ويتواصل الحديث عن سمك القرش برّا وبحرا... سماء إفريقيا الصافية ليس فيها غمامة تبشّر الصحارى لا غمامة ومع ذلك يعمّر الغم قلوبا قاحلة... سماسرة الموت كما ا لجوارح تتعقّب الأجساد الجافّة التي تمشي تائهة على الأرض... يمتصون دمهم مقابل حفنة أوهام... كما رمال البحر تتسرب بين الأصابع ومعها الحياة... إنها الساعة الرملية... على الضفة الأخرى شمال المتوسط تطوف الحوّامات بحثا عن النازحين... مثل قطيع الغنم المذعور يقودونهم إلى محميّة ريثما يُصدّون على أعقابهم مع عتاب شديد للدول المصدّرة في شمال المتوسط مازال أصحاب القرار يعتقدون أن الحوامات كفيلة بإيقاف النزوح وأن الضغط على جنوب المتوسط كفيل بردع الحارقين وهذا وهم وهم يدركون أنه وهم ولكنهم يغضون الطرف عن الحلول الحقيقية... هم يعرفون أن الثري الذي يزداد كل يوم ثراء لا يمكن أن يأمن ويهنأ وحوله جيران لا توقد في بيوتهم النار... يعرفون أن أوروبا التي باتت حطاما بعد الحرب العالمية الثانية بنتها خطة «مارشال»... ويعرفون أن الفقر مهد التطرف والغضب والعنف... ويعرفون أكثر أنهم كانوا في يوم من الأيام محتلّين ونهّابين لثروات غيرهم... هم يذكرون زمنا كان فيه «الصابون» سلعة لا يطولها إلا الأثرياء... وقطعة اللحم مجرد حلم... والدقيق يوزّع ب»البونو»... ولمّا شبعوا فقدوا الذاكرة.. هم يذكرون كيف كانت دول جنوب المتوسط مخزنا للعمالة بأثمان بخسة... بنوا لهم الجسور نحو الرفاه ولمّا استقووا... استقووا ومن مو قعهم المريح.. من عليائهم لا يتذكرون الجنوب إلاّ ليذكروه بأنه مخلّ ومتقاعس ومتخلف سياسة واقتصادا وثقافة صاروا وعّاظا متقزّزين من تلامذيهم... وإذا بيضوا وجوههم بشراكة فإنها لا تكون إلا أمنية... أما الشراكة الحقيقية فإنها مجرد أمنية وبين «الأمنية والأمنية» هناك هوّة سحيقة تبتلع الشباب الذي يحرق سفنه في عرض البحر...