عندما أطلق الامريكان والصهاينة عدوانا غاشما على طهران في 28 فيفري الماضي، لم يكونوا يدركون حجم المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم، واستهانوا بخصم فاجأهم عسكريا وأثبت مهارة عالية تفاوضيا. فبين مفاجآت الميدان و مهارة التفاوض عند الايرانيين، وجدت أمريكا نفسها في موقف لم تكن تتصوّره عندما اعتقدت أنها ذاهبة في نزهة، فالتقديرات التي بُنيت على فرضية الحسم السريع بدأت تتراجع أمام واقع مختلف، وهو ما عبّر عنه المستشار الألماني فريدريش ميرتس حين رجّح أن واشنطن لن تتمكن من إنهاء الحرب بسرعة، مؤكدا أن الإيرانيين أقوى مما يعتقد البعض، وأن الأمريكيين لا يملكون استراتيجية مقنعة حقا في المفاوضات. هذا التوصيف الصادر عن مسؤول أوروبي بارز يسلّط الضوء على نقطة أساسية، وهي ان إيران ليست خصما سهلا، لا في الحرب ولا على طاولة التفاوض التي يتقن الايرانيون لعبتها جيدا وهم "أهل كياسة وسياسة" منذ قديم الزمان. فمنذ عقود، بنت طهران نهجا يقوم على الصبر الاستراتيجي، وتوزيع أوراق القوة، وتجنّب المواجهة المباشرة حين لا تكون في صالحها، مع الاستعداد لاستخدام أدوات ضغط متعددة عندما تقتضي الحاجة. وفي الجانب العسكري، أظهرت التطورات الأخيرة أن قدرة إيران لا تقاس فقط بحجم جيشها التقليدي، بل بشبكة نفوذها الإقليمي، وموقعها الجغرافي الحساس، وقدرتها على تهديد مسارات الطاقة العالمية (مضيق هرمز). ولهذا لم يكن مستغربا أن يتحدّث رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن ثلاث أوراق ضغط رئيسية لم تستخدم بالكامل بعد، وهي مضيق هرمز الذي تم تفعيله جزئيا فقط، ومضيق باب المندب الذي لم يُفعّل بعد، إضافة إلى خطوط أنابيب النفط التي لا تزال خارج دائرة التصعيد. هذه الرسائل ليست مجرّد تصريحات إعلامية، بل جزء من حرب نفسية وسياسية مدروسة، فإيران تدرك أن الاقتصاد العالمي شديد الحساسية تجاه الطاقة، وأن أي اضطراب في الممرات البحرية أو البنية التحتية النفطية يمكن أن يرفع كلفة المواجهة على خصومها بسرعة، وبذلك تتحول الجغرافيا إلى عنصر قوة، ويتحول الوقت إلى سلاح بيد الطرف الأكثر قدرة على التحمل. أما في التفاوض، فتبدو "المدرسة الإيرانية" أكثر وضوحا، فالمقترح الجديد الذي نُقل عبر الوسيط الباكستاني، والقائم على فتح مضيق هرمز مقابل فك الحصار وتأجيل الملف النووي، يعكس براعة في تقسيم الملفات وإعادة ترتيب الأولويات و مهارة عالية في سياسة التدويخ والمناورة. وبدلا من الدخول في صفقة شاملة سريعة، تسعى طهران إلى تجزئة القضايا، وربط كل ملف بمقابل محدد، وخلق مسارات تفاوض متوازية تستنزف الطرف المقابل وتنهكه وتشتت تركيزه وقوته. ويرى مراقبون أن الهدف من هذه الصيغة هو إدخال المفاوض الأمريكي في متاهة التفاصيل، وهي أمن الملاحة، العقوبات، التخصيب النووي، الترتيبات الإقليمية، وضمانات التنفيذ، وكلما تعددت الملفات وتراكمت، أصبح اتخاذ القرار أصعب، خاصة داخل إدارة أمريكية تواجه ضغوطا داخلية وخارجية متزامنة. ولطالما ارتبطت صورة الإيرانيين تاريخيا، في الوعي السياسي الإقليمي والدولي، بالحنكة والقدرة على المناورة الدبلوماسية، وقد يكون في هذه الصورة شيء من التعميم، لكنها تستند إلى تجارب متكررة أظهرت قدرة صناع القرار في طهران على كسب الوقت، وامتصاص الضربات، وتحويل نقاط الضعف إلى أدوات مساومة. المفارقة أن واشنطن، التي دخلت المواجهة وهي تراهن على التفوّق العسكري والضغط الاقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام خصم يرفض الانكسار السريع، ويجيد اللعب على تناقضات النظام الدولي، ففي الميدان لم يتحقق الحسم المتوقع، وفي السياسة لم تظهر بعد صيغة اتفاق سهلة. لذلك يمكن القول إن إيران نجحت حتى الآن في فرض معادلة مزدوجة، وهي تعقيد الحرب ومنع نهايتها السريعة، وتعقيد التفاوض ومنع الوصول إلى تسوية مجانية، وبين هذين المسارين، تبدو الولاياتالمتحدة مطالبة بإعادة تقييم حساباتها، لأن التعامل مع طهران لا يحتاج فقط إلى القوة، بل إلى استراتيجية طويلة النفس، وفهم عميق لطريقة تفكير خصم يجيد الصبر والمساومة في آن واحد. ففي النهاية، قد لا يكون السؤال من الأقوى عسكريا فقط، بل من الأقدر على إدارة الزمن، وحتى الآن يبدو أن الإيرانيين يعرفون جيدا كيف يجعلون الوقت يعمل لصالحهم، وكيف يجلب الصبر الاستراتيجي النصر. بدرالدّين السّيّاري