قبل الراديو والتلفزيون والقنوات الفضائية والانترنيت، كان الناس يتابعون الاخبار من الرواة والشهود العيان والمحدثين والمخبرين والمدوّنين الذين ينقلون الوقائع، وكان الشاعر يقوم بتسجيل هذه الاحداث في قصيدة تعكس الواقع او تعاكسه بما ارتسم في ذاته الشاعرة. لذلك كان يقال: إن الشاعر هو صوت القبيلة، يعدّد مفاخرها ومناقبها ويهجو القبائل الاخرى ويغيظ حاسدي قبيلته، وكان، دون أن يدري، يفجّر قنابل نفسية تقوّض عزيمة الاعداء. ومن نافل القول ان نذكر بمظاهر الفرح التي تعلنها القبيلة العربية يوم تكتشف أنها أنجبت شاعرا وصار لها لسان صارم كالسيف يذود عنها ويوسّع صيتها، وهو ما يذكّرنا اليوم بميلاد القنوات الفضائية القادرة على ايصال الصوت والصورة الى أيّ بقعة في الارض او يذكّرنا باكتشاف رياضي اولمبي تتخاطفه أغنى الفرق الرياضية في العالم او بظهور نجم عربي في برنامج «ستار اكاديمي»، هكذا كان الشاعر في القديم قبل ظهور الراديو والتلفزيون وعديد الوسائط الاتصالية. 2 وبان بالمكشوف ان هذا العصر يذكّرنا بذاك العصر الذي عاشه المتنبي منذ اكثر من الف سنة وقال فيه منزعجا من كثرة المتطاولين على الشعر: «أفي كل يوم تحت إبطي شُويعر» فصار الشعراء في كثرة تدلّ أحيانا على قلّة أدب. حيث كل من هب صار شاعرا ومبدعا ومتميّزا، وصارت الاماسي الشعرية قليلة الرواد وذلك لأن مجالات اخر اختطفت الضوء من الشاعر، ولكن هذا الامر لم يعن اندثار جميع الشعراء، فالاستثناء يبقى في كل قاعدة، وثمّة في القرن العشرين اكثر من قصيدة كانت موضوعا اعلاميا مثيرا او موضوع مجلس وزراء او على طاولة رؤساء الدول، وهذه القلّة الشعرية المثيرة كانت تعلن من حين لاخر ان الشعر مازال قادرا على الحياة. 3 غير أن الذي صار عند العرب الآن مثيرا للنظر هو الصحافي (بالقلم او الصوت او الصورة) وقد بات يفتكّ الاضواء في عصر الصوت والصورة والنقل الحي للوقائع المثيرة والخطيرة كمواقع الحرب، وكانت القنوات العربية النجمة تفتك نجوميتها لدى جماهير عريضة من خلال مراسليها القادرين على العمل الصحافي من أرض المعركة لا من خلال الفرجة والتلخيص والاستماع والعيش على فُتات وكالات الانباء. لقد دفعت قناتان عربيتان «الجزيرة» و»العربية» ثمنا باهظا تمثل في تعرّض مراسليها الى الخطر فالموت، فالصحافي لا يريد ان يموت لتشتهر قناته، ولكنه يموت حبّا في مهنته، وقد يكلّفه هذا التوغّل في دهاليز المهنة خروجا من الحياة وليس معنى هذا ان الصحافي يخاطر بحياته ولكن الحقيقة هي أن الصحافي الذي يستحق لقبه هذا هو الذي يخاطر مع مؤسسة صحافية مخاطرة. إنه متصوّف في شغله يفهمه كطريقة حياة لا باعتباره طريق موت، ولقد قال المراسل الصحافي الاسترالي الاصل «بيتر ارنات» الذي نقل صورا من مواقع الحرب في فيتنام والعراق جوابا على سؤال ان كان يخشى الموت ذكر أنه يعترف أن الموت قادم إليه لا محالة، وعبّر عن رغبته في أن يموت حيث يجب ان يموت، في الميدان الذي خُلق من اجله: الصحافة التي شاءت أن تقوده الى المواقع الخطرة وهو ينقل وقائع خطرة. 4 قد يصبح الصحافي نجما اذا كان شعبه قادرا على النظر الى سماء الوعي بالواقع. والواقع الذي أقصده ليس تلفزيون الواقع في «ستار اكاديمي» مثلا ولكنه واقع اخر مثير حقا هو واقع المخططات السرية المنبئة عن جهل العربي بواقعه العربي، والواقع المقصود الذي يصبح فيه الصحافي نجما ليس عمليّة تسلل الى اسرار نجمة محروسة وهي في حالة ما قبل الاستحمام، أو نجم يتصاعد وهو في اللباس الادمي (على رأي التشبيه المصري الظريف «لابس من غير هدوم»). إن صور تلذّذ واستمتاع الجنود الامريكان والبريطانيين بتعذيب عراقيين لا ذنب لهم غير أنهم سجناء رغما عنهم وكأن السجن اهانة غير كافية مع فاتورة الاحتلال والاغتصاب في الحرب العالمية النفطية الاولى. إن هذه الصور جعلت وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد يتعرّض للهجوم على ما ارتكبه جنوده، ومغزى الامر ان الصحافي او الفريق ا لسرّي الذي التقط الصور او سرقها او افتكّها، والصحيفة التي اشترت الصور هي التي تستأهل النجومية عن جدارة واستحقاق. فمثل هذه الصور هي لون من ألوان الشعر، لأن هذا الذي يُسمّى الشعر ليس الا العلم لا غياب الوعي والوعي هو الذي يجعلنا نحيا في عالم تبدو فيه الحقيقة عارية والحقيقة ليست مطربة. 5 هكذا ينفلت الشعر من الشاعر ليصبح في منطقة اخرى غير الكلمات وليتحوّل من القلم الى الكميرا، ومن الخيال الى الواقع الاغرب دائما من الخيال الذي وإن علا وسما فإنه لا يسمو ولا يعلو على أغوار الواقع وحفيظه السفلي!! ألم يحاول الشعراء جاهدين ان يلتحقوا بالصحافي الذي صوّر مقتل الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرّة؟ لقد حاولوا عبثا ان يركبوا شهرة على صورة حيّة، ولكن اغلب قصائدهم تزحلقت ميّتة على صورة حيّة التقطها المصوّر الصحافي وكانت مغنية عن اي كلام. 6 لقد آن للشاعر ان يتفكّر في أمر كهذا. لقد آن للصحافي ان يعترف بأن النجومية تستوجب منه النظر الى السماء التي يضيء فيها النجم ليلا، لا في المناطق المورقة ولكن في المحارق المؤرّقة.