هناك من الناس من يعادي النجاح ويصرّ على النظر إلى الأشياء بنظارات سوداء تجعله يرى الدنيا سوادا في سواد... هؤلاء، وخلافا للناس الأسوياء الذي يقيمون بموضوعية ويفضلون النظر إلى نصف الكأس الملآن والدفع باتجاه ملء النصف الفارغ، يصرّون على رؤية العدم والفراغ حتى وإن كان ذلك لا يوجد إلا في عقولهم وقلوبهم المريضة... وفوق هذا، فإن هؤلاء مستعدون فطريا لبيع الوهم لأنفسهم ولغيرهم، المهم بالنسبة لهم هو التنفيس عن عقد مستحكمة تجعلهم يحزنون لنجاح بني قومهم وتدفعهم الى السعي لتحطيم هذا النجاح أو خدشه على الأقل... وهو ما تم بالفعل مؤخرا... حيث تعمد بعض محترفي بيع المواقف والتصريحات واستجابة لاستعدادهم الفطري لاستعداء الأجنبي على بني جلدتهم التعبير عن مواقف موغلة في الحقد وموغلة في جلد الذات... ووصل بهم الهذيان حدّ الدعوة إلى عدم عقد الشطر الثاني من القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس... مع أن هذه الفكرة تونسية المنشإ وجاءت استجابة لدعوة أصدرتها تونس واحتضنت جينيف شطرها الأول في حين تستضيف تونس شطرها الثاني وهو دليل آخر على المكانة الدولية المتميزة التي تحظى بها بلادنا على الساحة الدولية... ودليل على تميّز هذا البلد الكبير بابداعات ونجاحات أبنائه... وهي ابداعات ونجاحات أهّلته لتبوؤ مكانة مرموقة بين دول العالم وجعلته مضرب أمثال في صنع التنمية من قبل شخصيات عالمية ومؤسسات دولية مختصة لا تعرف للمجاملات ورمي الورود سبيلا... هذه النجاحات والابداعات لا تعني أننا بلغنا الكمال... ولم يقل أحد أن تونس استكلمت بناء انموذجها التنموي اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا... بل أن بلادنا تحوّلت الى ما يشبه خلية نحل لا تعترف إلا بالعمل وبمزيد العمل من أجل استكمال مسيرة التنمية الشاملة واستكمال ارسال أسس تجربة سياسية متطورة تستند إلى التعددية والحريات واحترام حقوق الإنسان وتحكمها دولة القانون والمؤسسات... وهذا المجهود الذي يبذل والذي حقق نتائج مذهلة في زمن قياسي يستحق انخراط كل التونسيين وفي أدنى الحالات هو يستوجب التنويه والاشادة وهو أضعف الايمان... لكنه أبدا لا يستدعي هذه العدمية التي تعصف بالبعض وتجعلهم لا يرون إلا السواد وتدفعهم الى التعري أمام الرأي العام التونسي والأجنبي من خلال تبني مثل تلك المواقف المخجلة والمخزية... تأكيدا، يحق للإنسان أن يكون له رأي مخالف وأن يعبّر عن اختلافه... لكنه لا يحق لأحد أن يتحوّل إلى مطيّة للاجنبي أو أن يستعدي الأجنبي على بلده... لأنه يخرق مبدأ الحرية التي يجب أن تتوقف عند حدود حرية الآخرين أولا ولأنه يقع في خانة المحظور بالتشكيك في ولائه لوطنه... وكيف يدعي الوطنية من يصل به الأمر حد التحريض على بلده وحدّ الوقوف في طريق تألقه واشعاعه في مناسبة عالمية مثل احتضان القمة العالمية للمعلومات؟ ولماذا نصر على العدمية والسواد والديمقراطية الحقة تتيح لنا هامش الاختلاف في حب تونس وليس الاختلاف على حبها؟ ذلك أن الفرق واضح وجلي كالفرق بين البناء والهدم...