الاسبوع الماضي كانت زيارتي الاولى الى الجزائر وتحديدا الجزائر العاصمة حتى أكون دقيقا، فالجزائر قارة بحالها، ومساحتها تعادل خمس مرات مساحة بلد مثل فرنسا، كانت المناسبة دعوة من «مؤسسة فنون وثقافة». وهي مؤسسة حديثة النشأة شرعت منذ 2003 في تنظيم ملتقى ثقافي متنوع، هو وطني بالأساس ولكن الهيئة المشرفة عليه ارتأت منذ الدورة الاولى ان تحفظ لهذا الملتقى ثلاثة أبعاد هي بمثابة منابع اخصاب فيه: اولها مغاربي والثاني عربي والثالث أوروبي. وقد لا يخفى أنها تترابط بعلائق متشابكة يلوي بعضها على بعض لعوامل ذاتية موضوعية ترجع اجمالا الى الاحداث المتعاقبة التي عرفتها الجزائر حيث سعى الاحتلال الى استنزاف المؤسسات الثقافية واستفراغها من أدق رموزها وألطف خواصها فلم يكن بالمستغرب ان تسعى مؤسسة حديثة مثل «فنون وثقافة» الى ان تجعل من الاحتفاء بالذات احتفاء بالآخر بما يجعل الثقافة نفسها منظومة رمزية لا تفهم ولا تدرك الا في سياق الحوار بين هذين الطرفين. وعليه فقد استضاف الملتقى في دورته الثانية مرسيل خليفة من لبنان والشاعر والممثل تيري رونار من فرنسا وصاحب هذا الباب الخاطئ. وكان لثلاثتنا لقاء متميز مع الجمهور الجزائري ومع ثلة من الكتاب والمثقفين الجزائريين محوره الاسئلة المقلقة التي تقض وجودنا وتخلق فينا مناطق غير آمنة ثقافيا بعبارة الفقيد بختي بن عودة. افتتح مرسيل خليفة السهرة الاولى بموشح من شعر محمود درويش «أمر باسمك اذ أخلو الى نفسي كما يمر دمشقي بأندلس هنا أضاء لك الليمون ملح دمي وها هنا وقعت ريح عن ا لفرس أمر باسمك لا جيش يحاصرني ولا بلاد كأني آخر الحرس ثم غنى هو وأميمة خليل من جديده فأغانيه المعروفة، وقد تواصل معهما الجمهور لأكثر من ساعتين يصغي للغناء بسمعه وبقلبه وهو أدرى به دون أن يرفع صوته بذلك الصراخ اليائس النابع من حرارة الوجدان لا شك والذي يمكن ان تثيره أغنية ملتزمة كالتي يغنيها مرسيل خليفة. كتب الجزائري عمر مهيبل في كتابه المتميز «من النسق الى الذات» متسائلا عن أسباب تعقد الكتابة الابداعية في الجزائر، «تعود هذه الأسباب الى تركيبة البنية النفسية المزاجية للانسان الجزائري وهي بنية عنيفة متوترة تنفر من التأمل المجرد بدعاوى مختلفة اهمها ضرورة البقاء عند الوقائع والظواهر لأنها وحدها الكفيلة بايصالنا الى الحقيقة». ورغم أن زيارتي الى الجزائر كانت خاطفة فان هذا الحكم فيما يتهيأ لي لا يخلو من قسوة. فالجزائري عامة ينشد من الفن والابداع ما ينشده سائر المتلقين. أعني الايهام بالواقع. ومع أني لست بصدد مناقشة قضية كهذه فان أكثر الشعر الجزائري الذي استمعنا اليه لا يلغي المعنى على قدر ما يسعى الى تغيير نمطه او طبيعته منحرفا به عن مساره التوصيلي التقليدي. لذلك لم أستغرب أن يدور الحوار بيننا وبين الجمهور حول علاقة الفن بالسياسة وان يذهب اكثر الحاضرين الى أن الفن يمكن ان يتّسع للسياسة وان يضرب بجذوره فيها دون ان يضحّى بقوته وجماليته حتى وان أفضى به ذلك الى نوع من التجريد الذهني، ومن نعم الفن انه يبقى عندما نرحل ليصير مسؤولا أكثر مما كنا نقصد. تبقى ناحية أخرى لا يمكن الا أن تشدّ الانتباع هي هذه التعددية اللغوية التي تؤكد ان مشاريع الحداثة في الجزائر صارت ترتبط بالعربية وحتى الأمازيغية أكثر من ارتباطها بالفرنسية. وقد صرح السيد الدو ايرلو مدير المركز الثقافي الفرنسي في الجزائر أن اللغة الفرنسية في هذا البلد المغاربي لغة أجنبية مثلها مثل اية لغة اجنبية أخرى. وهذا كما تقول اسيا موساي قمة الوعي القادر على حماية الفرنكفونية في الجزائر.