ليس أغلى للشعوب من الحرية... والحرية كلّ لا يتجزّأ... فيها ترتبط بعلاقة جدلية مسألة الخبز والكرامة... الحياة الكريمة ورفاهية العيش والحقوق المدنية والسياسية. وليس أغلى في هذه المقاربة المتكاملة للحرية من حرية التعبير تلك القيمة السامية التي تمكّن الشعوب من قول الكلمة الشاملة بلا قيود لتنقل خوالجها التي تحسها بروحها وجسدها. والوسائل والفنون التي ابتدعتها الإنسانية حتى اليوم للتعبير عن هواجس النفس كثيرة توجتها عبقرية الإنسان بالصحافة ووسائل الإعلام التي صارت أشكالها وأوضاعها أهمّ محرار يُعتمد عليه لقياس صحّة التمشي الديمقراطي وصلاح النظام السياسي في البلدان الحديثة. وبهذا المقياس يُنظر اليوم إلى بلادنا تونس العزيزة ليشهد كلّ من يراها بعين الموضوعية وبلا نظارات سوداء يراها ناصعة تسير بخطى ثابتة نحو الكمال. إنّ الذي تحقق في تونس في مجال الإعلام بيّن وواضح للعيان، فمنذ تحوّل السابع من نوفمبر كانت الصحافة من أولويات الرئيس زين العابدين بن علي واحتلت حرية التعبير مكانة متميّزة في بيان التغيير الذي يظل المرجع الأول الذي رسم الخطوط العريضة لعهد جديد ولقد اقترن القول بالفعل وما فتىء صانع التحول أن أعلن جملة من الإصلاحات على مستويات عدّة. فعلى المستوى التشريعي شهد قانون الصحافة تحويرات جذرية حولته من قانون زجر وموانع إلى قانون لحماية الممارسة الصحفية المسؤولة وحماية حقوق الإعلاميين كما حماية حقوق الأفراد وتنظيم العلاقة بين الصحافة والمجتمع حتى تكون في خدمة القضايا الوطنية بلا شوائب. وعلى امتداد سنوات التغيير كان الإصلاح التشريعي لقانون الصحافة مواكبا لتطوّر المسار ممّا يؤكد بلا جدال أن الإصلاح لا يتوقف في إطار منهجية التمشي المرحلي التي ما إن تركّز خطوة وتضمن نجاحها حتى تنتقل إلى الخطوة التي تليها وذلك ما ضمن إلى حدّ الآن ثبات الإصلاح ونجاعته دون المغامرة في المجهول أو التوقف عند مرحلة واحدة في الوقت الذي تسارع فيه نسق التحول في مجتمعنا وفي عالمنا اليوم. وبما أنّ التشريعات لا تستطيع لوحدها أن تغيّر الواقع طالما لا توجد ممارسة وتقاليد وإرادة سياسية ومهنية وشعبية فإنّ الرئىس زين العابدين بن علي شخّص منذ التغيير بشكل دقيق وضع الإعلام في تونس وجعل من رعايته وتحريره قضية شخصية فكان في الاستماع الدائم إلى أهل المهنة كما قام بعديد المبادرات منها مزيد فتح الفضاء الإعلامي المكتوب وتدعيمه بعناوين جديدة ذات توجهات ومشارب مختلفة. كما تمّ اتخاذ جملة من الإجراءات لدعم صحافة التعبير وصحافة الأحزاب ولئن لم يتمكّن أهل القطاع من الاستفادة مائة بالمائة من هذا المناخ الذي توفّر فإنّ إرادة الرئىس كانت خير دافع للتخلص من شوائب الماضي والتحرّر من الموروث السيء الذي كبّل أهل المهنة بالرقابة الذاتية ومحدودية المبادرة ولا شك أنّ سنوات التغيير وما فيها من مبادرات ورعاية رئاسية قد مكنت من تحرير الممارسة الصحفية إلى حدّ بعيد من ذلك الموروث ولا بد من الاعتراف بما هو ملموس ومحسوس من تطوّر في الإعلام المكتوب التونسي الذي بدأ يرتقي بخطابه وبشكله ومضمونه مستفيدا ممّا توفّر من مناخ تشريعي وسياسي ولكن أيضا من العطف الرئاسي الخاص الذي شكّل ضمانة معنوية هامة للصحفيين وأهل المهنة، والأكيد أنّ هذا الكم من الرعاية الرئاسية سيدفع نحو مزيد التطور ليرتقي الإعلام إلى مستوى الإنجاز ومستوى تطلعات الجمهور ومستوى تطوّر البلاد على جميع الأصعدة أما الإعلام السمعي البصري فقد شهد عملية إنقاذ حقيقية بفضل إعادة هيكلة التلفزة والإذاعات العمومية. ولقد تخلّص الخطاب السمعي البصري من الشخصنة واللغة الخشبية الأحادية ليتعدّل على مسار التغيير ويساير الإصلاحات التي شملت كلّ الميادين وأوّلها الخطاب السياسي الرسمي. إنّ المتابع لتطوّر المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية العمومية يلمس بلا شك أن نسمة جديدة قد بدأت تهبّ على شكلها ومضمونها بفضل إرادة سياسية من أعلى هرم السلطة فقد تمّ في البداية تحسين آداء القناة التلفزية الوطنية كما دخلت الإذاعات الموجودة ورشة الإصلاح لتعدّل برامجها وتوجّهاتها على حركة التغيير التي يشهدها المجتمع، وبعد تثبيت هذه الخطوة تم تعزيز المشهد بقناة الشباب التلفزية التي حققت منذ بداياتها قفزة نوعية في الأداء الإعلامي وكذلك كان الشأن بالنسبة للقنوات الإذاعية الجهوية التي عززت الإعلام السمعي البصري بمادة جديدة قريبة من تطلعات المواطن في تلك الجهات. ولا شك أن فتح الفضاء الإعلامي السمعي البصري للقطاع الخاص كان تتويجا لكلّ هذه الإصلاحات ولقد كان القرار الرئاسي التاريخي يوم 7 نوفمبر 2004 شجاعا وفريدا من نوعه في المحيط الإقليمي ممّا حقق لبلادنا السبق والانفراد بولادة أوّل إذاعة خاصّة حرّة جاءت لتكمّل ما هو موجود ولتضيف روحا جديدة على هذا المشهد الذي طالما حرص الرئىس زين العابدين بن علي على أن يكون مرآة عاكسة لمستوى التطور الذي شهدته تونس منذ التحول. إنّ الصدى الواسع الذي لقيه قرار الرئىس بتحرير الفضاء السمعي البصري، يؤكد أن المبادرة جاءت في وقت مدروس، وفي مرحلة تم فيها إنضاج الظروف للمرور إلى مرحلة جديدة في مجال إصلاح الإعلام وليس صدفة أن يجمع المراقبون الدوليون على مباركة هذه الخطوة واعتبارها مؤشرا لا يترك مجالا للشك على سلامة المسار وعلى أن بن علي رجل إنجاز له رؤية متكاملة في الإصلاح مراحلها مضبوطة ومعدّلة على مبدأ «كلّما تحقق إنجاز وثبت فرعه تم الانتقال إلي الخطوة الموالية». إنّ ميلاد إذاعة موزاييك كان ثمرة مباشرة وتنفيذا عاجلا لقرار قائد يقرن القول بالفعل وليس من الصدفة أن تشهد هذه الإذاعة الفتية إقبالا سريعا و منقطع النظير فذلك بفضل عبقرية الرئىس زين العابدين بن علي الذي عوّدنا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب فارتفاع نسبة الاستماع إلى الإذاعات التونسية قفز منذ ذلك القرار إلى ثلاثة أضعاف بشهادة مكاتب الدراسات المختصّة وذلك إن دلّ على شيء فعلى أنّ القرار استجاب لتطلعات الناس وانتظاراتهم وشعر الشعب بمختلف شرائحه في واقعه الملموس بأنّ الإعلام التونسي بصدد مواكبة تأثيرات التغييرات الإيجابية على نمط عيشهم وعقليتهم وحياتهم اليومية، والأكيد أن ميلاد قناة تلفزية خاصّة سوف يؤكد هذا الجانب ويكون بدوره أحد حجج سلامة التمشي في تونس. إنّ الإصلاح لا قيمة له طالما لم يكن استجابة لحاجة الشعوب وتتويجا لمسار الإصلاح وفي تونس لم يكن التغيير الشامل في كلّ الميادين ركوبا لموجة أو إسقاطا خارج رغبة الشعوب لقد كان الإصلاح نابعا من قراءة عميقة وواعية لواقع البلاد وحاجياتها وذلك ما جعل من بلادنا نموذجا يستقطب كلّ المراقبين والهيئات الدولية فقد حققت تونس المعادلة الصعبة بين الإصلاح الشامل والتغيير الكامل دون أضرار واستطاعت بلادنا أن تمضي في طريقها بثبات في زمن عصفت فيه التغييرات باستقرار الشعوب وأدخلتهم في بوتقة الفوضى. لقد بات واضحا أن الشعب التونسي أدرك هذه الحقيقة ولمس منهج الرئىس زين العابدين بن علي المتسم بالصدق والجدية والحكمة وأصبح على قناعة بأن منظومة التغيير مازالت ستتواصل وأنّ الإنجاز سيليه دائما إنجاز آخر وهو ما يؤكد تمسكه بالاستمرارية والتفافه حول هذا المشروع المجتمعي الكبير بقيادة رجل أنجز ما وعد وقدّم برنامجا مستقبليا دقيق المعالم حقّق بنوده وأنجز وعوده فظل رجل المرحلة عن جدارة.