دامت رحلة بوش السرية الى العراق 26 ساعة ذهابا وإيابا.. ولم يبق في العراق سوى ساعتين.. بل لم يبق في مطار العراق المحصّن الا مسافة سرد خطاب برقي بعجالة تجاوزت سرعة الصوت... لم يفعل مثل ابيه او مثل كلينتون... لم يتجول بين العساكر في الهواء الطلق... ولم يصلّ معهم كما فعل من سبقه.. وكل هذا لأسباب امنية وقد صرّح بنفسه لمرافقيه انه سيلغي الرحلة من الاساس وان سافر فإنه سيعود على اعقابه لمجرد الشك في الظروف الامنية... وبعد هذا يقول ان الحلفاء يسجلون تقدما على الارض ويحققون امن البلاد. وبقدر ما كانت الرحلة ملفوفة بالكتمان بقدر ما كانت ملفوفة في ورق سيلوفان... حيث بدا الاخراج السينمائي صارخا لان المهم في هذه الرحلة هو الصور... المهم هو ان تكون هناك صور يستهلكها الناخب الامريكي ويقتنع ان بوش يقف الى جانب «المقاتلين من اجل الحرية» وانه يخاطر بحياته من اجل هذا... ولو مشى في طرقات الفلوجة وبعقوبة لصدقنا هذا الكلام ولكن... رئىس كتيبة كان حاضرا لتزيين المحفل استكثر على بوش زيارة تدوم مائة وعشرين دقيقة لان الليل اسدل ستاره وهو يخشى العودة الى الثكنة في طريق محفوف بالألغام. قلت ان الاخراج الهوليودي كان سيد الموقف حتى ان بريمر والجنرال بوزيد حفظا نصا مسرحيا لتقديم رئىسهم للجنود.. فجأة انتبهت الى انه لا احد في قاعة المطار يستطيع ان يمشي لوحده في شوارع بغداد ولو كان مسلحا... لا بوش ولا بريمر ولا بوزيد او الجنود ولا جماعة مجلس الحكم وهم عراقيون.. فكيف يحدث هذا وهم الطيبون الذين يموتون في حب الشعب العراقي.. وكيف يحدث هذا وهم المحررون الانسانيون الذين يعدون العراقيين بالحليب والعسل والديمقراطية. بوش زار العراق بمناسبة عيد الشكر... ولم يشكره احد.. وان شكر هو ربه فعلام؟ على دمار دولة وخراب حضارة.. على نكبة امة .. على ايقاظ العنف النائم في قمقمه... ثم هل يدري بوش ان عيده وافق عيد المسلمين؟ هل يدري ان عيد المسلمين في العراق فجرته صواريخه حتى صار ثلاثة اعياد... يوم الاثنين لفئة يوم الثلاثاء لفئة ثانية ويوم الاربعاء لفئة ثالثة... ويقولون «عراق موحّد».. وعراق اليوم لا يوحّده الا الألم والوجع وظلم الحاضر وظلمة الآتي... هل تدرون ان طائرة بوش حطت في مطار بغداد دون اضواء خشية القناصة بالصواريخ... تسلل تحت جنح الظلام وبغداد في العتمة منذ «تحريرها» الغاشم... ولّى زمن منذ عهد الرشيد كانت فيه بغداد الزاهية تتلألأ وتضيء انوارها السماء... 120 دقيقة... زيارة بوش تساوي لقاء كرة قدم بشوطين مع اختلاف بسيط وهو ان هذه المقابلة فيها شوط ثالث... اسألوا الاشباح..