لم نر على وجوه أقطاب نظام صدام حسين أمام المحكمة، لا الخوف ولا الذعر، كما ذهبت إلى ذلك عدة صحف، وهي تقرأ مثل أي مشاهد ملامحهم. رأينا الارهاق وهذا طبيعي جدا، خصوصا وقد قبعوا طويلا في ظروف مناخية قاسية، برد شديد في الشتاء، وحرارة قاسية في الصيف، وأيضا تعذيبا ستكشفه الأيام، جسديا ونفسانيا. بل لقد ظهر صدام حسين في احدى الصور وهو يضحك عندما كان يغلّ على طريقة مساجين غوانتانامو. كما رأينا علي حسن المجيد كعادته ثاقب النظرة، مصرا على ما فعله، وبعد أن تليت عليه قائمة التهم قائلا متهكما كنت أتصور وجود تهم أخرى. ما رأيناه أيضا مثل كل مشاهدي العالم، هو بروز الشعر الأبيض لقادة كان شعرهم كذلك لولا الألوان، وازداد بياضا تحت وطأة مرارة الاحساس بالهزيمة وخصوصا بالخيانة. ولربما شاهدنا استثناء وحيدا، هو السيد عبد حمود السكرتير الخاص للرئيس صدام، الذي أطلق لحيته على طريقة جماعة «طالبان»، وهو ما لا نتمنى أن يعقّد وضعه القانوني أكثر فأكثر، فيتهم بأنه منهم. أما الحديث عن الذعر والخوف، فهذه في الحقيقة أمان لكلّ من تمنى أن يراهم كذلك. وبمقياس الرجولة فاقتهم فيها حتى رغد ابنة صدام المقيمة بالأردن، عندما قالت أنه لو حسب عمرها بالمحن والابتلاءات لكانت في الثمانين، ولأنها ظهرت في مجلة سيدتي مؤخرا، أنيقة ومعتنية بجمالها هوجمت من طرف المأجورين بالفعل وليس بالقول، إذ كيف تكون على تلك الشاكلة وهي تعيش كارثة لم تخطر حتى على بال مؤلف قصّة سيزيف اليوناني. ابنة صدام هوجمت أيضا يوم ظهرت على شاشة احدى القنوات البدوية، وهي بلا مساحيق وتغطي رأسها وتتحدث عن والدها. فقيل يومها أنها تفتعل التقوى والتماسك معا! يوجد عندنا مثل يقول: قاتلك قاتلك، وهو أخ شقيق لذلك المثل الذي يقول: معيز ولو طارت. كما يذكرني هذا كلّه بقصة طريفة للجاحظ وردت في كتابه الشهير «البخلاء»، وهي تعني رجلا بخيلا قدم على رجل آخر فأكرمه وأحسن ضيافته، ثم مرت الأيام فنزل الكريم على البخيل الذي تجاهله تماما، ولما راح يذكّره بما كان بينهما لم يجد البخيل من بدّ إلا أن قال له: واللّه لو نزعت أدباشك لما عرفتك! للأسف يحصل هذا مع صدام حسين وأعضاده. وما يؤسف له، ويتغاضى عنه المأجورون، ان الذي يهم في المسألة كلها ليس رجلا انتهى اسمه صدّام حسين يوجد من يكرهه ويوجد من يحبّه ويوجد من لا يعني له شيئا! الذي يؤسف له حقّا هو غياب الرجولة خصوصا من أدعيائها، وكم كثروا.