بهذا البيت فتح شوقي الباب على مصراعيه امام الشعراء ليتغنوا بالمعلم ويتغزلوا بعذاب المهنة، ويتفننوا في تصوير حالة المسكنة التي يحيا عليها ويموت، وضخموا الصورة وضمّخوها عطرا، وأفاضوا في الكلام ولكن لم تخرج ابداعاتهم شعرا عن خانة أعذب الشعر أكذبة وعن خانة «يقولون ما لا يفعلون» فالمعلم في واقع الحال هو غير ما صور في لشعر والنثر وله صورة في الواقع يجب اظهارها للعموم بلا رتوش ولاخيال مريض! فمن هو المعلم حقيقة؟ هل هو ذلك الذي يضع نظارتين على أنفه، والذي ابيضّ شعر رأسه وغارت عيناه، وزاغ بصره، واحدودب ظهره، وارتعشت يداه وثقلت خطاه وبحّ صوته وتحجّر فكره وتبلّد؟ ام هو ذلك النادر الثمين في سوق الزواج الذي تحلم به العذارى في انتظار ان يعثرن على رجل يلبّي احتياجاتهن؟ ام هو ذلك الحمل الوديع الذي انغرست فيه القيم والمثل التي يدرسها لاطفاله فلا تراه يحيد عنها وتخاله لفرط ذلك وليّا من اولياء الله الصالحين؟ ام هو ذلك الموسوعي الذي احاط بعلوم الاولين ولم يترك للآخرين شيئا؟ أم هو كائن سوبرمان له طاقة خرافية تعادل طاقة سبعين عبدا أسود لا يكل ولا يملّ؟ أم هو ذلك الشارب من نهر الصبر والمكاره حتى عدّ حقا سفينة الصحراء؟ إن شئتم فهو هذا كله وزد عليه وأنقص منه، مع التعديل لمقاربة الحقيقة! وبمعنى آخر، المعلم هو ضحية وضعه المهني ومنزلته الاجتماعية! انه انسان ينطبق عليه كل ما يتعلق بالكائن الاجتماعي، وليس من صالحه ان يعطي أكثر مما يستحق لان ذلك يضرّ به! وهو باختصار موظف في وزارة التربية والتكوين، يقوم بعمل يؤجر عليه ولا مزية له في ما يفعل! ولا ننسى ما للتعليم من دور خطير وهام في المخططات التنموية للبلاد. هذا المسكين يرزح تحت ضغوطات مهنية ومجتمعية وذاتية وهو بحاجة الى التحرر من عبودية الصورة الوهمية والمفخّخة التي يرسمها المجتمع له، فهو ان استحلى تلك الأهازيج التي تحبر في شأنه وطرب لها تعب وهلك، وقضى نحبه غير مأسوف عليه! وثمة كثير من الزملاء الذين كانت أسماؤهم تقرع الطبول وتهز أركان مجتمعاتهم المحلية تناساهم الناس لما تقاعدوا ووضعوا على الرّف، وعاشوا أواخر أيامهم معلبين في بيوتهم لا يراهم فيها غير بنيهم، وأهليهم وأوفيائهم! فلم نقول كاد المعلم أن يكون رسولا؟ عزيز القوم هذا، ذلّه الواقع المرير، من حيث هو موظف في الدولة كسائر الموظفين فامتهن قدره وأخذ يتراجع عن بعض الثوابت التي تميزه عن غيره وسقط في فخ المتاجرة بالدروس الخصوصية! وانغمس فيها وعاد عليه سلوكه هذا بالوبال فابتدأت الالسن تلوك سيرته وافتقدنا فيه معلم أيام زمان!؟ فهل نلومه على هذا؟ إن كنا نفعل فأنى له بتحمل نفقات ابنائه من أكل وشرب ولباس وعلاج ودروس خصوصية؟ ألا ترون انه هو الآخر ضحية الدروس الخصوصية؟ انه يدفع باليسرى ما يأخذه باليمنى! من أجل هذا أدعو الى رفع الحصار عن المعلم، وعتقه من الصورة التي يحلو للناس رسمها له لانها ضارة ومؤذية! ولا يغرب عن أذهاننا أنه في زمن العولمة هذا حيث يغتال الكبار احلام الصغار في نادي القوة العظمى الاوحد في العالم لا يكون المعلم شيئا يذكر في قطاع غير منتج بمعايير الاقتصاد وأنه لا قيمة له اقتصاديا مقارنة بنجوم الكرة والاعراس والمهرجانات، وبنجوم السوق المعلم يحترق كالشمعة وهم ينتفخون ويتلوون كالثعابين. ويطول الحديث عن المعلم وكثيره معاد مكرر! ولن تفلح القصائد العصماء، والنثر الفني في نحت تمثال للمهم يتناسب وحجمه وتتوافق وملامحه وفق متغيرات المرحلة فقد صرنا اليوم نقيّم عطاءاتنا بالمال وهو قوام الاعمال! ومن أجل كلمة فيصل في الموضوع أقول: حالت «كاد» بين المعلم والرسالة والحمد لله، وسيظل قدره هكذا، مادمنا نعتبره جميعا موظفا في الدولة لا غير فضاعت في خضمّ هذا النظرة اليه باعتباره معلما مربيا، وما أدراك ما التربية والتعليم في اعداد النشء والمواطن الصالح. شفيق بن البشير غربال (معلم صفاقس)