... قلّما استوقفتني الذكرى، ولقلما خانتني الذاكرة. إلا أن الادهى والامر أنهما يراقباني ويلازماني على مر الزمن... لذلك صرخت: ليتني رحلت وهجرت كل ذكراها الاليمة... ملاذي منها ما هو إلا انطباع وانصهار على ورق ناصع البياض، يحيلني الى لحظات براءتي، تلك اللحظات المنسية، التي لم تتدنّس قبلها منذ العصور الغابرة... بياضها يدعوني بإلحاح الى أن آخذ حلمي أو قل: حزني وارحل لاستريح هناك على شاطئ الخيال، وأترك لها المجال لتزداد قذارة وغدرا، بعدما كانت منارا يهتدي على نورها الضالون... أحمدك أيتها السماء! يا رحيمة وإن ظلمت، يا كاشفة للخبايا وإن تستّرت! منك اللعنة عليها، أيتها السماء! احذريها، فكل خوفي أن طغيانها وقذارتها سيستمران ويبقيان في سلالتها وأجيالها اللاحقة، مشبعون بالخراب والحقد الدفين. لذلك، أيقظي كل شياطينك، وكّبليها، أحيليها الى زمنها واشرحي لها كل تفاصيل كيانها، لتقف على حقيقتها المفضوحة والمرّة. اصفعيها لتتهشّم وتندثر وتستكشف حقيقة معدنها... إلا أن ألمي، كل الالم أن غفوتها مستديمة، وكل ذكراها أليمة. ولن تتحكّم إن بقيت، في قواعد اللعبة كيفما أرادت وتريد، لاني هناك، أترقبها على مهل، وإن كنت الثمن. فلن يزورني أي ندم لأني سأرضع أحفادي كل ذرّات الامل حتى الثمالة فأفني العدم وأزورك آنذاك أيتها السماء لاستريح اليك استراحة الخلود، رغم الوجع ورغم الدمع، فإني بذكراي وذاكرتي سأعود... علني سأبعث بعدها من جديد، وإن متّ، فمعها سيكون موتي عنيد... فهلاّ فهمت، دنياي، معنى القصيد؟! عبد الحفيظ نصيري مدرسة