ما كان لقرار الزيادة في تعريفات أطباء القطاع الخاص أن يثير ما أثاره من ارتباك ومخاوف لدى المواطن لو كانت خدمات قطاع الصحة العمومية أفضل حالا. على امتداد عشرات السنين بعد الاستقلال وإلى حدود العشرية الماضية ظلّت منظومة الصحة العمومية في مُجملها تقدم خدمات محترمة للفقراء ولمتوسطي الحال إمّا مجانا أو بالتعريفات المنخفضة في ظل توفّر حدّ أدنى من التّجهيزات والزّاد البشري والآجال المعقُولة للمواعيد والمظاهر المقبولة للاكتظاظ وللانتظار وحالة الانضباط داخل أغلب المستشفيات، ولم يكن قطاع الطب الخاص يستقطب إلا الميسورين أو جانبا من المستفيدين من بعض الخدمات الطبية للصناديق الاجتماعية. وهو أمر طبيعي في بلد راهن منذ الاستقلال على الصحة العمومية المجانية كركيزة أساسية لبناء الدولة.. في السنوات الاخيرة وخاصة منذ سنة 2011، انقلبت الآية وعمّ الانفلات والفوضى المنظومة الصحيّة العمومية فلم تعد تستقطب كثيرا التونسي بعد أن أصبحت تُذيقه الأمَرّين: فأطباء الاختصاص أصبحوا عملة نادرة في المستشفيات والآلات والتجهيزات اللازمة للتصوير ولاجراء الكشوفات معطبة على مدار السنة! وقاعات العمليات غير مجهزة وأغلب الادوية مفقودة من صيدليات المستشفيات والخدمات المقدمة للمرضى تزيدهم مرضا على مرض فضلا عن تكرر الاضرابات العشوائية في القطاع وعن انتشار الفساد داخله.. أما عن الاكتظاظ وطول انتظار المواعيد الطبية فحدّث ولا حرج، حيث تتجاوز بعض المواعيد أحيانا العام ! كل ذلك دفع بالفقراء وبمتوسطي الحال إلى التوجه مُرغمين إلى طب القطاع الخاص مُتحمّلين لأجل ذلك نفقات إضافية وباهظة على حساب نفقات معيشية أخرى ضرورية ومُخيّرين التداين أو الاقتراض من البنوك أو بيع ما يملكون من أجل انقاذ صحّتهم وحياتهم لدى الاطباء الخواص وفي المصحات الخاصة بدل تكبّد معاناة المستشفيات العمومية. وبالزيادة الاخيرة في تعريفات أطباء القطاع الخاص إضافة إلى الارتفاع الصاروخي لاسعار الدواء، سيجد عدد كبير من التونسيين « أنفسهم امام أمرين: إما الاكتواء بالنفقات الباهظة للعلاج في القطاع الخاص ولاقتناء الدواء أو تكبد «مرض العلاج» بدل علاج المرض في المستشفيات العمومية .. وفي الأثناء قد تذهب صحة أو حياة بعضهم ضحية عدم القدرة على تحمل أحد الخيارين ! اليوم، لم يكن قرار ترفيع تعريفات الأطباء الخواص ليُثير استياء ومخاوف التونسيين، خاصة غير القادرين على تحمل التسعيرة الجديدة، لو بذلت الدولة في السنوات الأخيرة جهودا أكثر لاصلاح منظومة الصحة العمومية ولو توفرت لدى الحكومات المتعاقبة إرادة سياسية صريحة للرفع من ميزانية الصحة العمومية ولاتخاذ الاجراءات والقوانين الصارمة التي توقف حالة التسيب والفوضى داخل المستشفيات العمومية ولوضع حدّ لغياب الأطباء والتجهيزات وكل ذلك لإيفاء المواطن حقه الدستوري في الصحة. إن صحة الانسان هي الركيزة الأساسية لنماء المجتمعات ولتطوّر الاقتصاد، فإذا ما مسّها الضرّ تداعت لها كامل الدولة بالفقر وبالتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يُخشى وقوعه في تونس.