من أحداث الحياة ما يخترق الذاكرة كسهم من نار لا يمحي أثره ولا ينسى أبدا، بل ما أسرع ما يعود الينا مع موكب من تداعي الخواطر أو استحضار ما مرّ بنا من صور الحياة، حلوها ومرها. قبل أيام رحلت بيّ الذاكرة الى هناك، إلى شقة مفروشة في «جوبيلي بليس» في حي تسلشي بلندن كنت استأجرها دائما في رحلاتي الصيفية الى انقلترا، حيث أتنفس بعمق الحرية والانطلاق وفي شوارع المدينة الهرمة، وكان أبعث المشاهد على الارتياح النفسي بالنسبة لي هو خلو الشوارع والميادين من وجود الدبابات الاسرائيلية والجنود وأنصاف المجنزرات ومن كل المظاهر العسكرية التي خلفتها في نابلس وسائر مدن الضفة المحتلة والمثيرة لوجع القلب. ها أنا في مكاني على المقعد ذات مساء صيفي أمام شاشة التلفزيون وقد انتهيت من مشاهدة آخر حلقة من حلقات مسلسل مؤثر كنت أهتم بمتابعته اسمه «سوريل والابن» يقوم بتمثيله الممثل البريطاني ريتشارد بارسكو. المسلسل يحكي قصة رجل فقير هجرته زوجته وهجرت معه ولدهما الصغير لتتزوج من رجل آخر يقف الرجل المسكين أمام حظه العاثر بإصرار وثبات، مواجها كل التحديات الكبيرة التي اعترضت حياته الصعبة، مصرا على تنشئة ولده تنشئة سليمة وتعليمه تعليما عاليا، ويصبح الابن جراحا بارعا يحظى بشهرة واسعة على صغر سنه. ولكن عبث الأقدار يلاحقه ملاحقة فجائعية، فيصاب بمرض لا شفاء منه ويموت أمام عيني الوالد المفجوع. الموت!.. لا أزال منذ طرقته الأولى على بوابة حياتي، لا أزال عاجزة عن مواجهة هذه الحقيقة المطلقة أو رفع الحجاب عنها. من الصعب عليّ التفاهم مع الموت أو التوصل إلى استشفاف غموضه. من الصعب التغلب على فقدان الأهل والأحباب. لا تفاهم مع الثكل. جهاز التلفون يرن في الغرفة، يعروني احساس منذر بالشر، ويلف أعماقي حدس تنبؤي مشؤوم لا أدري من أي مأتاه، ربما لكوني لا أزال تحت تأثير أحداث الفيلم المأساوية. صوت أحد معارفي في اذاعة لندن ينقل إلي نبأ فجائعيا لا يصدق. رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة تنفجر في سيارته قنبلة وتبتر ساقيه الاثنتين . انتهت المكالمة وغرقت الغرفة في ملكوت الصمت. رأسي تدور بالفجيعة والألم بالدهشة وغرابة النبأ، بعشرات الأسئلة : ما حكمة الشر في هذا العالم؟ أمن الحتم أن يكون الشر ثمنا للحرية؟! أهي جناية نستحق عليها العقاب حين نسعى إلى استرداد حريتنا المسلوبة؟ الى متى يظل الأمان والاطمئنان حلما فلسطينيا مستحيلا؟ بقيت مسمّرة في مكاني بلا حراك... ذاهلة مفجوعة. هذا الإنسان الفلسطيني الكبير، صاحب الرؤية الثاقبة والمبادىء الوطنية الثابتة. هذا الصلب موقفا والذي كان يدري أنه يحمل دمه على كفه في مواقفه الرافضة لمذلة الاحتلال وهوانه. هذا الصلب موقفا بدءا من مقارعته المستمرة لسلطات الاحتلال مرورا باتخاذ الحكومة الاسرائيلية يوم الأحد الحادي عشر من شهر تشرين ثاني قرارين كان لهما نتائج خطيرة حيث اعتقلته قبل تنفيذ نيتها على ابعاده عن الوطن على حين اعتمدت في نفس الوقت برنامجا جديدا للاستيطان شمال شرق نابلس. واكب كلّ هذا ارتفاع حرارة الانفعالية في اللاشعور الجمعي. هذه الروابط الوجدانية بين الأفراد والتي تنشأ نتيجة للروابط المشتركة بالوطن أو بالقائد. هذه الانفعالية اللاشعورية التي أدى اليها قرار اعتقاله، اندلعت واندلع معها مد من الاحتجاج في الضفة والقطاع لا مثيل له لتأكيد دعم عرب فلسطين وتأييدهم «لأبو نضال» وقد أعلن المجلس البلدي في نابلس ورئيس بلدية أريحا قرارهما الاستقالة. ذكريات وصور تتحرك في نفسي وفي مخيلتي وأنا لا أزال مسمرة في مقعدي أمام شاشة تلفزيون مطفأة : الهبة النسوية في مدينة نابلس. الاعتصام النسوي على مدى أيام متتالية في قاعة البلدية احتجاجا على اعتقال رئيسها... هتافات النسوة الاحتجاجية العالية. الأناشيد الوطنية تخترق جدران القاعة الى الشارع... قصيدتي الملتهبة : حريتي... حريتي، يشاركني في انشادها الجمع المحتشد... محمود درويش في باريس تنقل إليه صورة «جبل النار» فيكتب في مجلة (الوطن العربي) : نابلس حقل الأصابع يرفع علامات النصر... نهر من الأولاد يتدفق حجارة... مرج من النساء يغني : بلادي بلادي أنت حبي ... ولا يذهب المسيحيون الى يوم الأحد ولا يذهب المسلمون إلى يوم الجمعة... انهم جميعا يذهبون الى الحرية والنصر... فلسطين عربية «لتذهب كل الاحتفالات الى الجحيم، إننا نواجه قدرنا» هكذا يقول رئيس بلدية بيت لحم في يوم التضامن مع رئيس بلدية نابلس، والشرطة الصهيونية تحاصر الجمعة والأحد وكل الأيام. وينتهي المهرجان الوطني بالافراج عن الرئيس أبو نضال وعودته محمولا على الأكتاف، مصحوبا بانفجار الفرح في أعماق الشعب المنتصر الهادر. ولكن! لكن العدو المسكون بشر الأبالسة والشياطين، هل ترضيه هذه النتيجة الدالة على هزيمته أمام قوة الشعب؟! لم يبق أمام العدو الحاقد إلا هدف واحد لا بد من الوصول إليه، أن يخطف شباب هذا الرجل وينهي حياته. تحت ستار الليل يتسلل العدو الحاقد ويزرع في سيارة الرئيس العبوة الناسفة. لكن «أبو نضال» لم يمت. نعم، قد بترت ساقاه من الركبتين، لكنه ظل ذلك الانسان الصلب موقفا، الرافض أن يعيش القهر والاغتصاب مستسلما مسالما. هم يريدون أن يطفئوا مصابيحنا لتظل مصابيحهم مضيئة، لكن (أبو نضال) لم ينطفىء وظل على أرض الوطن مصباحها المضيء المتوهج. إن الحرية هي حقيقة الإنسان هي شرط وجوده، هي سعادته، فالإنسان لا يمكن أن يعيش بدون حرية. وتبث احدى وكالات الأنباء قصيدة لعملاق المسرح المصري العربي «حمدي غيث» فقد اهتز وجدان الممثل المسرحي الكبير لما أصاب رئيس بلدية نابلس وكتب أول قصيدة في حياته : زرعوك في أرض فلسطين قطعوا ساقيك، أولاد الأفعى أبناء الشريرين، همج القرن العشرين لو ألقوا ساقا في بحر الظلمات لو ألقوا أخرى في الصحراوات فستنبت كل منها زهرا شجرا أخضر في الفلوات وتموج الأبحر بالأنوار وستنبت سيقان أخرى وغابة سيقان الف، ألفان * فصل من كتاب «الرحلة الأصعب» كان قد سقط من المخطوطة التي بعثت بها فدوى طوقان إلى ناشر كتابها.