إليك يا حضرة المواطن العربي(؟) أكتب هذه الأسطر. أكتب إليك وأنا أعرف أنك لست سوى كائن افتراضي قد تكون وقد لا تكون. لكن ما حيلتي وقدري أن أكتب وأن وجودك المشكوك فيه هو شرط امكان كتابتي. أكتب لك وباسمك، لأدعوك الى التحلي بخصلتين لا تفعلان فعلهما التاريخي إلا إذا تلازتا فيك وحدك : الانفعالية والتحقق من الأشياء. وبالانفعالية أعني ذلك الزخم من العواطف التي تجتاحكم وأنت تتفاعل مع الأحداث والملمات وما أكثرها هذه لأيام بتلك العفوية التي يمقتها محترفو السياسة العقيمة والتي تجعلك تعظم وتتطاول على واقعنا الرديء، تحكم وتتهم، تكره وتحب، تتحدى إلى حد المجازفة، وتهب إلى حد التضحية تحية بالمناسبة إلى متطوعي المقاومة العربية تقول وتفعل. ما أريده منك هو أن تكون كما أنت ترفض الظلم والغصب والاحتلال تهب لنصرة أخيك الفلسطيني، العراقي، السوري، السعودي... حاكما كان أو رعية حتى وأنت تختلف معه، وافعلها ولسان حالك يقول «بلادي وإن جارت عليّ عزيزة». وأنت تضع نصب عينيك رهانا بسيطا بساطة الأنبياء : كرامتنا جميعا أو على الدنيا السلام! أما التحقق فهو تعقل الأمور والأشياء في فترات الصحو والهدوء وتداول القضايا وتقليب المسائل دون ترف كلامي وتفقه أكاديمي فالاحتلال احتلال والإبادة إبادة إنما هو قدر من التمحيص والإرتواء الذي يفتح على التشاور والتكافل والتحالف الذي يتسع لعودة اللحم إلى أهله حتى وإن تعفّن. ألا ترى مثلي أخي «المواطن العربي» ومن حقك أن لا ترى مثل ما أرى أننا نحن العرب لم نحسن إلى اليوم فن التحالف، فما بالك بالوحدة، لم نفقه مثلا بدويا تليدا، أنا وأخي على ابن عمي وأنا وأخي وابن عمي على الغريب؟! لم نتعلم الفرز بين تلك الثنائيات التي صدأت من الداخل لكثرة استعمالنا السطحي لها : الرئيسي /الثانوي، التكتيكي/الاستراتيجي، الذاتي الموضوعي، الطبقي/القومي، الوجود/الحدود... من منا لا يعرف أن الذين شاركوا في الحروب الصليبية كانوا من الملوك والنبلاء والحفاة العراة، وما أقوله هو تاريخ كوني وليس تحريضا على التباغض بين الأجناس والأديان. وفي كل الأحوال فإن الحجة مردودة على أهلها، لأننا نعلم كذلك أن الذين تظاهروا ضد الغزو الأمريكي للعراق وساندوا الانتفاضة الفلسطينية من «أهل الذمة» هم أكثر بكثير من الذين منا ترددوا ألف مرة قبل أن يكبتوا بيان شجب وتنديد بإهدار دم ياسر عرفات. وأكثرهم لا يفعلون. تلك هي يا شريكي في «غربة الوطن السليب» تداعيات ما أوحت لي به انفعالات علي بن أبي طالب وتعقل عمرو بن العاص كانت الأولى شهامة وشرفا وتضحية وكانت الثانية دراية وتحسبا، وكان المجيد... وسيكون... هل ترى؟! إن أنا أفقأ عينك وأضع مكانها لؤلؤة ... هل ترى؟ من قصيدة : لا تصالح/لأمل دنقل نور الدين الخبثاني أستاذ تاريخ المروج الثالث