أكّدت صحيفة «واشنطن تايمز» الامريكية في عددها بتاريخ 23 جانفي 2005 ان «الديمقراطية في تونس تتقدم بنجاح» ودت رجال السياسة في ادارة الرئيس جورج بوش الذين استعصى عليهم فرض الديمقراطية بقوة السلاح في منطقة الشرق الاوسط الى التأمل جيدا في النموذج التونسي للتقدم السياسي ولاقتصادي والاجتماعي والذي يمكن للبلدان الاخرى ان تستفيد منه. وكتب صاحب المقال مارتن سييف رئيس المراسلين السياسيين للوكالة العالمية «يونيتد براس انترناشيونال» وكبير المحققين لمنطقة الشرق الاوسط بالخصوص في هذا المعنى: «تبدو تونس كبلد من العالم العربي لا يسترعي انتباه الامريكيين والسبب ان هذا البلد تخطى عديد القوالب التي تسيء عادة الى صورة البلاد العربية. فهذا البلد العربي خضع لفترة طويلة لسيطرة قوة استعمارية غربية هي فرنسا وهو يقيم مع فرنسا ذاتها علاقات ممتازة منذ عقود ويتمتع بمقومات الاستقرار والازدهار رغم انه لا يمتلك مدخرات نفطية كما ان هذا البلد اختار على امتداد اجيال التعاون مع الغرب والاهم من ذلك كله انه بلد تسير فيه الديمقراطية بنجاح. وتعد تونس او هي من المفترض ان تكون كذلك موضوع دراسة بالنسبة الى السياسيين في ادارة الرئيس جورج بوش ضمن مسعاهم لمواجهة المعضلات العصيبة للفقر والتطرف والتعصب الديني في منطقة الشرق الاوسط والتي افرزت تهديد تنظيم القاعدة وبروز شبكات اخرى من الارهاب الدولي الاعمى. ومن المفارقات ان مجموعات محرري الافتتاحيات ما فتئوا يدلون بارائهم بخصوص وجوب فرض الولاياتالمتحدةالامريكية الديمقراطية بالقوة في البلدان العربية او بخصوص استحالة توفق هذه البلدان الى بعث مؤسسات ديمقراطية عملية في حين اثبت الواقع ان عديد البلدان نجحت في ذلك الى حد ما وهي مجموعات نتيجة جهل واضح لم تدرك بعد وجود نموذج تونسي. وبالنسبة الى العديدين فإن حقيقة وجود النموذج التونسي وحقيقة نجاحه باستمرار يجعل منه ذلك الواقع الثابت والمزعج الذي تحدث عنه جورج فورت كون هذا الواقع ينفي الاحكام المسبقة المتداولة. ويأتي اصدار كتاب «تونس رحلة عبر بلد يتقدم» للسيدة جورجي ان غايير في اوانه ليؤكد ان تجاهل هذا الواقع لم يعد له اي موجب ولا ان يظل كذلك مبررا قابلا للتصديق لاطلاق مثل هذه الاحكام العامة والمغلوطة من اساسها. وتعد السيدة جورجي ان غايير مؤلفة كتاب «أمير حرب العصابات» الذي يتناول حياة فيدال كاسترو من اشهر المراسلين الامريكيين في الخارج وهي متخصصة كبيرة في السياسة الخارجية الامريكية في صحيفة «واشنطن تايمز» وقد وفرت في مؤلفها الهام حول تونس مرجعا لا غنى عنه بالنسبة الى المهتمين بالبحث عن حلول دائمة للمعضلات التي بقيت اليوم مستعصية عن الحل في منطقة الشرق الاوسط. ويروي الكتاب في جانب منه اطوار رحلة في اعماق تونس في بداية القرن الحادي والعشرين ويعرض نجاح نموذج توفق في الاستفادة من بروز قارة اوروبية مستقرة ومزدهرة على الضفة الاخرى من المتوسط. ومضى كاتب المقال يقول «الا ان اهمية هذا المؤلف تكمن في القراءة التاريخية الواقعية الموجزة لتاريخ تونس الحديثة التي قدمتها السيدة جورجي ان غايير ولا يوجد على ما اعلم تقديم افضل لهذا البلد في عالم النشر الحديث في الولاياتالمتحدةالامريكية». ويبرز محرر المقال في هذا السياق ان الرئيس زين العابدين بن علي الذي يقارنه بالزعيم دنغ سياو بينغ منقذ الصين اثر انهيار الماوية ارتقى الى الحكم فجنب بذلك البلاد الوقوع في الفوضى واعاد اليها الاستقرار وفتح امامها ابواب الامل. ويضيف ان نجاح تونس التي انتقلت من بلد يحكمه حزب واحد بعد الاستقلال في 1956 الى طور التعددية الديمقراطية اليوم مرده انها اختارت هذا المسار طوعا وعلى مراحل وثابرت على التقدم فيه بثبات. وتمثل الطبقة الوسطى اليوم بالفعل نسبة 80 بالمائة من السكان التونسيين وهو ما لم يحل دون تعمق السيدة غايير ضمن كتابها في التحديات الاجتماعية التي تعد مصدر انشغال بالنسبة الى المجتمع في تونس. ويقول مارتن سييف في مقاله «الا انه في الوقت ا لذي تواجه فيه الولاياتالمتحدة تبعات تدخلها العسكري المكثف وتزايد عدد الضحايا في العراق حيث تتعنت الديمقراطية وترفض الانصياع لاوامرنا فانه لا مفر من التمعن في الاستنتاج الذي انتهت اليه المؤلفة وهو ان التساؤل المطروح ليس حول معرفة ما اذا كا يتعين على بلدان اخرى ان تنهج مسارا على النمط التونسي بل حول ما اذا كان هنالك حقا مسار اخر. والأمر الذي لا نقاش فيه هو انه في الوقت الراهن وحيثما تسنى تحقيق التقدم فان بعض خصائص النموذج التونسي قد وقع اعتمادها كما انه حيثما وقع التفكير بجدية في التقدم فانه لا مناص من اخذ التجربة التونسية بعين الاعتبار وليس ذلك لان التجربة التونسية بلغت درجة الكمال بل لانها تتقدم بثبات في الوقت ا لذي يواجه غيرها الفشل المحتوم. واليوم يتهافت زائرو تونس على المواقع الاثرية الشهيرة بقرطاج احدى اكبر الحضارات البحرية والتجارية في التاريخ القديم التي توصل بحارتها الى كشف جنوب الخط الاستوائي في عهد اليونانيين القدامى الا ان اهم الصادرات التونسية اليوم ليست المواد الاولية او سائر المنتوجات الاخرى بل اشعاع نموذجها للتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وعلى غرار البنغلاديش وماليزيا واندونيسيا جنوبي وجنوب شرقي اسيا فإن تونس بلد ديمقراطي مسلم يتقدم باستمرار. ويقدم مؤلف ا لسيدة جورجي ا ن غايير تفسيرا واضحا لنجاح هذه الديمقراطية وسبل استفادة البلدان الاخرى منها.