ما الذي يربط بين مختلف ضفاف المتوسط؟ في البدء كانت الثقافة ثم جاء فيما بعد الاقتصاد ولعل حبل الثقافة أمتن في شد لحمة مختلف اجزاء هذا البحر العبقري الذي تراكمت على ضفافه منذ فجر التاريخ البشري حضارات مختلفة لكنها متشابهة يحس المرء وهو ينهل منها كأنه ينهل من معين واحد على اختلاف بعض العادات والطقوس وتعدد الألسن. المتوسط هو كما قيل عنه سرة العالم في صلبه يلتقي الشرق والغرب والشمال والجنوب. يقول عبد الرحمان مطر «... والبحر الابيض المتوسط يمثل الى حد كبير رقعة فسيفساء تبدو لنا في تناسق شديد رغم احتوائها على خليط ثقافي غير متجانس تطهر فيه الاختلافات العرقية والدينية والفكرية في اطار العملية التاريخية التي تجعل من المتوسط وحدة ثابتة، متداخلة ومتكاملة تقوم على التعددية الثقافية والتنوع الحضاري...»(*). يبقى المتوسط في لحمته الثقافية التعددية هذه حصنا منيعا ضد كل ما من شأنه ان يهدد مصير البلدان الواقعة على ضفافه ولعل هذا الترابط الثقافي الجيد الضارب في اعماق التاريخ هو الذي اتاح التقارب الاقتصادي. وبهذا التكامل الثقافي والاقتصادي وبفضل انتشار اللقاءات الرياضية المشتركة ألعاب البحر الابيض المتوسط على سبيل المثال وتعدد اللقاءات السياسية وتبادل التظاهرات ا لثقافية بدأت تتبلور في الاذهان فكرة «المتوسطية» التي قد تتخذ شكلا مؤسساتيا في المستقبل او شكل الكتلة الثقافية المتميزة القادرة وحدها على المحافظة على الامن والاستقرار وجعل هذا البحر بحق بحيرة أمن وسلام تسمح لنا بالحلم الجميل وسط عالم متفجر تدكه الحروب فتسفك فيه الدماء وتستباح فيه ارواح البشر. فلا شيء غير الرابط الثقافي بامكانه ان يجمع بين الناس وان اختلفت مشاريهم ويديم ما بينهم الاتصال في كنف الوئام والتفاهم. (*) رؤى المتوسط، تبر الزمان تونس 2003