لا يمكن ان تمرّ مناسبة حلول العام الجديد 2026 دون ان تتجدّد آمال التونسيين لتحقيق أمنيات لم تتحقّق في السابق او طال انتظار تحقيقها لأسباب مختلفة.. أمنيات وإن يتعلق بعضها بالجانب الشخصي إلا أن جزءا كبيرا منها يكون دائما في شكل انتظارات مرتبطة بالشأن العام للبلاد ويحيل مباشرة الى ما على الدولة تحقيقه لفائدة مواطنيها.. وهي انتظارات تهم أساسا الوضعين الاجتماعي والاقتصادي وما يمثّلانه من أهمية بالنسبة الى المواطن وأيضا بالنسبة الى المصالح الحيوية للدولة التي تتأثر بدورها بهشاشتهما وبضعفهما. ينتظر المواطن التونسي أن تتحسن في العام الجديد ظروفه المعيشية فيقدر على مجاراة نسق الحياة بمختلف جوانبها في ظروف مريحة. فأسعار المعيشة في بلادنا خاصة بالنسبة الى عديد المواد الأساسية لم تنفك يوما عن الارتفاع المتواصل والمشط وتحولت الى هاجس جماعي وكل ذلك بسبب تواصل نشاط "عصابات السوق" و"لوبيات" اقتصاد الريع . ويأمل المواطن في ان تضاعف الحكومة خلال هذا العام الجديد جهودها لمزيد مراقبتها وكبح جماحها وردع مرتكبيها بشكل حقيقي وناجع وفق استراتيجية واضحة وآليات أكثر صرامة وتشددا تجعل من تحمل تكاليف العيش الكريم أمرا ممكنا ولا يفوق قدرات الناس. ينتظر المواطن خلال هذا العام الجديد أن يتحسّن اكثر حال المرافق والخدمات العمومية التي تحوّلت بدورها الى عبء ثقيل على كثيرين يحول دونهم والعيش في ظروف آمنة ومريحة وسعيدة. ويتعلق الامر أساسا بالمرافق الأساسية على غرار التعليم والصحة والنقل والخدمات الإدارية والبنية التحتية والوضع البيئي في عديد المدن والاحياء. فرغم جهود الدولة في الأعوام الأخيرة لاصلاح هذه القطاعات إلا أن نقائص عديدة مازالت تطغى عليها وتعطل سيرها العادي والطبيعي وتؤثر سلبا على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. وعلى صعيد آخر ينتظر المواطن ان يقع تخفيف الأعباء الجبائية والمالية عنه. فالضغط الجبائي في تونس هو الأعلى مقارنة بدول مماثلة باعتبار ان المواطن اصبح مضطرا الى تحمل تكاليف افلاس المؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية من خلال الاقتطاعات العديدة من الأجور والمداخيل ومن خلال الضرائب العديدة المرتفعة. وقد آن الأوان خلال العام الجديد لوضع حد لهذا الوضع حتى لا يتحمل المواطن وميزانية الدولة مستقبلا مسؤولية ما يحصل من سوء حوكمة وسوء تصرف في بعض دواليب الدولة. يأمل المواطن من الدولة بحلول العام الجديد في ان يتحقق التطور الاقتصادي المنتظر في مختلف القطاعات الأساسية وان يتطور بعث المشاريع قصد احداث مزيد من مواطن الشغل وان تتجه الدولة نحو "المشاريع الاستثمارية العملاقة" القادرة على تغيير وجه البلاد خاصة في مجال البنية التحتية والرياضة والثقافة والخدمات والسياحة والصناعة والفلاحة والتجارة. ويأمل أيضا في ان تتطور الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في مختلف القطاعات وان يتحقق الانتقال الطاقي الذي طال انتظاره منذ عشرات السنين والقادر على تخفيف عبء فاتورة الطاقة عن المواطن. ومن انتظارات المواطن بمناسبة العام الجديد أيضا مزيد ردع كل المظاهر الاجرامية ومظاهر الفوضى العديدة التي أصبحت تمثل بدورها كابوسا يخيّم على الحياة العامة للناس وعلى الدورة الاقتصادية والتجارية في البلاد خاصة مخاطر السرقة و"البراكاج" والاعتداءات في الفضاء العام وفي وسائل النّقل وغيرها. كما ينتظر التونسيون مزيد التعاطي مع الفساد بشكل أكثر نجاعة وصرامة خاصة بعد ان اصبح بعضه يهدده في معيشته وفي استقراره الاجتماعي بل ويهدد مصالح الدولة المالية والاقتصادية. وكل ذلك يتطلب إصلاحات تشريعية مختلفة تأخذ بعين الاعتبار التطوّرات الحاصلة في مختلف المجالات وتحقق الردع المطلوب . ينتظر التونسيون أيضا في العام الجديد ان يتطور اهتمام الدولة اكثر فأكثر بكل ما يهم موارد الرزق وتشغيل العاطلين. صحيح أن الدولة خطت خطوات هامة في ما يتعلق بالتشغيل من خلال إعادة فتح الانتداب في الوظيفة العمومية وانهاء التشغيل الهش ووضعت عدة برامج للتشجيع على المبادرة الخاصة لكن ذلك يظل غير كاف خصوصا بالنسبة الى الشباب الذي يحدوه الحماس لإطلاق مشاريع متطورة في المجال الرقمي والخدماتي والسياحي لكن بعض التشريعات والإجراءات البيرقراطية مازالت تكبله فضلا عن حرمانه من التمويلات اللازمة.. عام جديد وآمال وانتظارات عديدة بإمكان الدولة تحقيقها خاصة في ظل توفر إرادة سياسية عليا للاصلاح وتوفر عديد القدرات والامكانات لذلك ، لكنها ستظل رهينة تحلي الحكومة والمسؤولين بالجرأة والشجاعة وبروح المسؤولية في التعاطي مع مختلف الملفات.. فاضل الطياشي