خلافا لما يعتقده البعض فان الصيف ليس بالضرورة شهر الراحة والاسترخاء و»الفارنيانتي»... هناك من يبقى في مكتبه ولا يرى البحر الا في التلفزة وهناك من يشكل الصيف ذروة عمله... ولكن السمة الغالبة هي أننا لا نتقن الراحة جيدا مثلما لا نتقن العمل جيدا... حتى ان هناك من يؤجل قضاء شؤون عديدة الى العطلة وعوض ا ن يرتاح يتعب أضعاف تعبه في الشغل... شوفوا بوش مثلا... موعد راحته الاسبوعي في «تكساس» مقدّس... ويظهر في الاخبار يلعب القولف في الوقت الذي تقصف فيه طائرته العراقيين... يبتسم للكاميرا ويلوح بالتحية وجنوده يحصدون... كرة القولف أهم من الكرة الارضية... وربما يخيل اليه انه يمسك بالعالم كما يمسك بالكرة البيضاء... وكلاهما على شفا حفرة... من نار... شوفوا الياباني... يرتاح ثمانية أيام في السنة... العمل عندنا عبودية وعنده هو عبادة... وقد يقلق في عطلته القصيرة لان الاعراس في اليابان لا تقام فوق السطوح لترفّه عنه وتسليه... هو لا يصرف ساعات في المقهى... لان مدة طرح رامي عندنا تكفيه لتركيب سيارة او عشرة تلفزات... شوفوا السياح عندنا عطلتهم مخصصه في جانب كبير منها لزيارة المتاحف والمواقع الاثرية والمعالم التاريخية... والتونسي اذا تحول الى سائح في بلاد أجنبية يسأل أولا وآخرا عن «السوق»... ورغم انه حالما يترجم الدينار الى اليورو يتبخر نصفه فانه يقتصد في أكله ليعود محملا بما لا يصلح ولا يليق... ولو سئل مرة واحدة عن عنوان متحف لنال جائزة نوبل للسياحة... لانه وحيد زمانه... يعرف «تايتي» ولا يعرف «فرساي»... أيام العمل... أيام شاقة لمن يجتهد ويكد... أيام فيها رتابة وروتينية وقد تهرب منك معجزات تتكرر كل يوم ولا نراها... طلوع الشمس غروبها... بحر أزرق... بحر أخضر عشب... بحر أصفر من رمال... نخلة تعانق نخلة ولا رقيب حولهما... صمت يشقّه صمت أعمق... ذاك القادم من أعماقك... في العطلة يجب ان تعطّل أسنان الرحى التي تأكل لحمك في الغداء وتتعشى بروحك في المساء... هكذا فقط تعود الى سالف نشاطك سالما... لان روحك استحمت قبل جسدك...