بامضاء اتفاق السلام في السودان اليوم بنيروبي، تضع الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، مبدئيا، نقطة النهاية لحرب أهلية استنزفت السودان لأكثر من عشرين سنة، ولمشكلة تستمرّ في هذا البلد العربي منذ 1955. ولم يكن التوصل الى هذا الاتفاق هيّنا منذ ان انطلقت المفاوضات سنة 1994، بمبادرة من الحكومة السودانية التي دعت منظمة «الايفاد» الى ايجاد مبادرة لوضع حدّ للحرب الأهلية الدائرة، حرب حظيت فيها حركة التمرّد بمختلف أنواع الدعم، وخاصة من قبل جهات لا تخفي عداءها لكل ما هو عربي وخاصة اسرائيل التي سهرت على رعاية هذا التمرّد منذ الخمسينات وكذلك الولاياتالمتحدةالامريكية، التي مارست خلال السنوات الأخيرة، مختلف أنواع الضغوط على الحكومة السودانية... واذا كان البعض يرى أن الحكومة السودانية قد قدّمت تنازلات في مفاوضاتها مع حركة المتمردين، فهي أتت في نهاية الأمر، برأس هذا التمرد، أي زعيم المتمردين جون قرنق، الى الخرطوم في منصب النائب الأول للرئيس السوداني، لكنها في حقيقة الأمر تسلحت بالشجاعة، وواجهت جرحا مستمرا، يستنزف جنوب البلاد، ويشتت الجهد الوطني... ثم والأهم من ذلك أنها استطاعت ان تستدرج رأس التمرد هذا الى التراجع عن مواقفه السابقة التي كانت تتسم بالعداء الشديد لعروبة السودان ولعلاقات السودان في العالم العربي، كما استطاعت ان تجعل من أولويات هذه الاتفاقية، هي وحدة السودان بعد أن كانت لحركة التمرد ترغب في فصل الجنوب، وتعمل من أجل ذلك في إطار مناسب جدا لها، بسبب الدعم الامريكي والاسرائيلي، ودول المنطقة عموما، وبسبب انشغال العرب في قضايا العراق وفلسطين، وعدم ايلائهم قضية السودان الاهمية التي تستحق... اليوم يبدأ السودان، مع امضاء هذه الاتفاقية، مرحلة جديدة هي المرحلة الانتقالية التي تستمر ست سنوات، وتنتهي باستفتاء أهل الجنوب حول بقاء الجنوب في السودان الموحد، او انفصاله، وتلك هي النقطة الحرجة التي يستمد منها معارضو الاتفاقية المبرمة، موقفهم، ويتساءلون، ماذا لو اختار الجنوبيون الانفصال؟ يظل ذلك الخطأ قائما، واذا كانت الجهات الرسمية تقول ان الحكومة السودانية تعمل من أجل أن يختار الجنوبيون الوحدة، وذلك باعمار ولاياتهم ومساعدتهم وهي تستحثّ في ذلك الدعم العربي، كما تبدي تفاؤلا بشأن أن يكون الخيار النهائي هو وحدة السودان، ان هذه الاتفاقية قد أرست مبدأ التقسيم العادل للثروة وللسلطة في السودان، وان كانت هذه المسألة تستحق في حدّ ذاتها التوضيح، اذ ان المطالبة بتقسيم الثروة، وهو أحد المطالب الرئيسية لحركة التمرد، يوحي باستئثار الشمال السوداني بكامل الثروة على حساب الجنوب «الافريقي المعدم» في حين ان هذه الحرب قد استنزفت كل الطاقات، وأن الفقر ليس خصوصية الجنوب فقط... وبالتالي فان وقف الحرب هو الانجاز الأكبر في حد ذاته كما ان الاستجابة لبعض مطالب التمرد وكذلك وجود أغلبية الجنوبيين، شمالا، هي من العوامل التي ترجّح كفة الوحدة السودانية، اضافة الى أن تراجع حركة التمرد عن التزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية، لن يعني بالضرورة تقسيم السودان، بل العودة بالوضع الى ما كان عليه قبل الاتفاقية في أسوإ الحالات، وبذلك تكون الخرطوم قد حاولت حقن دماء ابناء الوطن الواحد، وقد حاولت ايجاد فرص أوسع للتنمية... وفي كل الحالات، فان ست سنوات أخرى ستفصل بين ما جرى اليوم في نيروبي، وبين هذا السيناريو المتشائم، ومن هنا حتى ذلك الموعد، قد تتغيّر أشياء كثيرة في المنطقة، وفي العالم...