وسط فضاء ينبض بالألوان والكتب والألعاب، ويضج بأحاديث الأطفال وضحكاتهم وحماسهم، اتخذت رحمة لنفسها طاولة رفقة طفلها البالغ من العمر سنتين ونصف، يتصفحان كتبا حُبرت ورقاتها بقصص الحيوانات الصغيرة وصورهم. كان الطفل معتادا على ملمس الورق يصافحه كأنه صديق دائم التواصل معه وكانت الأم تقرأ على مسامعه القصة المكتوبة، بحماسة طفلة تكتشف هي الأخرى فحوى ما كُتب للمرة الأولى. "إنه معتاد على مصافحة الكتب، فمنذ الأيام الأولى بعد ولادته كنا نقرأ على مسامعه القصص، ومنذ أن بدأ تعلم تحريك الأشياء مكنّاه من قصص صغيرة يتصفحها ليبني رابط مع الكتاب منذ الصغر"، هكذا تحدثت رحمة لوكالة تونس افريقيا للأنباء عن منهجها في ترغيب طفلها منذ سنواته الأولى في المُطالعة، مبينة أنها اختارت أن تربيه في معزل عن الشاشات لما يمكن أن تُخلفه من مضار على صحته، وفي المقابل تحاول رفقة أبيه انشاء علاقة بينه وبين الكتاب حتى يكبر على حب الكُتب. في طاولة على مقربة من مكان جلوس رحمة وطفلها، بفضاء الأطفال واليافعين بمعرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين (من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026 بقصر المعارض بالكرم) كانت أستاذة التربية البدنية، زينب الوسلاتي، تجلس رفقة ابنتيها يتصفحن قصصا مُنجزة بتقنية ثلاثية الأبعاد ويتحاورن حول فحوى هذه الكُتب معبرات عن اعجابهن بالتقنية المُعتمدة لما تُساهم فيه من تقديم مادة تُحاكي الواقع. زينب التي تزور معرض الكتاب ضمن رحلة من تنظيم دار الشباب بوسالم بولاية جندوبة، حلت يوم أمس الأحد بالمعرض للمشاركة في فعاليات قسم الأطفال واليافعين الذي يُقدم برنامجا ثريا ومتنوعا، وأيضا لزيارة أجنحة العارضين لشراء ما يشدهن من الكُتب وأملا في ملاقاة كُتاب ومُفكرين تونسيين وأجانب، وذلك وفق تصريحها لوات. وفضلا عن الوافدين من بوسالم، استقبل فضاء الأطفال واليافعين بالمعرض يوم أمس الاحد الذي شهد إقبالا مكثفا، العديد من الرحلات من مناطق مختلفة من الجمهورية من بينها، نابل وزغوان والمهدية وقابس، كما يستقبل هذا الفضاء يوميا ومنذ افتتاح المعرض عديد الرحلات التي تنتظم بمُشاركة هياكل راجعة بالنظر إلى وزارة الشؤون الثقافية ووزارة التربية ووزارة الشباب والرياضة بمختلف الولايات. وحول ما ينتظر هؤلاء الأطفال وغيرهم من الوافدين على المعرض وتحديدا فضاء الطفولة واليافعين، أشارت ليلى الهمامي مديرة المطالعة العمومية في تصريح لوات أن هذا الفضاء منقسم بدوره إلى فضاءات صغيرة يضم كل واحد منها إحدى التعبيرات الثقافية، بين مكتبة توفر مساحة للمُطالعة وصناعة القصة، وفضاء الابتكارات الذي يجمع عددا من ممثلي المؤسسات الناشئة التي تعمل في مجال الابتكارات التكنولوجية التي تثمن الموروث الثقافي التونسي. وبالإضافة إلى هذه الفضاءات، يخصص القائمون على المعرض ركنا للألعاب الالكترونية الموجهة، الذي تم احداثه بهدف كسر الصورة النمطية التي تربط مختلف الألعاب الالكترونية بإحداث ضرر للأطفال، من خلال تقديم رسائل للأولياء مفادها أنه يمكن للطفل اللعب والتعلم بطريقة علمية تُجنبه الإدمان ومختلف المضار النفسية. وفي هذا السياق تؤكد الهمامي على ضرورة توجيه الطفل نحو ألعاب من شأنها أن تفيده. ويُمكن للأطفال المُولعين بالرسم والتلوين أن يجدوا ضالتهم في ركن "المرسم الصغير" الذي تم تخصيصه للبراعات اليدوية والرسم والقولبة والخط العربي وغيرها من المهارات، فضلا عن تخصيص ركن للفن الرابع والموسيقى ويحتضن عروضا مسرحية وعروض تلاميذ معاهد الموسيقى العمومية والرقص الذين يتوافدون على فضاء الأطفال واليافعين من مختلف الولايات من خلال الرحلات التي يتم تنظيمها. وتقوم فلسفة الفضاء على البعد التفاعلي بين الأطفال من مختلف مناطق الجمهورية وبين المؤطرين والمشرفين، فالأطفال الوافدون من الجهات يشاركون في الورشات ويشاهدون عروضا، وفي الآن ذاته يقدمون هم بدورهم ورشات وعروضا، كما يشاركون أيضا في مسابقات صغيرة تنتظم بهدف تثقيف الأطفال في بعض المجالات وتمكينهم من كُتب في شكل جوائز تساهم في تحفيزهم على المُطالعة. وفي هذا السياق أمنت هالة شمس الدين المتصرف الثقافي بالمكتبة الجهوية بقابس رفقة زملائها القادمين مع أطفال قابس للمعرض عددا من الورشات المختصة في الرسم على الوجوه والرسم والكاراوكي المطالعة ومسرحة القصة والحكواتي وعددا من الأنشطة الأخرى. وتعتزم هالة مرافقة الأطفال في جولة داخل المعرض لاكتشاف دور النشر والاتصال المباشر مع الكُتاب والكِتاب، وذلك حسب تصريحها لوات. ووسط تلك الفسيفساء من التعبيرات الثقافية والورشات اليدوية والفكرية، آثر عدد من الأطفال تطوير زادهم المعرفي في علاقة بالموروث الثقافي غير المادي التونسي، والطابع المعماري للبلاد، وذلك من خلال لعبة ورق جماعية حول الذاكرة، تحتوي على معلومات حول اللباس التقليدي التونسي وخزف "القلالين" الذي يُعتمد تاريخيا بشكل متواتر في المعمار التونسي. وحول هذا المشروع الثقافي الذي تُجسده اللعبة، أشارت نادية بوزقرو وهي مهندسة معمارية ومؤسسة إحدى الشركات الناشئة المُحتضنة من قبل مركز تونس للاقتصاد الثقافي الرقمي، إلى أنها تهدف إلى التعريف بالموروث الثقافي للبلاد من خلال الألعاب التثقيفية والتعليمية الموجهة للأطفال. وفي إجابة عن سؤال "وات" حول التدقيق التاريخي للمعلومات الموجودة في الألعاب، أشارت صاحبة المشروع إلى أنه يتم تدقيق مختلف المعلومات من قبل الخبراء وأيضا من قبل المعهد الوطني للتراث. هذه الألعاب التي صُممت للأطفال انطلاقا من عمر الخمس سنوات، تلقى اهتمام التونسيين من شرائح عمرية مختلفة حتى أنها تجمع الأطفال والأولياء على طاولة واحدة للاستمتاع والتعلم في الآن ذاته، وفي هذا الإطار تقول الطفلة يقين البالغة من العمر عشر سنوات، ل"وات"، أنها أُعجبت بهذه اللعبة التي مكنتها من التعرف على أصناف من اللباس التقليدي لم تسمع عنها من قبل وتستمتع في الآن ذاته خاصة وأن المُنافسة مع بقية الأطفال في اللعبة حماسية. وجدير بالذكر أن برنامج فضاء الأطفال واليافعين خلال الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب يضم 216 نشاطا تتوزع على سبعة فضاءات ويُقام بالشراكة مع خمسة وسبعين مؤسسة. تابعونا على ڤوڤل للأخبار