كم هو مهم أن يوثّق الأدب حدثا يميّز تاريخ وطن وشعب وكم هو مهم أن يتجاوز مؤلّف ما فكرة التأريخ والتّوثيق ليعايش الحدث ذاته ويمرّ عبر كل بؤره ويتعرّض لنفس مخاطره، فيسرد وقائع أحداث زمن ما بروح الزمن الذي يعيشه ويبسط مشاعر انطلقت بثورة وتمرّد على الاستعمار في فترة ما ممزوجة بمشاعر الفخر بما أنجز بعد ذلك الحدث والذي أثمر استقلال الوطن في الفترة التي يعيشها.. ذلك هو مضمون «المسيرة الكبرى» المؤلّف الذي صاغه الصحفي الأستاذ صالح الدريدي والذي صدر سنة 1966 بمناسبة مرور عشرين سنة على هجرة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الشرق في 26 مارس 1945، وها هو يعيدها إلى النور مجدّدا في طبعة منقّحة بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة، « اجتمعت كل القوى من أجل تنظيم هذه المسيرة (بداية من يوم 26 مارس 1965) في ظروف مهيّأة أريد بها تجسيم التاريخ وبعثه حيا، في هذا العهد الذي أخذنا نجمع فيه لبنات تاريخنا.. فاختير ثلاثة عشر شابا ممثّلين لثلاث عشرة ولاية للبلاد التونسية آنذاك وكان يرافقهم المناضل خليفة حواص الذي صاحب المجاهد الأكبر في هجرته إلى الشرق».. (المسيرة الكبرى) قدّمت «المسيرة الكبرى» رؤية معاشة حاكت مسيرة هجرة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الشّرق انطلاقا من جزيرة قرقنة وصولا إلى القاهرة، ووثّقت لحظة بلحظة تلك المغامرة السريّة التي فضّل من خلالها الحبيب بورقيبة مصاعب البحر والصحراء والجواسيس على الخضوع لتعنت الاستعمار وظلمه، وحتى يصدح بالقضية التونسية عربيا وعالميا. اليوم وبعد مرور 11 سنة على رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة قرّر الأستاذ صالح الدريدي إعادة نشر هذه المسيرة وتقديمها مجدّدا لتروي لشباب تونس مرحلة من مراحل تاريخهم معبّرا عن ابتهاجه واعتزازه بما قدّمه شباب تونس لتونس «ثورة 14 جانفي» التي أعادت الحرية لتونس لترفرف بمجد مسترجعة حق الشعب في الكرامة والعزّة وحق المضطهدين والمنفيين والمظلومين وكذلك حق زعيمها الذي ساهم في بنائها وضحى من أجلها، وحق كل مؤلّف منع في وقت ما من التّذكير بمسيرة الحبيب بورقيبة وارتباطه الوثيق بتاريخ تونس الحديث ومسترجعا حق «المسيرة الكبرى» في إعادة النشر بعد تضييق عرفه المؤلّف سنتي 1995 و1996 عندما حاول إعادة طبعها ونشرها. «المسيرة الكبرى» وفنيات السرد الأدبي للتاريخ عندما تنتهي من قراءة «المسيرة الكبرى» تعرف أنك لم تنته بالفعل بل بدأت في رحلة ذهنيّة ووجدانية برع المؤلّف في إقحامك فيها وجعلك تغوص بأسلوب اتّكأ على برنامج سردي عميق ووصف لأدقّ التّفاصيل وملامح الشّخصيات إذ يتنامى السّرد داخل الحدث ليتتبّع مصائر تلك الشخصيات وعلاقاتها واندماجها مع السياسي. والكاتب لا يلجأ إلى الحوارات الطويلة المملة بقدر ما يسعى إلى أن يكون دقيقا في نقل ما دار بين الحبيب بورقيبة ورفاقه بشكل أشبه بعرض سينمائي مباشر وواضح، فيستخدم لغة سلسة معبّرة عن تجربة فريدة أوعمق إنساني بحت في رغبة الزعيم بورقيبة وإصراره على تحقيق غايته من الهجرة مهما كانت المخاطر جمّة، وذلك باعتماد جمل مختصرة ووصف دقيق. كما أن الطريقة التي مزج فيها بين فترة 1945 و1965 لم تكن فوضوية ولم تشعر القارئ للحظة أنه تائه بين زمنين فكأن الكاتب يقدّم لنا خلاصة أفكاره وتجربته بلغة شفّافة تلامس نفس الروح التي انطلق بها بورقيبة فيضع القارئ المعاصر الحالي في الاطار نفسه كأنه يعايش التجربة بنفسه هو أيضا، متشبّعا بتفاصيلها غير المملّة أو المرهقة مع التمتّع بالمشهدية الكلية للأمكنة والشخوص والغوص خاصة في شخصية بورقيبة ولمسها عن قرب.