشروعه الوحيد هو الوصول الى السلطة وهي صورة خاطئة لان نجيب الشابي كان له طموح شخصي ولكن بمشروع قيمي وسياسي للتونسيين.
أحب أن أذكر أن نجيب الشابي رفض مبادرة حركة «النهضة» حول مرشح رئاسي توافقي رغم أنه كان معنيا بها بدرجة أولى.
جاء في إحدى الاستقالات المنشورة لاحد القياديين في الحزب أنّ «الجمهوري» مازال متوقفا في تاريخ أكتوبر 2005ولم يستوعب التغييرات بعد ما رأيك؟
- على العكس تماما من التصريح المذكور فان الاخفاق الاساسي للحزب هو عدم قدرته على الاستثمار في خطه السياسي الاقرب للشخصية التونسية وقدرتها على بناء مشروع سياسي بقطع النظر عن تنوعها الفكري.
في مرحلة تأسيسية المطلوب فيها صياغة المشترك بين التونسيين وتنظيم ممارسة الاختلاف بينهم في اطار نص تأسيسي أي الدستور كان يتوقع للحزب الديمقراطي التقدمي الدور الأهم في ذلك ولكن الحزب اتخذ قرارات صادمة بالنظر لتاريخه النضالي الذي يؤهله لقيادة المسار الثوري بالانحياز للدولة وفكرة الدولة.
لقد بنى الحزب صورته لدى التونسيين على غرار صورة قادته خاصة نجيب الشاب ومية الجريبي على النضال ضد الاستبداد لذلك فان الشعب التونسي لم يتقبل الصورة الجديدة للحزب الذي قاده خطاب سياسي عقلاني الى اتخاذ قرارات تعتبر مضادة انذاك للواقع الثوري وقد كان التعبير العملي عن ذلك غياب الحزب عن القصبة I والقصبة II واعتبار ذلك نوعا من الاصطفاف وراء بقايا النظام السابق.
كان الحزب الاولى بقيادة المسار الثوري ولكنه اختار خطابا يراهن على العودة السريعة الى الدولة وائتمانها على مطالب الثورة خاصة وأنّ الثورة نفسها كانت حدثا شعبيا فاجأ كلّ الطبقة السياسية، وهو ما لم يتقبله التونسيون الذين ظلت توقعاتهم من الحزب مرتبطة بصورته النضالية والتي مثلت خطة 18 أكتوبر أهم تجلياتها.على الحزب أن يعيد التأسيس داخل تلك اللحظة كلحظة ديمقراطية اجتماعية.
قلت سابقا «إنّ النّظام السّياسيّ التّونسيّ اليوم هو نتيجة، أساسا، للمال المحلّي الفاسد والمال الأجنبيّ في تحالف مع طبقة من السّياسيّين ورجال الأعمال. هل لك أن توضح هذا الرأي؟ ألهذه الدرجة تنفي أي معنى لارادة التونسي؟
- لقد حرم الطابع العفوي للثورة التونسية وجود قوى سياسية قادرة على تأمين مرحلة الانتقال من الثورة الى دولة الثورة لذلك فان ترتيبات 14 جانفي مثلت وضعا يتسم بالغرابة اذ سمحت بفترة انتقالية يشرف على تسييرها النظام الذي قامت الثورة ضده بعد أن تخلص من الرئيس السابق وقرابته العائلية والسياسية في اطار اعادة تشكيل بنية النظام التحتية وبناء مؤسسات فوقية ذات خطاب يدّعي الانحياز للثورة في اللحظة التي منح الوقت للنظام القديم لإعادة التموقع بيروقراطيّا وسياسيا في البنية العميقة للدولة جاعلا كل محاولة لاحقة لتفكيكه دون جدوى.
مثلت ترتيبات 14 جانفي انقلابا على ثورة 17 ديسمبر بالانقضاض على شروط أيّ مسار ثوري ممكن وحرمانه من العناصر الموضوعية والذاتية لإنجاحه ومنح القوى السياسية والايديولوجية التي تدعي الثورية فضاء عاما وهميا للصراع عبر ما سمّاه سبينوزا بالجدل العقيم في اللاهوت والسياسة.
نعرف اليوم بعد 4 سنوات من الثورة أنه وقع الانقلاب عليها وأن اعادة انتشار سياسي ومؤسساتي سمحت بالسيطرة على المسار الثوري والتحكم فيه الى درجة أن عودة النظام القديم بجميع بنيته السياسية والذهنية بدت كنتيجة لتلك الديناميكة الثورية التي وقعت ممارستها على سطح الحراك السياسي بقدر ما سمحت به الدولة العميقة.
اشتغل النظام السابق طيلة المدة الفارطة بما في ذلك أثناء حكم «الترويكا» كتحالف بين المال الفاسد ولوبيات إعلامية مع العمل على اعادة تنشيط العلاقات الجهوية والعائلية واستقطاب التونسيين وقد ترافق ذلك مع فشل ذريع للطبقة السياسية التي كانت ممثل المعارضة للنظام السابق والتي اثبتت سياسيا وأخلاقيا أنها لا تختلف عن الطبقة التي كانت في الحكم.
تقوم الديمقراطية على فكرة أن الشعب دائما على حق لذلك فان خيارات التونسيين كان لها ما يبررها في الواقع اذ أن عودة النظام السابق جاء نتيجة لفشل القوى التي تدّعي الثورية وخاصة «الترويكا» – بعد أن منحها ثقته في 2011 – مع ملاحظة أن رأيا عاما مازال لم يتكون وأننا في وضع أقرب الى المزاج العام مما يجعل المال السياسي ووسائل الإعلام أكثر تأثيرا واختراقا للنظام السياسي.
أين وصل مشروع اجتماع العائلة الديمقراطية الاجتماعية؟
- أكدت انتخابات 2014 البرلمانية ضعف أحزاب العائلة الديمقراطية الاجتماعية وهو ما أفقدها الى جانب الحضور في مؤسسات الدولة ذلك الثقل السياسي والرمزي المستمد اساسا من النضال ضد الاستبداد ويبدو هذا الضعف اليوم في غير مصلحة الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة باعتبار أن تلك الانتخابات انتجت في السلطة تحالفا بين اليمين الليبيرالي واليمين الديني المحافظ بخيارات اقتصادية واجتماعية تعتبر مواصلة لنفس خيارات النظام السياسي الذي ثار التونسيون عليه.
وكان هناك اتفاق على أن من أسباب الفشل الانتخابي للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التشتت. فالأصوات التي حصل عليها «الحزب الجمهوري» والتحالف الديمقراطي المنحدر منه تساوي تقريبا الأصوات التي حصلت عليها «الجبهة الشعبية» والتي مكنتها من 16 مقعدا بينما تحصل كل منها على مقعد واحد. رغم هذا الواقع فان هذه الأحزاب لم تعد قادرة على التأسيس المشترك لأسباب ذاتية تتعلّق بالزعامات والتموقع السياسي.
ان رؤية «الحزب الجمهوري» كانت بناء جبهة سياسية بمؤسسات مشتركة ولكن غياب تقاليد العمل المشترك والاختلافات ذات الطابع الشخصي تعطل المبادرة وتجعلها تتقدم ببطء مما قد يغري بمحاولة بناء العائلة الديمقراطية الاجتماعية من خارج أحزابها.
في ضوء حاجات العمل السياسي اليوم تبدو فكرة تجميع العائلة الديمقراطية الاجتماعية أكثر من ضرورية خاصة في ظل فشل الخيارات النيو- ليبرالية للحكومة الحالية وبعد أن تأكد أن توجهات تقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية عبر سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي وخيارات ثقافية مستمدة من الهوية العربية الاسلامية ومنفتحة على الكوني هي الأقرب للتعبير عن حاجات وطموحات التونسيين.
إن الخيار الديمقراطي الاجتماعي اذا لم يقع التعبير عنه بواسطة أحزابه التقليدية سيعبّر عن نفسه عبر قوى جديدة وهذا ما يجب الانتباه اليه والا فانها ستجد نفسها على هامش الحدث السياسي وعلى هامش الفكر الديمقراطي الاجتماعي نفسه.
وفي هذا الاطار فان «الحزب الجمهوري» لأسباب تاريخية وموضوعية مؤهل أكثر من غيره ليكون قاطرة العمل السياسي للتيار الديمقراطي الاجتماعي.
سبق أن قُلتم إنّ قانون المصالحة ليس مجرد قانون.. وأنّه «حجر الزاوية في نظام جديد مسنود الى تحالف بين المال الفاسد والسياسة الفاسدة». هل تعتقد أن هيئة الحقيقة والكرامة قادرة على ضوء افرازات الواقع القيام بمهامها؟
- فعلا ان قانون المصالحة يعتبر حجر الزاوية لنظام جديد سيبدأ باعادة التركيبة السياسية داخل الحزب الحاكم «نداء تونس» لأنه سيسمح بعودة الطبقة السياسية القديمة التي ستستعيد الحزب من واجهته اليسارية ليصبح تعبيرة اساسية عن التيار الدستوري التجمعي، وهو التيار الذي يعتقد أنه أمّن الفوز الانتخابي للحزب وأنه آن الأوان لتصدر المشهد السياسي تطابقا مع ذلك الفوز الانتخابي لذلك فان قانون المصالحة سيكون مدخلا لسيطرة فئة من رجال الأعمال نهائيا على القرار السياسي وجعل النظام السياسي في خدمة أنشطتهم الاقتصادية.
لا بد من الانتباه الى أن قانون المصالحة يطرح كمبادرة تشريعية من رئيس الدولة - الرئيس السابق للحزب الحاكم - وهي تمثل أول نشاط تشريعي له رغم أن القانون محفوف بعدم الدستورية، ولا جدوى أكيدة له وهو ما يطرح عدة أسئلة خاصة اذا عرفنا أن الرئيس في النظام السياسي التونسي يمارس صلاحياته بمهمة اساسية وهي المحافظة على الدستور. ان ذلك يؤكد أن هذا القانون هو التزام تجاه داعمي الحزب الحاكم في انتخابات 2014 .
قلتم أيضا في كتاباتكم إنّ النظام السابق عاد سياسيا برافعة اقتصادية. هل يعني هذا إشارة إلى فشل الثورة؟ من المسؤول؟ ألا تتحملون جزءا في ذلك؟
- إن عودة النظام السابق لا تعني فشلا نهائيا للثورة بل أنها ظاهرة ارتبطت بتاريخ الثورات. الثورة الفرنسية مثلا عرفت التصفية المتبادلة بين القوى الثورية ثم انقضاض العسكر على السلطة بل وعودة الملكية. ان عودة النظام السابق لا تعني أنه سيكون قادرا على اعادة انتاج ممارسات العهد السابق لأن المجتمع أصبح أقدر على التصدي لتلك الممارسات ولكنّها تعني عودة للخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى مما يتطلب نضالا سياسيا سلميا ومدنيا من أجل مراكمة تفكيك بُنَى ذلك النظام وإحداث التغيير في أفق مطالب الثورة.
ان الثورة ستنجح حتما لأنها رفعت مطالب سياسية واجتماعية تندرج في سياق التطور التاريخي الكوني، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي سننتهي اليها بقطع النظر عن ارادة الأفراد.
هل تعتقدون أن مسار العدالة الانتقالية فشل في تونس بعد تكرر الاستقالات والاتهامات لشخص رئيسة الهيئة؟
- لقد منح الدستور هيئة الحقيقة والكرامة صلاحية الاشراف على مسار العدالة الانتقالية وهي تجد نفسها في مناخ سياسي غير ملائم باعتبار أن كثيرا من المعنيين بهذا المسار هم الآن في السلطة. وهذا يدفع الى مزيد التمسك بالهيئة باعتبار أن أيّة مراجعة لتركيبتها أو مهامها سيكون في إطار تطويعها من أجل جعل مسار العدالة الانتقالية مسارا شكليا هدفه إعطاء شرعية للإفلات من العقاب.
على المجتمع المدني والسياسي التمسك بهيئة الحقيقة والكرامة مع ممارسة رقابة مواطنية مدنية على السلط العمومية حتى توفر المناخ المناسب لأداء الهيئة لمهامها.
هل يمكن أن نتحدث عن معارضة فاعلة بعد انتخابات 2014 في ظل الائتلاف الحكومي الموجود؟
- رغم أن الحكومة تحظى بأغلبية برلمانية هامة فإنّ هذه الأغلبية تبدو هشة لغياب الانسجام في علاقة أحزاب الائتلاف الحاكم ببعضها. فحركة «النهضة» تضع ساقا مع الحكومة يعبّر عن ذلك خطابها الرسمي وساقا في المعارضة ويعبر عن ذلك السلوك السياسي لقواعدها، وحركة «آفاق» و«الاتحاد الوطني الحرّ» أقرب الى الشركات السياسية المتنافسة، وهما بتحالف الحزبين الكبيرين يفتقدان الى الأهمية التي تسمح لهما بالمشاركة الحقيقية في بناء سياسة الدولة، وهو الوضع الذي يوفّر هامشا لعمل المعارضة البرلمانية ولكن الضعف العددي وانقسامها يمثّلان عائقا ممّا يجعلها تجد صعوبة مثلا للحصول على نصاب 30 نائبا للطعن في عدم دستورية اي قانون صادر عن المجلس فيه شبهة الخرق للدستور وهو ما ظهر عند الطعن في القانون المحدث للمجلس الأعلى للقضاء. ان النتيجة المباشرة لضعف المعارضة البرلمانية هو انتقال المعارضة الى الشارع.و قد أكدت حملة « وينو البترول» حيوية الشعب التونسي وأن الشارع مازال خيارا أساسيا خاصة أمام حالة الاحباط السياسي وفقدان الثقة تجاه الطبقة الحاكمة والمعارضة معا.
لا يمكن للمعارضة أن تتجاوز ضعفها الّا بمزيد البناء على التقاطعات وأن تظل في تحالف دائم مع الشارع ومع المجتمع المدني.
نقدت في إحدى تصريحاتك التعيينات الأخيرة للولاة واعتبرت أنّ جوهرها ترضية «نداء تونس»، ما هي المعطيات الموضوعية التي استندت عليها في هذا التقييم ؟
- تكشف التعيينات الأخيرة للولّاة أن الحكومة لا تزال تشتغل طبقا لآليات تشكيلها اذ أن عملية تكوينها جاءت كمحاصصة ليس فقط بين أحزاب الائتلاف الحكومي وانما بالذات بين المكونات الداخلية لتلك الأحزاب وأساسا «نداء تونس».
لقد كانت التعيينات مواصلة لمنطق الترضية للأطراف القوية داخل أحزابها والتي يمكن ان تكون مواقفها محددة لاستمرار الحكومة، لذلك فقد توزع الانتماء السياسي للولاة بين الخطين الأساسيين داخل الحزب الحاكم أي اليسار والتيار الدستوري التجمعي ومراكز القوة داخل كل تيار مع مراعاة الشريك الثاني القوي تمثيليا حركة «النهضة».
إن منطق المحاصصة يقوم بالضرورة على استبعاد الكفاءات بالنسبة لمنصب حساس في واقع يتميز بعدم التوازن الجهوي وغياب أي أفق للتنمية.
بنفس سياسات الحكومة وبنفس منطق تشكيلها سيكون حضور الولاة في الجهات عامل فشل جديد في واقع اقتصادي واجتماعي دقيق وصعب.
لم نر منكم أي تقييم ايجابي لاداء الحكومة الحالية رغم الرضا عن أداء كل من وزير التربية ووزير الصحة هل هي المعارضة بمفهومها الاقصائي «لا» في كل الحالات؟
- تحمل هذه الحكومة مأزق تكوينها فهي لم تتشكل وفق برنامج سياسي واقتصادي وانما عبر توليفة تراعي التوازنات داخل الاحزاب المكونة لحزام الحكم وبينها، كما أن تكليف رئيس حكومة من خارج هذه الأحزاب جعله ضعيفا سياسيا وبقاؤه رهين ارضاء مكونات «نداء تونس» بحساباتها وتوجهاتها ومصالحها وأمزجتها الشخصية المتناقضة وبدرجة أقل حركة «النهضة» التي تتحرك في الفضاء السياسي بساندروم الاقصاء والسجن.
ان حكومة ضعيفة وبلا برامج سياساتها تقوم على إرضاء الخلافات البنوية داخل الحزب الحاكم وعلاقاته بحلفائه لن تكون الّا على حساب واقع التونسيين وطموحاتهم لذلك فان فشل هذه الحكومة هو معاينة يومية تعزّزها الأرقام فالاقتصاد دخل مرحلة الانكماش بنسبة نمو تقترب من 0.7 وهو ما يعكس الفشل الاقتصادي والاجتماعي.
لقد كانت المهمة الأولى لهذه الحكومة توفير المناخ السياسي لعودة الانتاج ولكن افتقادها لبرنامج اقتصادي واجتماعي وعدم قدرتها على تنفيذ اصلاحات هيكلية جعل المناخ أكثر ضبابية في غياب رؤية لمستقبل العمل الحكومي، وهذا الفشل ينسحب تقريبا على كل الوزارات. ولا أعرف كيف يمكن الحديث عن بعض النجاح لوزارة التربية التي عرفت وضعا غير مسبوق بعدم إجراء الامتحانات في المدارس الابتدائية وإلغاء إحدى الثلاثيات في المعاهد الثانوية مع تواصل سياسة الصراع مع نقابات التعليم وأيضا فان وزير الصحة اكتفى بالزيارات الفجئية واتخاذ قرارات جزئية وهو ما يعبر في النهاية عن غياب رؤية شاملة للإصلاح، فقد يبدو أن هناك اعتمادا على الاستعراض الاعلامي وهو ما لا يمكن أن يحجب أوجه القصور في العمل الحكومي.
في الديمقراطية التمثيلية يقع تقييم أداء الحكومات على ضوء البرامج الانتخابية للأحزاب المكونة لها وفي هذا الاطار فان النتائج بعيدة كل البعد عن الوعود الانتخابية لحركة «نداء تونس» وحتى الأحزاب المتحالفة معها، ويبقى للديمقراطية وحدها أدوات تقييم وتغيير واقع الحكم في الانتخابات القادمة.
«الحزب الجمهوري» سيواصل نقده لسياسات الحكومة مع تقديم بدائل ومقترحات على أمل أن تجري الانتخابات البلدية القادمة على أساس البرامج وليس على أساس خيارات ايديولوجية.
في اعتقادكم هل نجح اتحاد الشغل في دوره قبل الانتخابات وبعدها في ظل انفلات الاضرابات ؟
- في ظلّ تواصل سياسات النظام السابق الليبيرالية اقتصاديا واجتماعيا لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا أساسيا في الدفاع عن الطبقات المفقرة لذلك كانت التحركات الاجتماعية مبررة بالمنوال التنموي وسوء توزيع نسبة النمو على الفئات والجهات، ورغم أن تلك التحركات عرفت انفلاتا فانها كانت جزءا من الحالة الثورية حيث تتميز الدولة بالضعف والمجتمع بالحيوية والاندفاع، أكثر من ذلك فان ضعف التيارات الاجتماعية وهيمنة اليمين على الساحة السياسية فرض على الاتحاد أن يقوم بدور تعديلي في خصوص التوجهات الاقتصادية والاجتماعية سواء عبر المفاوضات أو الاحتجاجات.
كذلك فان الاتحاد لعب دورا سياسيا بأبعاد وطنية عندما كان الراعي الأساسي للحوار الوطني مما منع البلاد من الانزلاق الى احتراب أهلي ممكن.
ننظر اجمالا الى دور الاتحاد العام التونسي للشغل بايجابية ودوره مازال حيويا في ظل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة التي تتميّز بخيارات مغرقة في الرأسمالية والارتهان لمقررات صندوق النقد الدولي، كما أن الاتحاد يظل حجر الزاوية في العمل المدني للتصدي للمحاولات السياسية والقانونية للانقلاب على بعض منجزات التونسيين عبر الثورة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.