عدم احترام المواعيد سمة بارزة وظاهرة اجتماعية لا تحتاج إلى تفحّص وامعان ولا شك أن كلا منا عاش هذه الحالة وعايشها سواء كان هو المتأخر أو الواقع في «التسلل» نظرا لعدم التزام الطرف الآخر بمواعيده. هذه الظاهرة تنعكس سلبا على نفسية الفرد وتسبب له في ضغط نفسي وعصبي كان في غنى عنه لو تعامل الجميع بمبدإ احترام الوقت والموعد لكن لنتساءل عن أهم الأسباب التي تجعل العربي بصفة عامة والتونسي بصفة خاصة لا يحترم مواعيده. «الشروق» طرحت الموضوع على ثلة من التونسين وبعض الأخصائيين النفسانيين والاجتماعيين فخرجت بالشهادات والتفسيرات التالية. عم محمد متقاعد سألناه عن سرّ عدم التزام التونسي بمواعيده فأكد لنا بقوله نحن نأسف جدا لمثل هذه الظاهرة الاجتماعية التي تتسبب في مشاكل عديدة لكل الأطراف. فموظف الادارة يتأخر عن موعد التحاقه بعمله لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة والطبيب يتأخر عن مرضاه أحيانا ساعة أو بضع ساعات. هذا التأخير وعدم احترام مواقيت العمل تتسبب في ضياع واهدار الوقت وأحيانا في التعرض إلى الخطر خاصة إذا كانت حالة المريض حساسة جدا. ويرى السيد محمد أن هذه العادة سيئة جدا وتنم عن قلّة وعي التونسي وعدم تقديره لقيمة الوقت ويختم السيد محمد بقوله «أظن أن احترام التونسي للمواعيد أصبح أفضل من قبل لكن لم نصل بعد إلى ما يوجد في الدول المتقدمة التي يتحلى مواطنوها بالنضج والجدية في احترام مواعيدهم». **كثرة المشاغل يجمع جل المستجوبين أن كثرة مشاغل التونسي وضيق الوقت تجعله لا يفي بمواعيده ويرى السيد حسن المزوغي أن التونسي لا يعي بقيمة الوقت ويتعامل باللامبالاة مع الوقت بالاضافة إلى كثرة مشاغله التي تحول دون وصوله في الموعد. وتعلّل الآنسة وفاء عدم التزام التونسي بمواعيده بكثرة المشاكل التي يتعرض لها طوال اليوم والضغط الذي يتسبب فيه اكتظاظ وسائل النقل ومتطلبات الحياة بصفة عامة. وتضيف الآنسة وفاء أن البعض يعمدون إلى التأخر عن مواعيدهم أو الغائها تماما نظرا لعدم توفر الرغبة في لقاء الطرف الآخر ووصفت عدم احترام مثل هذه المواعيد باللاّ احترام الاضطراري. **ثقافة اجتماعية تفسر الآنسة حنان عدم التزام التونسي بمواعيده بعدم اكتسابه لثقافة تحتم عليه احترام المواعيد والالتزام بها ثقافة تخلو من الوعي بقيمة الوقت وأهميته بالاضافة إلى ذلك تعد المشاكل والمشاغل التي تكتظ بها حياة الفرد دافعا قويا إلى نسيان أو تناسي بعض المواعيد غير الهامة أو حتى الهامة وهذا السلوك من شأنه أن يعطل مصالح عديد الأطراف. ظاهرة عدم الالتزام بالمواعيد هي ظاهرة اجتماعية متفشية في جلّ البلدان العربية مردها بالأساس الثقافة الاجتماعية هذا ما قاله السيد منير موضحا أن عدم احترام المواعيد هو سلوك متجذّر في التونسي ويكتسبه من محيطه العائلي والمجتمعي فيشب على عدم ادراكه لقيمة الوقت ويتمادى في هذا السلوك بصفة طبيعية فيصبح عدم احترامه للوقت أمرا عاديا وسلوكا مكتسبا وملازما لشخصيته. **قراءة نفسية اجتماعية للظاهرة يوضح الدكتور وحيد قوبعة اختصاصي نفساني أن ظاهرة عدم الالتزام بالمواعيد لا تقتصر على أفراد المجتمع التونسي ولا على مجمل المجتمعات العربية كما هو شائع فحسب بل إن هذه الظاهرة تسجل حضورها بكثافة في كل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط فحتى سكان فرنسا واسبانيا وغيرهما من البلدان الأوروبية الواقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط لا يحترمون المواعيد ويرى الدكتور وحيد أنه لا يمكن تقديم قراءة واضحة ومحددة للأسباب النفسية لظاهرة عدم احترام المواعيد لصعوبتها وتشعبها وتداخلها في الآن ذاته ويمكن الاكتفاء بالاشارة إلى دور العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمبادئ التي ينشأ عليها الفرد في تغذية مثل هذه الظواهر التي تساهم في اهدار مصالح كل الأفراد. ويطرح الأستاذ المهدي بن مبروك مختص في علم الاجتماع. من جهته مشكل غياب الوعي بقيمة الوقت والفهم الخاطئ لمفهوم الزمن ويبرز دورهما الهام في جعل التونسي لا يحترم مواعيده موضحا أن الثقافة اليومية للفرد التونسي خاصة والعربي عامة هزيلة ومحدودة لذلك فهو غير قادر على ترييض الوقت وجدولته وترتيب أولوياته. وقد انعكس ذلك على كيفية تحديدهم للوقت فالوقت دائما يتخذ في بعده المطلق كأن يقول أحدهم سأفعل كذا في الصيف القادم أو سأزور فلانا في المساء في حين نجدوا الفرد الغربي دقيق في تحديد لمواعيد فيعطيك موعدا لزيارته في الرابعة بعد الزوال مثلا وليس في المساء بصفة مطلقة أو انه سينجز تلك المهمة يوم 24 جوان وليس في الصيف. ويختم الأستاذ مهدي بن مبروك تحليله لهذه الظاهرة بالاشارة إلى مساهمة الاكتظاظ في وسائل النقل وتأخير مواعيد انطلاق الحافلات والقطارات في دفع التونسي إلى عدم التزامه بمواعيده. * ناجية المالكي