كتب غابريال غرسيا ماركاز رواية «وقائع موت معلن» بطلها سنتياغو نصّار من بلاد الشام احبته فتاة عذراء فألحقها، كما تقول صحافتنا، بصفوف النساء وحين تزوّجت غيره، انتبه عريسها الى ان العروس غير عذراء، وبعد التحقيق معها علم اخواها ان سانتياغو هو الذي جعل اختهما في وضع غير لائق بالشرف العائلي، فقرّر الاخوان اغتيال الفاعل. لم يكن قرار الاغتيال خفيا او مضمرا فقد اعلن الاخوان امام عموم سكان القرية انهما سوف يثأران لأختهما وللشرف الرفيع الذي لا يسلم من الأذى الا اذا اريق على جوانبه الدم. تماما كما قال المتنبي. ولم يُثر قرار القتل المعلن المُظهر، وغير المضمر اي احد في القرية، ولقد انتظر سكانها وقوع الحدث دون تدخّل، وكأن الامر يتعلق بفرجة قريبة منتظرة او وصول شريط سينمائي مثير الى شاشة القرية. ومعنى هذا ان «العمل» الوحيد الذي ينتظر هؤلاء السكان هو «الفرجة على جريمة». 2 كانت حجة القتل واهية وتافهة في نظر البعض، والحجة قوية لدى رأي قسم آخر من الناس، وكافية للقتل لدى الأخوين. غير ان الصمت والفرجة شكّلا اساس التراجيديا التي انتهى اليها البطل، ولم يستطع احد ان يرفع صوته ليغتال فكرة الاغتيال او يده ليخطف فكرة القتل التي كانت تهيمن على الأخوين. 3 ان الاعلان وما صاحبه من صمت هو المثير في هذه الرواية التي لا تعبّر عن حادث حدث ويحدث باستمرار في كل عصر وفي كل مصر. اما حادثة القتل هذه، فهي رسالة موجهة الى كل شبان القرية وقد وجهها الاخوان اللذان يمثلان حراسة القيم الراسخة التي تربيا عليها. ومعنى هذا ان القاتلين لم يلجآ الى اي جهة قضائية او بوليسية فكانا يحتكمان الى ما دبّراه استنادا على العرف لحماية الشرف العائلي. 4 وكما في جلّ الروايات الانسانية ذات البعاد القصوى في تناول الابطال في سطوحها كما في اعماقها، فإن عدد التأويلات يكون بعدد القراء المختلفين القادمين من مشارب مختلفة ومسارب شتى في النظر الى امور الدنيا وما ينتج عن هذا النظر من مواقف، وهكذا.. قد يصبح القاتل هنا هو البريء والمقتول هو المجرم، وقد انتصر الحق بسحقه. كما قد يبدو المقتول محتاجا الى مزيد من التقتيل والقاتل الى القُبل والتقبيل لانه خلّص الإنسانية من الشرّ وبشّر بعالم سعيد وعيش رغيد. على كل من يفكّر في ان يحمل سكينا عليه ان يقسم انه يريد ان يقطع به بصلا ولا يهدف الى ان يكون بطلا. 5 قد يصبح القاتل هو البريء الذي ظن ان العدالة لن تفهمه وقد لا تنصفه كما يحب وهو لا يحب شيئا آخر غير العدالة الواقفة مع وجهة نظره الصائبة، وهنا تكمن المصيبة. وفي المقابل يصبح القتيل هو المجرم الذي لا مصير له خارج مايراه قاتله البريء وهو يهيمن على القرية بالسلاح فتواجهه القرية بالصمت والفرجة كما هو الحال في وقائع الموت المعلن التي يمكن اعتبارها اثرا فنيا ترجمانا شديد الفصاحة كثير الأمانة وهو ينقل عالما انسانيا قائما على الاختلاف المنشود والديمقراطية والحرية، ولكن المسألة الأخطر هي ان تصبح الحياة مستحيلة عندما يضمُر اللسان ويتضاءل الفكر وتعلو اللكمات على الكلمات. فيتحول المجتمع الانساني الى غابة حقيقة حيث يعسر ضبط الخيط الناظم بين العادل والظالم. وبين الرأس والذيل، وبين القاتل والقتيل والضارب والمضروب وساعتها يتحوّل المجتمع المدني الى مجتمع بدني.