* عبد الباقي شمسان : كاتب وباحث يمني مقيم بتونس انسحب منبين الزحام شيئا فشيئا، استدارت عيناه شمالا، يمينا، ودون ان يحرّك رأسه قيد انملة، استدارت عيناه مرة... مرتين.. وبدأ جسمه يتخذ هيكلا بشريا التوائيا بشكل تدريجي، وجسمه يرتعش صعودا وهبوطا... اصابع يده اليمنى، اتخذت شكل الكسيح، واليسرى تدلت الى اسفل وكأنها مصابة بالشلل... اللعاب في فمه، تجمع مشكلا رغوة كتلك التي تفرزها النياق... الوجه لم يغسله هذا الصباح وربما الصباحات السابقة وفي زوايا العيون حبيبات بيضاء... شعر مقدمة الرأس منتصبا كأقصاب السكر... شعر خلف الرقبة والأذنين ألتف كالأهلة.. ****** قبل ان يبرك متثاقلا كالجمل المريض، وضع قطعة ورق مقوى قديمة عديمة الشكل، وبينما هو يحاول الجلوس، انكشفت اصابع قدمه اليسرى من ثقب الحذاء الرياضي، الذي بدأ عليه القدم، وجلده متصلب تشعر بقسوته في قدميك... وبدأت قطعه علكة ملتصقة بشدة على بنطلونه الأخضر، الذي تتقاسمه بقع سوداء متفاوتة من حيث الكثافة من مكان الى آخر، ويبدو انه لم يعرف الماء منذ حصوله عليه، اما قميصه، فيصعب تمييزه ولكنه محتفظ بصعوبة بقفلتين. ****** ارتمى بصعوبة كقطع مركبه لهيكل انساني، ومازالت عيناه تحومان مثل كاميرات المراقبة الالكترونية... اطمأن... وبعد دقيقة رمى بورقة غير واضحة الخطوط تتوسط ورقتين من البلاستيك الشفاف، يبدو انها نظيرا (Photocopy) تثبت اعاقته وحاجته للمساعدة. ****** يختار اماكنه بدقة، ويغيرها باستمرار حتى لا ينكشف امره.. ما بين محطة الحافلات حيث ينتظر العشاق بعضهما البعض دون إثارة الانتباه وغالبا ما يكون فتاة، والسوق التجاري. واتخذ موقعه بخبرة ودراية. ****** العابرون يمرون بسرعة، يرمون قطع نقود صغيرة، ولا يتفوه بكلمة، عيناه تقولان ما لم تقله الكلمات ببلاغة مؤثرة.. اليوم كان سيئا، انتصف النهار، لا يوجد غير قطعة من فئة عديمة الجدوى الشرائية وربما لا تساوي ثمن طبعها... ساورته الشكوك، هل عرفوني؟ هل...؟ يحدّث نفسه: غدا سأنتقل الى مكان جديد، لم يكمل حديثه بعد واذا بقطعة نقود، تساوي ما يجمعه كامل اليوم، سقطت امامه.. وظل صاحبها يتأملها وهو ممسك بفتاة جميلة، ربما تكون خطيبته.. ربما تكون... تلك هي المرة الاولى التي يرمي او يعطي مبلغا لمحتاج، وكأنه يودّ لو يرجع فيما بعد فراقها لأخذ تلك القطعة، وربما ما جمعه ذلك المتسوّل، اخبرها والدموع في المآقي انه غالبا ما يعطي كل ما يملك لمن هم كهذا المحتاج، وقال: مرة اعطيت كل ما في جيوبي وكان مبلغا كبيرا وعدت الى المنزل بقدمي ولم تنقطع قصص الخير طوال فترة بقائها معه. ****** لقد دبت السعادة لثواني، ثم بدأ قلبه يرتجف، عيناه تتحركان شمالا ويمينا... توقفتا عيناه... تأمل وفكر بعمق وقال محاورا ذاته: سآخذها، يكفي اليوم، اخشى ان يأتي اولئك الشياطين يأخذونها لي يكملوا ثمن الجعة كعادتهم. تحركت عيناه شمالا، يمينا، امتدت يده التي كانت مشلولة والتقطت القطعتين... وضعها في جيب بنطلونه.. أخذ تلك الورقة النائمة بين ورقتي البلاستيك وقام متثاقلا وكأن كل قطعة من جسده مستقلة عن الأخرى. ****** انتصب كهيكل انساني مركب... يده اليمنى مصابة بالكساح والأخرى مصابة بالشلل... فيه مملوءة بالرغوة.. يحرك جسمه باهتزاز وعيناه لا تتوقفان عن الحركة، والرأس ثابت لا يتحرك وكأنه ثبت بمسمارين من الجانبين، يجر جسده المركب نحو الزحام، وكلما ابتلعه الزحام، عادت قطعة من جسده الى وضعها الطبيعي... وهكذا... الى ان يستعيد هيئته وقوامه ينطلق دون التفات الى اي اتجاه.. ويسير حتى يتغيب.