كرٌّ وفرٌّ بين وزارة التجارة وباعة الدواجن هذه الأيام. فهذا القطاع، الأكثر إقبالًا من طرف شريحة واسعة من التونسيين، بأكثر من 350 طنًا استهلاكًا يوميًا و13 ألف طن شهريًا، لم يخرج عن دائرة الجدل بين الحين والآخر، ويُحسب فيه ألف حساب لكل مليم زائد عن التسعيرة العادية. في أكثر من مرة تدخلت وزارة التجارة لضبط أسعار الدواجن وإصدار البيانات والبلاغات في هذا الشأن، لكنها لا تلقى الامتثال لتطبيق التسعيرة من أهل القطاع، وتنفلت من بين يديها خيوط التحكم في مسالك التوزيع. وقبل حلول الشهر الكريم كانت قد أعلنت عن الأسعار المعمول بها للحوم البيضاء ولوّحت بالتصدي للمتجاوزين والمتلاعبين ومستغلي الفرص، ليجد المستهلك نفسه، بعد انقضاء النصف الأول من رمضان، يواجه ارتفاعًا غير مبرر لمنتوج بقي العنصر الغذائي الوحيد المتاح للأغلبية في ظل غلاء أسعار السمك واللحوم الحمراء. فالتاجر يبرّر أنه الحلقة الأضعف في سلسلة حلقات مسؤولة عن تحديد الأسعار، من مرحلة الإنتاج وصولًا إلى الذبح والبيع، ويصرّ على أنه مجرد واجهة للبيع في سوق يديرها المنتجون والموزعون وأصحاب المذابح. كما يؤكد هؤلاء أنه كلما تدخلت وزارة التجارة لفرملة الأسعار، تدخّل المتحكّمون في دواليب السوق للضغط على الكميات التي يتم ضخها في نقاط البيع وافتعال الندرة، مقابل الإكثار من لحم الدواجن المجزأ باعتباره خارج التسعيرة والأرفع ربحًا. ليكون بذلك ما تُوقّعه الوزارة باليُمنى يَشطبه بعض المنتجين والموزعين باليسرى، وتدار الأسعار تحت الستار في مساعٍ متحدية لكسر قواعد السوق وليّ عنق القرارات حسب الحاجة الاستهلاكية المفروضة، دون مراعاة عامة المستهلكين، خاصة من هم ضعاف الحال. وبما أن الحاجة فرضت إقبالًا غير مسبوق على اللحوم البيضاء وجعلت قطاع الدواجن شريان العرض والطلب في سوق اللحوم على امتداد السنة، وبصفة خاصة في شهر رمضان الذي يسجل ارتفاعًا في الاستهلاك قد يصل إلى 50 بالمائة، وعى أهل القطاع بضرورة اغتنام الفرصة والتمرّد على كل سلطة قادرة على ضبط الأسعار وكبحها. ليبقى المواطن، بين هذا الكرّ والفرّ، أضعف الحلقات؛ يحتجّ وينتقد، لكنه في النهاية يمتثل للشراء في غياب البدائل الممكنة والمتماشية مع قدرته الإنفاقية. ومع ذلك تواصل الوزارة وعيدها وبياناتها، ويواصل المنتج وصاحب المذبح والموزع بالجملة والتفصيل تحيّن الفرص واستغلال ثغرات السوق لإسقاط قرارات أجهزة الدولة الرسمية في الماء، إن لم يكن جهرًا فسرًّا، وهو ما يسمى بالتحكم في السّوق من تحت الطاولة أو خلف الستار. ولئن عادت الوزارة إلى تحديد الأسعار القصوى للدجاج بداية من أمس 09 مارس، في ما يشبه ورقة حمراء في وجه المتجاوزين والتوعّد من جديد بتطبيق القانون وفرض أقصى العقوبات، فإن هذه الحرب الخفية بين الموزعين والمنتجين لا يمكن الانتصار فيها بسياسة الشدّ والمدّ والحلول الموسمية، بل تستوجب، إلى جانب الردع، ضبط مسالك توزيع الدواجن ومشتقاتها خطوة بخطوة من المنتج إلى المستهلك. ومثلما خاضت الوزارة تجربة رقمنة مسالك توزيع المواد المدعمة، وهي في مرحلة تجريبية حاليًا، بإمكانها توسيع هذا المشروع والمراهنة عليه ليشمل، حسب الأولوية، أهم القطاعات الاستهلاكية الحيوية، للضرب على أيادي المستكرشين وضمان الانضباط لقوانينها حتى لا تكون حبرًا على ورق. وحيدة المي