بقلم الأستاذ: جمال الدين بوغلاّب يقول الشاعر: وكيف يذوق النوم من عدم الكرى ويسهر ليلا والأنام رقود وقد كان ذا مال وأهل وعزّة فأضحى غريب الدّار وهو وحيد لمن لا يعلم كلّ أوجه المسألة، تظل الأرض أرضا والمكان مكانا، ويظل التفضيل إما رهين عواطف أو مواقع. لذلك تكون أحبّ البقاع على مدار الزمان ربوع الأهل ومسقط الرأس وفيها نظم الشعر ورنّ النغم يستوي في ذلك ساكن الصين و»توارق» مالي. ورحّل الصحارى. وعند أهل المال والأعمال يصطفى المكان بما يجلبه من منافع وربح لذلك أسس الاستعمار الأقطاب الاقتصادية والتجمعات السكانية على السواحل وحيث مصادر الثروة المادية النفعية المحضة. وهذا وجه آخر من أوجه انتخاب المكان وعلى أهميتها تظل خارج دائرة المراد. لأنها لا توفر إجابة لحيرة السؤال. أيهما يحتاج الآخر أكثر الإنسان أم المكان؟ وهل توجد أمكنة تطلب أصنافا معينة من البشر؟ كثيرا ما درج الناس وأهل الاختصاص عند تصنيف البشر إلى التقليل من شأن من لا أرض له، ومن لا مكان له، ومن لا وطن له. حتى أنه عند القبائل الجاهلية إذا أريد بشخص الهلاك عوقب بالاقصاء من المكان ومن فيه وذلك عقاب رهط سمّي بالصعاليك. وكثيرا ما يموت جرّاء هذا الاقصاء. وبتطور الزمان أضحى هذا «التغريب» عقابا يجعل الانسان «بدون» أي بلا هوية. وهي جريمة حسب فلسفة القانون الدولي الانساني ووضعية واقعية يعرفها بعض ساكنة الأرض تستدعي الحل. وعند المفاضلة بين أهل البلد الواحد يقال «فلان له أطيان» أي أراض. ومن لا يكسب خيمة في قبيلته كيف له الدفاع عن حياضها؟ والمستأجر أو الموهوب له راحل لا محالة لأن وجوده رهين منّة أو مقابل فكيف يصنع المقاتل في ظل تأجير المسكن؟! وكيف تتفتح خلجات المشاعر وثقافة الانتماء للمنبت الذي لا يملك من انتمائه لعشيرته إلا تصريح «دفتر» القبيلة بأن «هذا» ولد «هنا» ويدفع عمره وأحلامه من أجل أن يظلّ تحت «سقف الغير»؟! لذلك شاع بين الناس التعبير عن فقد المكان والوطن حتى قيل «مشرّد»، «لاجئ». وثمة قناعة محل اجماع علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا قوامها أن الاستقرار في المكان يبني الحضارات ويحقق المدنية. بمعنى أن استهداف هذه القيم هو بداية رحلة مريرة تنتهي حتما بتقويض الاجتماع البشري والعودة إلى «بدايات حركة الإنسان في المكان». وهذا يحملني إلى الاجابة الثانية أنه توجد فعلا «أمكنة» محدّدة بخصوصيات معينة تتطلب أصنافا من البشر. وهذا الاستنتاج وإن لم يكن محل اجماع الجغرافيين ودارسي ظاهرة «حركة البشر» فإنها تظل قناعة شخصية وليدة قراءة واقعية. فالمنطقة العربية لو وضعنا خريطة العالم أمامنا وتسلحنا بشيء من المعارف التاريخية تظل النواة الصلبة لمولد الحضارات والديانات علاوة على خصوصياتها الطبيعية مناخا وموارد. حيث ما حوّلت وجهك مصادر للطاقة والحركة وأرضا تحكي تاريخ «مأرب» و»هدهد سليمان» وحضارات الرافدين ورحلات الشتاء والصيف وأرض كنعان ورحلة ابراهيم ووادي طوى وقارون وفرعون ورحلة عليسة ومولد المسيح ومعجزاته وجريمة محاولة قتله ورحمة الربّ برفعه ودماء سالت ورايات حبّ رفعت وقصص ألف ليلة وليلة وبدائع الزمان. تلك رائحة المشرق العبقة بطقوس «الحلاج» وسؤال «الفارابي» وبحث عن الحقيقة المفضي لقيم الابداع والاتباع. ويقوم السؤال: هل بالمنطقة إنسان في حجم المكان؟ هل يستحق ساكنوه ما يفعل بهم؟ لكأني بالمكان أكبر من راهن إنسانه، بل لكأنه التشفي لكن ممّن ولماذا؟ نحن أمة صفح ونسيان أذى. ألم تكف في حقنا محاكم التفتيش؟ بل لعلّ تجربة «الأندلس» ونجاحها دفعت وأغرت بالمزيد. فكان بلفور وتهجير 1948 و1967 والآن تحاك على مهل عملية غسل للدماغ تستند للرضى بالموجود الممكن الذي يتقلص كل يوم على وقع الوهن والضعف ودبابات الغازي. ربما هو إعلان لمستقبل «الانسان» عن فشل مشروع وتهيئة للقادم من حلول بل لعله خلاصة فشلنا نحن داخليا منطقا وخطابا وبرامج وآليات عمل. فقد يختلف العربي مع العربي بل لابد لهما من الاختلاف والخلاف لأن ذلك ظاهرة عقلية سليمة ولكن لن يكون ما نرى بأية حال، فالتشفي بالسقوط غباء فهم وخطيئة سياسة وقصور استراتيجي فالذي أكل «الدجاجة» الأولى قادر على البقية والقادر على تدجين «الأسد» ومصادرته أقدر على ما دونه من الكائنات. لذلك أحذر أهل الرأي والنفع من شرّ ثبت انه آت تجول الفكرة ولا يصادرها قانون طوارئ ولا منع جولان.