الأول انفلت لسانه من عقاله ونطق بغير المعهود مطلقا عبارات قاسية ومهاجما رئيسه ورئيس حركته (فتح) واتهمه بالتسلط والطغيان لينهي بركان غضبه بالتنحي عن جميع مناصبه الرسمية بوصفه سفير السلطة الوطنية الفلسطينية لدى القاهرة والمسؤول عن ملف تأسيس قناة فضائية جديدة ناطقة باسم حركة «فتح»، أما الثاني فقد التزم الصمت وآثر عدم الدخول في سجالات ومهاترات إعلامية، اما من باب الحكمة ورجاحة العقل واما لأسباب تتعلق بما أسفرت عنه نتائج انتخابات المؤتمر الحركي السادس لحركة «فتح» الذي عقد في الآونة الأخيرة وشهد لغطا وجدلا كبيرا بين أعضاء الحركة. نبيل عمرو المعروف سابقا بأنه لسان حركة «فتح» الخطيب المفوه وصاحب الخبرة الكبيرة في السياسة والاعلام، كانت له مداخلة نارية مؤخرا بحضور محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية، أطلق فيها العنان للاتهامات والانتقادات لرئيس السلطة ولأدائه السياسي خاصة في التعامل مع حركة «حماس». وقد أثار الهجوم العنيف على عباس جدلا واسعا بين أوساط حركة «فتح» تاركا أكثر من نقطة استفهام حول «الانقلاب» المفاجئ في مواقف نبيل عمرو، فالرجل لم يسبق له أن غرّد خارج السرب بل على العكس كان من أشد المدافعين عن الرئيس محمود عباس وطروحاته السياسية بما فيها المفاوضات مع الكيان الصهيوني والملفات الداخلية حتى المتعلقة بحركة «فتح»، ورفضه المقاومة المسلحة. «انقلاب» رأى فيه المراقبون احتقانا دفينا وجد متنفسا له في المؤتمر الحركي السادس لحركة «فتح» بعد نتائج غير مرضية على الأقل بالنسبة إلى نبيل عمرو. البحث عن الزعامة في حوار أجرته معه صحيفة «الحياة» العربية لندنية المنشإ قال نبيل عمرو في مقارنة بين الزعيم الراحل ياسر عرفات ومحمود عباس: «إن عرفات كان يتمتع بفائض قوّة»، مشيرا إلى أنه عرف كيف يدير الشؤون الداخلية والفصائيلية وأيضا ملف المفاوضات مع إسرائيل، وكان يمتلك زعامة شعبية كبيرة أما محمود عباس فكان يملك فائضا من التواضع».. موضحا ان أبا مازن ظل يبحث عن الزعامة ولكن لم يتوفر فيه الشرط النفسي للزعامة، بل إنه ظل أسير وضعه كمفاوض. ويضيف أن محمود عباس يحاول الظهور كامتداد للراحل ياسر عرفات، وفي الوقت نفسه يعمل على إيجاد الصيغة البديلة لعرفات، وفي النهاية أحب أم كره لم يخرج من عباءة عرفات. لم يكتف عمرو بهذا القدر بل ذهب إلى توصيف علّة الأداء السياسي بعد رحيل عرفات، فالأداء اتسم بقدر من الضعف والتفرد بالقرار. ويعكس موقف نبيل عمرو هذا نعته للرئيس عباس ب«رمز الطغاة» وهي أشدّ وأقسى عبارة بالتأكيد أنها آلمت رئيس السلطة . لمحة أخرى يقدمها المستشار السابق لعرفات والوزير الأسبق والنائب الفتحاوي السابق، عن رئيسه (أي محمود عباس) بالإشارة إلى أنه كان أول من أطلق المفاوضات السرية مع الاسرائيليين ولاحقا أدار المفاوضات (السرية منها والعلنية). وفي هذا يقول: «ان عباس حتى بعد أن تولى الرئاسة ظل أسير أداء المفاوض»، مع أن القيادة تتطلب كفاءات أكبر. صمت الرئيس محمود عباس، رغم قساوة الاتهامات والانتقادات لزم الصمت وهو أمر يدعو إلى الغرابة، فالرجل لم يعتد الصمت على مثل هذا الأمر إلا من خصومه سواء أكانوا من حركة «فتح» أو من فصائل المقاومة المسلحة والقوى السياسية المعارضة، أما أن تأتيه السهام من حليف ومقرب له ومن أشدّ المدافعين عنه، فالأمر يحتاج إلى فهم وتفسير. منطق السياسة يقول بأن محمود عباس بحاجة إلى تهدئة الوضع وعدم فتح جبهات جديدة، بعد الجبهة التي فتحها فاروق القدومي ورفيق دربه وأحد كبار مؤسسي حركة «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية. والمنطق ذاته يقول بأن الرجل بحاجة إلى احتواء غضب نبيل عمرو وتجنب أي اجراء أو ردّ قد يزيد من منسوب التوتر. ومحصلة هذا المنطق هو تجنيب حركة «فتح» انشقاقات إضافية قد توهن الحركة وتضعفها في وقت تحافظ فيه الحركة الخصم «حماس» على استقرارها التنظيمي. صمت عباس قد يطول، وقد يقصر وردّ الفعل رهين الظرف السياسي المناسب، ورهين تجاوب نبيل عمرو مع «التهدئة الظرفية».