ها هي واقفة وراء ستارة تتابع الخطوات المتسارعة للمارة.. طال بها الوقوف والبرد يتسلل الى أعضائها فتشعر به ولاتتأفّف. المطر المتناثر يؤلف بنقراته ألحانا تغريها والسماء المغيمة بسحب متجانسة تقترب كثيرا من نافذتها.. في الفضاء لا يوجد غير رذاذ متطاير متقارب الوقع ينبه في كل حين حواسها فلا تغفو بل تطل مستيقظة.. متحفزة. الحلم يراودها في اللحظة الراهنة.. كل ما ينتابها هو هذا الشعور الدائم بقلق مستفيض.. لا تعرف مأتاه.. أو ربما لا تريد الاعتراف بمصدره. الثواني تمرّ والظلام بدأ يتسلل الى الغرفة الأنيقة بكل مستورد فاخر.. تكاسلت أن تضيء النور.. هي تشعر بالراحة حين يلفها الظلام.. هي تبدو كسمكة في أعماق المحيط.. لا شيء يخفيها من العتمة بل إن دفئا غريبا يقتحمها فتشعر بالاسترخاء والسعادة.. الظلمة تراقصها.. تقترب منها.. تمسك بها.. السّواد الكثيف يغمرها.. فلا يبدو أمامها شيء تميزه. لقد صارت جزءا من العتمة.. لقد صارت «غولا».. تذكرت كيف أن الطبيب الذي زارته في الأسبوع الفارط أخذ بيدها وتفرّس في عينيها.. لم تفهم بعد لمَ لم يسلمها دواء.. لقد سلمها نصائح خرجت ترددها دون شعور.. اعتراها غيض شديد.. القحط يهاجمها من جديد فتهم بفعل شيء.. هل تهاتفه الآن وتصرخ في وجهه.. هل تلعنه هل تنظر الى المرآة وتلطخ وجهها بألوان داكنة ثم تقتحم عليه عيادته فيسقط بلا حراك.. الأفكار المجنونة تتواترعليها فيعتريها خوف غريب.. تدمدم بلحن يعجبها.. تحتضن وسادة.. ترمي بها فتصطدم بشيء.. يسقط.. يتكسّر.. لن تضيء الغرفة.. لن تعرف ما الذي تكسّر.. لن يكون أثمن من أشياء كثيرة تكسّرت في ذاتها. يمر الوقت فتهترئ أحاسيسها.. يعلمها المذياع أن المطر مازال متواصلا. وأن الخروج الآن ضرب من المجازفة.. الحروب المتنوعة في العالم لا تعنيها.. ومشاكل الهند والسودان.. وبلاد الغال لن تخرجها من العتمة.. وموت طفل بالعراق سيزيدها شعورا بالرغبة في التقيئ والغثيان.. أصاخت الى المياه تنهمر على الطرقات فتسيل جداول تغري بالمجازفة.. تمنت الخروج في تلك اللحظة عارية إلا من غلالة رقيقة تغطي كامل جسدها.. تمنّت أن تتمدّد.. هكذا وسط الطريق حيث تتساقط الأمطار على مهل.. ستتبلّل.. سيتبلل شعرها.. ستتبلّل روحها.. سيحتضنها المطر.. بل ستحتضنه هي وستمتلئ راحتاها بمائه الطاهر النقي.. وستتعطر بروائحه الذكية.. الرائعة آه.. ما أذكى رائحة المطر.. دقّات الساعة الحائطية أيقظتها من غفوتها.. علمت أن الليل مازال في بدايته.. الدوار الدائم بدأ يشتدّ ها هي تحاول أن تتماسك.. الحاجة الى مسكّن يخفف من أوجاعها تشتدّ والدواء ممنوع بأمر من الطبيب شعرت بالقلق يتضاعف في الحجم والنوع.. تأكدت أن عقارب الساعة تسخر منها.. بل هي تمدّ إليها بلسان من لهب.. تأكدت أيضا أن أرقام الساعة تتراقص من حولها.. تشمّمت رائحة غريبة لبخور غريب.. أحسّت بأنفاس دافئة تحوم حولها.. بل تقترب صوبها.. هناك حركات متوثبة في ركن ما من الغرفة. شعرت بالخوف.. بل إن الخوف امتطاها.. أصابها الذعر فأصيبت بالصمت.. بحثت عن الصموت فلم تجده.. بحثت عن زر الكهرباء فهرب من مكانه بحثت عن شيء من شجاعتها فلم تجد سوى حطام مثلج.. عندها تهاوت على الفراش دون حراك.. عندما فتحت عينيها تحسّست أطرافها.. تلملمت ثم اندفعت كقطة عادت اليها الحياة من جديد.. تطلعت في أرجاء المكان.. كل شيء في مكانه كما هو.. فجأة لمحت رسالة موجهة إليها على جهاز الفاكس.. لا تقلقي انتظريني في العيد القادم. زوجة المغترب مفيدة بن فرج حرم بن سالم (بنزرت) هذه القصة محرزة على جائزة الملتقى الوطني للقصة القصيرة بمساكن.