إن إصرار عديد الدول في العالم الثالث على احترام القوانين والمواثيق الدولية حتى لو كان نظريا، لا يظاهيه سوى انقساماتها وضعفها وافتقارها للشرعية الشعبية ولم يكن ذلك بالنسبة للبعض الآخر إلا انسياقا في اللعبة الدبلوماسية لجني مكاسب تجارية واستراتيجية وحتى لا تكون على هامش الدول المتقدمة و»المتحضرة» في واجهة صنع القرارات. لقد كان أستاذي في القانون الدولي العام بإحدى الجامعات الباريسية يصدمنا في لحظات مزاح قصدي أو جد هزلي : «اغربوا عن وجهي ماذا تفعلون هنا لقد سبق أن قلت لكم بأن ليس هناك قانون دولي هو مجرد خدعة جاء بها الأقوياء لترويض الشعوب وتليينها وأية أمم متحدة ومجلس أمن دولي بدون عصى غليظة وسلطة تنفيذية»، وسرعان ما يتدارك الأمر عندما يجدنا نصغي إليه باهتمام بالغ ليدخلنا في تفاصيل وحيثيات الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية وبنود ميثاق الأممالمتحدة حتى لا نخرج عن الموضوع المطالب بتلقينه وكأني به يجد متنفسا عندما يصرح بحقيقة ما يعتقده فالسريالية والعبث يكمنان في أن يدرس المرء ما لا جدوى من ورائه : مصطلحات، قوانين ومواثيق دولية لا تنفذ ولا أمل في أن يقع احترامها، ولكنه كان بالنسبة لنا صادقا مع نفسه ومنحازا للحقيقة التي يريد إخفاءها المختصون والأكاديميون لإطالة أمد حياة الخرافة، إلا أن الحقيقة تأبى أن تغيب وتسطع بإصرار وتحد وتفرض جدلية الموت والحياة والبقاء للأقوى مثلما يحدث في هذا الظرف العصيب من حياة الشعب الفلسطيني المجاهد الذي أرهقته سنين من العذاب والغطرسة الاسرائيلية رغم الكم الهائل من القرارات الدولية التي تشجب وتستنكر وتدين الأعمال البربرية والوحشية التي تقوم بها السلطات العنصرية من قتل وترحيل وتجريف وتهديم للمنازل قوة عسكرية رهيبة.. ترسانة نووية في مجابهة شعب أعزل تتلمّس سلطته الوطنية أحجار العتمة لبناء دولة مستقلة بمرأى ومسمع من أمم متحدة غائبة لأنها فاشلة وينقصها الاتفاق والاتحاد بعد انفلات المبادرة منها وحجم الشرخ الحاصل لها نتيجة انفراد الولاياتالمتحدة بالمبادرة وشنّ الحرب على العراق. لقد سقطت كافة الأقنعة عن المنظمة الأممية وبانت الألاعيب والمخططات وأوراق التوت التي تغطي بها الدول العظمى صاحبة حق النقض في مجلس الأمن الدولي، نعم لقد سقطت مساحيق القانون الدولي التي يخفي بها الأعضاء الدائمون فيه دمامتهم وبعض عيوبهم المتأصّلة وأصبح القانون الطبيعي ولمَ لا نقول قانون الغاب هو الحكم والفيصل لحل النزاعات بين الأمم. لئن كانت حرب العراق بداية لتهميش القانون الدولي وتحييده عن الصراعات الدائرة في العالم فإن حرب الاستيطان والإبادة الدائر رحاها حاليا بفلسطين ستكون شاهدة على انحلال وقبر كل أطر الشرعية الدولية وفقدان دول برمّتها لأدنى الهواجس والدوافع الانسانية للمناداة بوقف جنون القوة. كبرنا وغادرنا مدارج الكلية وبقيت كلمات الأستاذ العجوز ترنّ في آذاننا حتى أقضّت مضاجعنا فوجدنا أنفسنا ننام ونصحو على عدم احترام الدول العظمى المستعمرة سابقا، وحليفاتها لعدد كبير لا يحصى من قرارات الأممالمتحدة وخرق قوانين صادقوا عليها وتبنّوها في يوم ما لأنها لم تعد تلائم مصالحهم، فأصبح من اللّزوم امتطاء قانون القوة عوضا عن قوة القانون إذ أضحى السبيل الأقصر والأقوم لها حتى لو عبدته بجماجم الأبرياء. إن أرض العراق الصامدة وفلسطين مهد الأنبياء التي قبرت فيهما غزوات كثيرة عبر التاريخ، لقادرة دوما على اعطاء الانسانية قاطبة دروسا عن «خرافة» التدخل الانساني وتطبيق قانون دولي لا «وجود له البتة»، كما صدق عندما قال أستاذي الجليل رحمه اللّه. بقلم الأستاذ نبيل بن فرج (المحامي)