ونحن نتأمّل هذا المشهد المأساوي الذي يعيش على وقعه العرب نكتشف ان الوطن العربي «مريض» بسبب السياسة التي تتبعها بعض فئات «المعارضة»... ولكننا ندرك في المقابل انه لو كان هذا الواقع سليما لما كان لمثل هذه الظاهرة ان تتفشى اصلا. فما كان بالأمس من المسلّمات كالمثل الوطنية والذود عن حرمة الوطن وكرامته لم يعد اليوم قيما ترتبط بالعمل السياسي وإنما أصبحت مثل هذه المثل النبيلة قابلة للمزايدة والمتاجرة بها باسم واقعية زائفة وتحت شعارات مزعومة.. فأية واقعية تسمح لأي فصيل معارض بأن يحوّل الاختلاف في الرؤى والمقاربات الى خلاف حول الوطن؟.. وأية وطنية تبرّر تحوّل فعل المعارضة إياها الى القفز على القيم الوطنية؟ لأمس غير بعيد كان السياسي المعارض يضحي بالغالي والنفيس من اجل وطنه.. واليوم صار «الجدير» من العرب في نظر الأوساط الغربية يلقب ب «المعارض» وتسخّر له الابواق والأموال من اجل إرباك مسيرة وطنه لا النهوض به... بل ان هذا المعارض اصبح لا يجد حرجا في ان يلعب دور «الكومبارس» ويكون ورقة في يد الاجنبي لإبرام صفقات ضدّ وطنه الذي يتحدث باسم.. من هنا يصبح غير غريب ان تتحول بعض «المعارضات» العربية الى جزء من «المستنقع العام» الذي يقبع فيه العرب.. ويصبح غير غريب ايضا ان ينبري بعض «ساسة» المعارضة في التحريض على اوطانهم تحت يافطة الوطنية والعقلانية والواقعية.. فاذا كان الوطن العربي يعاني من غياب الحريات والديمقراطية كما يقول هؤلاء المعارضون كيف يجوز لهم ان ينهوا عن اشياء ثم يأتون مثلها وكيف لهم ان يحدثوننا عن الحرية والديمقراطية وهم يستظلون ب «خيمة» الاجنبي وينامون على وسادته.. أليس في ذلك «اغتيال» للوطنية التي عنها يتحدثون... ثم ألا يقاس الوطني بمدى تجذّره في «تربة» وطنه الذي لا يجب ان يخضع الولاء اليه لمقاييس الربح والخسارة.. بالامس فقط ذبح العراق من الوريد الى الوريد تحت شعارات من قبيل الوطنية والديمقراطية وغيرها حيث لم تتوان مجموعة من «المعارضة» في الجلوس تحت الخيمة الامريكية وانبرت تحرّض على غزو العراق متباهية بلعب دور «الكومبارس» في آلة الغازي التوسعية حتى انها حوّلت الصراع على الولاء الى الوطن الى صراع على الولاء للمحتل الاجنبي.. واليوم وفي الوقت الذي نشاهد فيه بأم أعيننا «فضائل» الوطنية والديمقراطية والحرية في العراق نجد انفسنا في لبنان امام وضع لا يختلف كثيرا عما هو عليه المشهد في العراق... حيث ما ان صعدت الولاياتالمتحدة من اتهاماتها ضد هذا البلد (لبنان) حتى بدأ ساسة معارضته في ترديد الافتراءات الامريكية ذاتها القائلة بأن لبنان يعاني من الاحتلال السوري ويتناسون ان الوجود السوري يمثل «صمام أمان» في الوقت الذي لا تزال النعرات الطائفية حيّة تنذر بعودة المشاحنات بين مختلف الطوائف اللبنانية التي تسببت في عهد قريب في حرب اهلية مدمّرة... كما يتناسون في ذات الوقت الدور الذي تلعبه دمشق في الحد من الاطماع الاسرائيلية في لبنان. ان الأمثلة في هذا المجال كثيرة بلا شكّ لكن ما لا يمكن ان نقبله على الاطلاق ان يقف هؤلاء «المترصدون» للخيبات على بوابة اوطانهم لتفتيتها وضرب الثوابت الحضارية في العمق بهدف استئصال الصامد منها في وجه رياح الهيمنة.