لا شك أن العيون كلّها مشرئبة الان نحو قمة تونس، وأن القلوب تأمل ان تحقق ما يشبه المعجزة في ظرف معقّد بدرجة كبيرة! ولا أدري شخصيا من أين تنطلق كل هذه الامال في الرهان على قمة بلادنا، هل لأنها تنعقد بين ظهرانينا، وفي هذه الحالة ينسى الآملون أن نجاحها يحتاج الى ارادات كل الانظمة العربية وليس الى ارادة واحد منها. أم لأنها لتنعقد في ظروف ا صبح النظام العربي نفسه مهددا فيها وبالتالي فإنه سيحاول النجاة ويتحسس طريق الخلاص؟ لا أعرف السبب كما لا أعرف شكل المعجزة المنتظرة أو بالاحرى المطلوبة! فمجال الحركة العربية محدود، ولااستحقاقات عسيرة، والأولويات متعدّدة. وقد تراكمت المشاكل العربية منذ سنوات وأصبحت كل ورطة تلد اخرى، فضاقت الرؤيا، ولم تتّسع الحلول، وحاق بالعرب ما لا يطيقون أصلا. لأن الواقع كذلك يعسر جدا الحديث عن معجزة، أسس ويؤسس لها بدرجة أولى اللغط الاعلامي الذي يخلط بين الاماني والممكن، وبين المراد والمستطاع، وبين الحقيقة والخيال! ذلك انه ثابت بأن الواقع العربي لن يتغيّر بين يوم وليلة، خصوصا في هذه الظروف المعقدة جدا، التي تنضاف الى تعقيدات وتناقضات مصالح الانظمة العربية ذاتها والتي اعتقد انها ستحاول بدرجة أولى تحسّس ما هو مشترك، أي البحث عن الحد الادنى الذي يحفظ لها مصالحها ويحصّن لها اوضاعها امام التداعيات الممكنة للتوتر القائم في فلسطين او في العراق بل وحتى داخل حدود بعض الانظمة العربية. إذ لا يجب نسيان ان هذه القمة كغيرها: هي قمّة نظام عربي رسمي متعدّد الاجنحة والاطراف، يعيش وضعا ما وأمامه ا ستحقاقات ما يريد أن يتحصّن منها وفيها، وأن ينجو من تهديداتها، وان يتخلّص من ثمنها الباهض! وبصراحة فإن الامن القومي العربي المهدد جدا خصوصا بعد احتلال العراق لن يجد من يستطيع في مثل هذه الظروف أن يعيده الى الحالة المرجوّة، بل كل المحاولات ستنصب نحو أن لا يزيد تهرئة وثقوبا. وهذا هو أقصى ما يطمح اليه العرب حاليا أو ما يمكن أن يطمحوا اليه، أما عن الصراع العربي الاسرائيلي فإن اقصى ما يمكن الطمع فيه هو مواصلة ادارته وليس حلّه، فلا مجال لحلّه أصلا لا مع الليكود ولا مع العمل، ولا مع بوش ولا مع كيري. هذه حقيقة يجب أن نصارح بها أنفسنا! إذن ما الذي بقي؟ الحقيقة أن الذي بقي هو وقفة صراحة مع النفوس، وسعي جاد لتغيير ما بها، واقدام حقيقي على الاصلاح الذي فيه وحده أسباب القوّة، فبدونه لا أمل في شيء، ولا طموح الى شيء، ولا رجاء في شيء. وهو أي الاصلاح يحتاج بدرجة اولى شجاعة كبرى، واستعداد الايام نصب وتعب، فطريقة ليست سالكة وغير سهلة بالمرّة سواء نادت به أصوات من الداخل، أو حتمت عليه سياسات خارجية وليس امر الاصلاح في يسر أن تنعقد ندوة في الاسكندرية او في الهونولولو ثم ترمي بتوصيات هي بديهيات لا تحتاج الى النقاش اصلا، بل الى التنفيذ، وليس في بساطة ان يحث العالم الدول العربية الى دمقرطة مجتمعاتها والى تعصيد احوالها في توصية هي اليوم وبلا استعداد، شبيهة بطلب معجزة لن تنجز! الواقع أن تلك هي ا حوال العرب، واذا ما اراد العرب لقمة تونس ان تنجح، فما عليهم الا الايمان واليقين بأن ساعة التغيير قد دقّت، وأن سبيل النجاة واحد لا غير! فهل يستطيع النظام العربي الرسمي انطلاقا من قمّة تونس ان يضع لبنة على الطريق الصحيح هذا ما نرجوه، أمّا القضايا الاخرى التي تتطلّب تنديدا هنا، وشجبا هناك، وليس فيها من الامكان احسن ممّا كان، فسهل التطرق اليها للمرّة الالف، واتخاذ موقف جماهيري وكلامي منها ثم الفرح والسرور والرضاء بما صدر في شأنها.